(Searching): فيلم بوليسي درامي يتم سرد قصته بالكامل من خلال نوافذ رقمية

• لمطالعة الحلقات السابقة من (أفلام غرفة).
• لتحميل الكتاب كاملًا في صيغة PDF.

ينتمي فيلم (بحث) إلى اللون البوليسي، تتمحور حبكته حول اختفاء مراهقة أمريكية من أصول آسيوية تدعي (مارجوت)، اضطر والدها ديفيد كيم –الممثل (جون تشو)-  إلى الاتصال بالشرطة، أسفرت الأحداث عن سلسلة من الصدمات للأب، جعلته يتساءل:

– «هل أعرف ابنتي حقًا؟!».

نفس فكرة الاغتراب التي تثير شاغل الأفلام المرتبطة بـ (أدوات التواصل)، كما سبق ورأينا في (غرباء بالكامل).

الخطوط العريضة لـ (بحث) كفيلة بجعله عملًا مشوقًا لا يخلو من الإنسانية، لكنه التفرد الأبرز للفيلم لا يكمن في الموضوع، بل في طريقة السرد؛ طوال الـ 102 دقيقة (مدة الفيلم)، يطل المتفرج على الأحداث بالكامل من خلال نوافذ رقمية (شاشة كمبيوتر، هاتف ذكي، تسجيلات كاميرا مراقبة، تلفاز، تحركات على خرائط جي بي إس).

عندما نعرف أكثر عن مخرج الفيلم (أنيش شاجانتي)، سيسهل علينا تخمين الخلفية التي قادت إلى خروج تجربته السينمائية الطويلة الأولى بهذا الشكل. نحن أمام مخرج صغير السن (27 عامًا)، متعدد المواهب (شارك في كتابة فيلم «بحث» مع سيف أوهانيان).

والده مهندس الكمبيوتر، هاجر في الثمانينيات من الهند إلى الولايات المتحدة، وأسس شركة في مجال تخصصه. سار الابن على نفس درب النجاح، إذ قام -وهو بعد في الثالثة والعشرين من العمر- بتدشين فيلم قصير (دقيقتين) تحت اسم (بذور)، حقق مليون مشاهدة في يومه الأول. مما لفت أنظار (جوجل) ليستعينوا بالشاب ضمن الفريق المسئول عن  تطوير إعلاناتهم التجارية.

المنصب الجديد لم يشغل (شاجانتي) عن الاستمرار في إصدار أفلامه القصيرة، حتى بلغ عددها خمس وعشرين. جدير بالذكر أن (بحث) كان فيلمًا قصيرًا بدوره، أثار حماس جهة إنتاجية، فوضعت ميزانية تحت تصرف (شاجانتي) لتحويله إلى عمل طويل. كان رهانهم في محله عند الوضع في الاعتبار أنه حقق أرباحًا تقدر بـ 70 مليون دولارًا.

من منا لم يقع في سوء فهم، عند استخدامه الرسائل النصية والإيموشنات، لأن الطرف الآخر لا يرى وجهك بأي حال، فيصعب عليه التأكيد إذا كانت عبارتك مزاحًا، أم سخرية، أم نفاد صبر.

لنفس السبب، ظننت أن تكنيك سرد فيلم (بحث) قد ينجح –ببعض الصعوبة- مع جعل المتفرج يندمج مع الحبكة البوليسية، إلا أنه سيغدو قاصرًا فيما يتعلق التعبير عن الأبعاد الإنسانية.

منذ أول عشرة دقائق في الفيلم، اكتشفت أنني كنت مخطئًا. حيث شاهدت فيديوهات وصور، عبرت -بتكثيف غير مخل- عن ملخص حياة أسرة (ديفيد كيم)، قبل وبعد رحيل الزوجة (باميلا).

استوقفنـي تحديـدًا ذلك المشهـد الذي تحـرك فيـه مؤشر الفارة نحو أيقونة ملف (فيديو للأم وطفلتها، أثناء إعدادهما لوصفة طعام في المطبخ)، توقف المؤشر وهلة معبرًا عن تردد يد الزوج.

اختبرت هذه النوع من التردد سابقًا، فوصلني الكثير من المعاني عبر تلك الوقفة البسيطة للمؤشر، ربما بأكثر مما كان سيصلني بواسطة كادرات مقربة حية لوجه (ديفيد).

تسبب هذه اللحظة في إعادتي النظر في كل ما اقتنعت به سابقًا بخصوص مدى فاعلية الوسائط الرقمية في التعبير الإنساني.

**********

لو نظرنا إلى الخط العام لتاريخ تكنيكات (السرد)، لن نستطيع تأمله بمعزل عن تطور وسائل الإعلام والتواصل. عرف العالم قديمًا ما يسمى بـ (أدب الرسائل). ثم ظهر عصر الصحافة، الذي فرض –بدوره- تزاوجًا بينه وبين أساليب القص الأدبي، نفس الشيء الذي تكرر في القرن العشرين، بميلاد فن (السينما). ليظهر ما عرف بـ (أفلام صحفية/ وثائقية).

في المقابل، حتى النثر الأدبي (روايات، قصص قصيرة، وحتى مقالات) تأثر بتكنيكات (السيناريو).

ظننت أن عصر الابتكار في ميدان (السرد) قد ولى، فلن يتبق أمام المؤلفين -سواء في الأدب أو السينما- إلا إعادة معالجة الأساليب القديمة، لا أدري كيف فاتني أن وسائل الإعلام لن تتوقف عن التطور، مما يوفر مصدر متجدد صالحة للتزاوج مع أساليب السرد، لنتج هجائن متفردة باستمرار.

ليست لدي معلومة دقيقة عن أول فيلم استوحى تكنيكه من وسائل التواصل الحديثة، ربما هو (حذف صداقة Unfrined)، الذي اختار سرد القصة بكاملها من خلال غرفة دردشة إلكترونية. فربما بهذه الطريقة يتماس مع مفهوم  (أفلام الغرفة) أكثر بكثير من (بحث). لكن الأخير أكثر إنسانية بمراحل، فقررت الانحياز للجودة، ولو على حساب الابتعاد بعض الشيء عن موضوع كتابنا.

مع أنني لا أظن بأنني ابتعـدت كثـيرًا، بل –بقليـل من التفلسف ولويّ عنق الحقائق- يمكن الزعم بأن (الأفلام المسرودة من خلال وسائط رقمية) بمثابة الابن الشرعي لفكرة (أفلام الغرفة)، مع فارق أن:

– فكرة حصر الأحداث داخل مساحة ضيقة ثلاثية الأبعاد، تحولت إلى مسطحة/ ثنائية الأبعاد.

**********

استغل فيلم (بحث) كل الطرق المباشرة وغير المباشرة، للتعبير عن الأمراض التي تسببت فيها وسائل التواصل الاجتماعي.

من أكثر القصص الجانبية التي لفتت نظري في الفيلم: اتصال الأب بإحدى زميــلات ابنتـه، التي أجابت بلامبـالاة أنها لا تعـرف عنها شيئـًا. ليستـا صديقتين مقربتين.

عندما تحول (اختفاء مارجوت) إلى تريند تتداوله كل وسائل الاعلام، قام الأب باستطلاع مستجدات الأخبار مستخدمًا محرك البحث، ففوجئ بفيديو على يوتيوب لنفس الزميلة، تتباكي أمام الكاميرا، بينما تبدأ حديثها بعبارة: (كانت صديقتي المقربة). ركز الكادر بعدها على خانة (عدد المشاهدات) أسفل الفيديو، التي قفزت بصورة جنونية.

لم تحتل هذه القصة الجانبية سوى دقيقتين أو ثلاثة من الفيلم، لكنها في رأيي  أصدق تعبير رأيته عن مرض (تسلق التريند).

حدثت مفـارقة أخـرى عندما شـاع أمـر القضيـة، وتحولت إلى وسم (هاشتاج) على مواقع التواصل، حيث ظننت أن التعاطف مع الأب سيكون أمرًا منتهيًا، ربما لأنني –كمشاهد- كنت أرى الأحداث بعيون الأب منذ البداية، لكنني فوجئت بالفيلم يعرض الانقسام المتوقع للرأي العام، بين من يناقش ما حدث، وآخرون يتفلسفوا في تحليل ما ورائه، قال أحدهم تلمح إلى احتمالية أن الابنة هربت، وأن والدها ليس بريئًا تمامًا من يكون سببًا في ذلك.

فور أن رأيت هذا المشهد، وضعت نفسي تلقائيًا محل الأب، كيف سأستقبل مثل هذا الرأي الجارح، أهذا وقت مناسب لترك القضية الرئيسية، والتفـرغ لتحليل شكل علاقتي بابنتي!

تسببت (أفلام الغرفة)، في أن أتعرف -للمرة الثانية- على شكل جديد من طرق استعانة السلطات الغربية بالمدنيين.

المرة الأولى من خلال فيلم (12 رجلًا غاضبًا)، الذي يشرح –ضمنيًا- نظام (المحلفين)، الذي يشركهم في قرار السلطة القضائية.

الثانية: في فيلم (بحث).. رأيت السلطة الأمنية (الشرطة) تفتح الباب للتطوع في البحث عن (مارجوت).
سرعان ما امتلأت الساحة بفرق المتطوعين الذين يتم تمييزهم بسترات فسفسورية موحدة، يرتدونها فوق ملابسهم.

رأيت نوعًا من المفارقة في هذا المشهد، عند مقارنة ردود فعل الرأي العام عبر الفضاء الافتراضي، التي لم تخلُ من القسوة على الأب، بينما كان الوضع أكثر دفئًا ورفقًا به أحيانًا على أرض الواقع، عندما وجد نفسه محاطًا بكل هؤلاء المتطوعين.

فور ظهور الشرطية (فيك) ضمن أحداث الفيلم، دونت ملحوظة جانبية في مسودة المقال، تخص إعجابي باتقان رسم الشخصية على الورق، وبراعة تجسيد الممثلة (دييرا ميسينج)، إذ رأيت فيها منذ الوهلة الأولى مزيجًا من (إنسان صلب جدير بالاعتماد عليه).

في نفس الوقت، (شفافة، لا تخفي تفاعلها مع القضية كأنثى/ أم).

ظننت أن كلتا الحالتين متناقضتين، يصعب اجتماعهما في شخص واحد. إلا أن (فيك) نجحت، وعندما وصـل الفيـلم إلى نهـايتــه، أدركـت أنهــا نجحت أكثر من اللازم.

استطاع السيناريو خلق مفاجآت عدة، جعلت إيقاعه خاليًا من أي إملال، كما حافظ على التوازن بين اللغز البوليسي لاختفاء (مارجوت)، والتعقيد الإنساني فيما يخص علاقتها بوالدها.

بينما انشغلت في تأمل نقاط قوة السيناريو، انتبهت إلى سؤال بديهي، كان يجب أن يسبق هذا كله:

– كيف تمت كتابته من الأساس؟

كيف يبدو شكله؟

يتملكني فضول شديد تجاه رؤية ورقة واحدة منه على الأقل، فما أعرفه أن السيناريو يتخذ أشكال عدة، أشهرها يعتمد على تقسيم كل صفحة فيه إلى نصفين، أحدهما لـ (الصوت) يتضمن: الحوار، الموسيقى التصويرية، المؤثرات السمعية، بينما يقابلها النصف الآخر الذي يحتوى ما يوازيهم كـ (صورة): وصف الديكور، حركة الكاميرا، الممثلين، إلخ.

بناء عليه، أتصور أن سيناريو فيلم (بحث) تطلب طريقة كتابة مختلفة بعض الشيء، فبعض مشاهده اقتصرت على مؤشر فارة يتحرك على شاشة، يفتح ملفات، أو يتنقل بواسطة محرك البحث.

********

القراء القدامى لد. (أحمد خالد توفيق)، الذين تصادف أن رأوا فيلم (بحث)، ربما  يتفهموا -مباشرة- سبب قولي:

– أثناء منتصف مشاهدة الفيلم، تذكرت (أسطورة الغرباء).

أما من هم ليسوا من قراء د. (أحمد)، فألخص لهم الأمر في أن (الغرباء)، تمثل العدد رقم (18) من سلسلة (ما وراء الطبيعة)، تتشابه مع فيلم (بحث) في أن كلاهما يتكون من قصاصات متفرقة، مع فارق أن الفيلم اعتمد على قصاصات رقمية.

أما الكتاب فتم سرده بالكامل من خلال قصاصات ورقية (صحف، رسائل، مذكرات شخصية، إلخ). وصل (توفيق) عددًا كبيرًا جدًا من رسائل القراء، يعبرون عن عدم إعجابهم بالعدد، مما جعله يداعبهم  باقتراح تكوين نادي تحت مسمى (أعداء أسطورة الغرباء).

أعترف بأنني كنت أحد أعضاء هذا النادي، إذ أصابني أسلوب سردها بالتشتت، ففشلت في الاندماج مع الأحداث، لذلك ارتبكت قليلًا عندما شاهدت (بحث)، وتساءلت:

– هل ظلمت (الغرباء) لأنها رواية مقروءة، أي أنها لو نقلت إلى الشاشة بنفس التفاصيل، لبرزت كعمل مترابط عبقري؟

بعد قليل من التفكير، صرت أميل إلى أن الإجابة «لا». الفارق بين (الغرباء) و(بحث)، أن الأولى تعرض قصاصات مبعثرة تخص شخصيات مختلفة. بعكس الفيلم الذي اعتمد على (الأب) كعمود فقري، كنا نرى كل شيء بعيونه.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)