(5) ما بعد أحمد خالد توفيق: أدب الرعب.. متى وكيف؟

استهلال.

اليوم الثالث من عيد الأضحى، جلست وحيدًا أُمسك مفكرتي وأُشخبط فيها عسى أن ينشق دماغي عن فكرة ما تصلح للكتابة، لكن -دون إرادة مني- أجدني أخط أسماء بعض الكُتّاب وأرسم فيما بينها بعض الخطوط، وأتبعها بالقليل من الملاحظات.

كان عقلي الباطن يحاول تذكيري بأن عليّ أن أُكمل ما بدأت، على أن أبدأ في كتابة المقال السادس، هكذا رحت أكتب، وأسكب كل ما بعقلي داخل الوريقات الصغيرة بيدي، هكذا وبمنتهى السهولة، قفزت إلى آلة الزمن.

***********

(في أواخر العقد الماضي، الطفرة التي غيرت كل شيء)

في ذلك الوقت، كان أدب الرعب يتلخص في سلسلة (ما وراء الطبيعة)، التي كانت في أوج مجدها، وإصدارات دكتور أحمد خالد توفيق ودكتور تامر إبراهيم مع دار ليلى، فلم يكن أدب الرعب حينها سوى السلاسل، قبل أن يأتي هو.

لم يكن سـوى شاب أحب كتـابة الرعب، وأراد أن يقدم شيئًا مختلفًا عما هو معروف، أراد أن يُري العالم بأسره أن لدينا في التراث العربي ما يجعلك ترتعش خوفًا ورعبًا.

كتب وهو لا يـزال في السادسـة عشر مـن عمره ثلاثية تحت عنوان (مخطوطة ابن إسحاق)، وانهمك في البحث عن أي دار نشر تقبل أن تنشر له ما كتب، وكان الرد دائمًا (لا يمكن نشر كتاب رعب بحجم رواية كبيرة منفردة، إن أرد أن تكتب في الرعب، فلتذهب إلى المؤسسة العربية الحديثة، هناك ينشرون ذلك النوع من الكتابات).

لم يستسلم الشاب، وظل يبحث حتى انتهى به الطريق مع دار نشر جديدة تُسمى (اُكتب). أعجبت الفكرة صاحب دار النشر، ووقع عقدًا مع صاحبها.

وهكذا، تم توزيع الجزء الأول من (مخطوطة ابن إسحق) تحت عنوان (مدينة الموتى). حقق الجزء الأول نجاحًا لا بأس به، وتُبعه الثاني (المرتد)، والذي حقق نجاحًا أكبر من الذي سبقه، ووضع الكاتب الشاب على خريطة الكتاب العرب.

أعتقد أنكم أصبحتم تعرفون الآن عمن أتكلم، إنه حسن الجندي،  ذلك الشاب الطويل الأبيض، ذو الجسد العملاق، والذي يخاف الجوافة.

في ذلك الوقت، ومع صحوة أدب الرعب، وجدت شابة في العشرينيات من عمرها تكتب قصص الرعب منذ الصغر، كانت تكتب دون يأس، على أمل أن تصبح كاتبة كبيرة يومًا ما.
ومع انتشار وسائل التواصل ودخول الانترنت في كل منزل، صنعت لنفسها مدونة (Blog) وأسمتها (قصص رعب)، راحت تنشر فيها كل ما ألفته، وتعد القراء كل ثلاثاء بقصة جديدة.

هكـذا عرف الجميع (سـالي عـادل) في أول الأمـر، ومن هنا، بدأت حكاياتها في السعي وراء دور النشر لنشر رواياتها، وقيامها بطباعة الروايات على حسـابهـا الشخـصي وتوزيعهـا على المكتبـات، بالإضـافة إلى تنظيمهـا العـديـد من النـدوات لمـن يكتبون ذلك النوع من الأدب والمهتمين به.

نستطيع القول أن سالي عادل كانت الشعلة النسائية الأولى الأبرز لأدب الرعب في العالم العربي، وانتهت رحلتها المثابرة أخيرًا عند المؤسسة العربية الحديثة التي رحبت بها وبسلسلتها الفريدة في أفكارها. في معرض الكتاب 2013م، صدر العددين الأول والثاني من سلسلتها (الحب والرعب).

1- العطايا السوداء.

2- كاهنة التايتانك.

حققت سالي عادل مع أول ظهور لها نجاحًا لافتًا، وصف دكتور أحمد خالد توفيق سلسلتها بأنها «الوريث الشرعي لسلسلة ما وراء الطبيعة».

بالاستمرار مع الأقلام النسائية، أصدرت دار جديدة تدعى (الرواق) عام 2011م روايـة للكاتبـة الشـابة (شـيرين هنـائي) تحت عنـوان (نيكروفيـليا)، قدمهـا دكتـور أحمـد خـالد توفيـق ودكتور نبيل فاروق، تناولت الرواية نوعًا سوداويًا من الرعب، جعلها طفرة مميزة أخرى في السوق المصـرية.

أتبعتها المؤلفة بنشر كتاب كوميكس رعب من رسوم الفنانة (حنان الكرارجي)، تحت مُسمى (عجين القمر)، اعتبره الكثيرون من التجارب الجميلة جدًا في ذلك المجال، وهكذا حققت الكاتبة (شيرين هنائي) قاعدة جماهيرية تتابع كتاباتها وتحترم أعمالها.

***********

واصلت شهرة حسن الجندي اتساعها، وزاد عدد المُنتظرين للجزء الثالث من المخطوطة، لكن حسن الجندي لم يكتفِ بذلك المسار، بل تبع ذلك بالعديد من الكتابات المغايرة، منهم:

مجموعة قصصية بعنوان (لقاء مع كاتب رعب)، ثم رواية (نصف ميت) والتي أبهرت من قرأها وأرعبته أيضًا، وأثبت فيها الجندي أنه ليس مجرد مبتدئ.

بالإضافة إلى رواية أخرى وهي (الجزار)، والتي تمتعت بنفس الأجواء السوداء لسابقتها، ويخرج علينا حسن الجندي في وسط كل ذلك بمجموعة قصصية من نوع خاص تحت مُسمى (حكـايات فرغلي المستكاوي)، والتي تعـد تجـربة فـارقـة فى تقـديم أدب مـن نـوع خـاص.. رعب ساخر، تبعتها موجة لاحقة من نفس النوعية.

انتابت حالة من الدهشة والضحك في ذات الوقت كل من قرأ المجموعة، فكيف لمن يكتب تلك الحكايات السوداء أن يكتب تلك الـ (مسخرة)! حيث  أصبح الرعب والضحك شيئًا واحدًا!

***********

بعد الرواج اللافت لرواية (نيكروفيليا)، أصدرت دار الرواق عملًا جديدًا للكاتبة شيرين هنائي بعنوان (صندوق الدمى)، يمكن تصنيفه كرعب فانتازي اجتماعي، ذو أجواء منزلية باردة، تناول محتواه فكرة الماسونية.

حققت الرواية الثانية نجاحًا لا بأس به، ولاقت فكرتها الإعجاب، بينما تزامن مع صدور الكتاب ظهور اسم جديد على الساحة، لكاتبة ذات أسلوب مميز.

كانت دار ليلي –بشكل عـام- نقطة انطلاق العديد من الكتاب الشباب والموهوبين، منهم كاتبـة قادمة من عالم المدونـات، قبـل أن تنتقـل إلى الكتابة الورقية، د. بسمة الخولي.

نشـرت في البـداية روايتهـا (لأنكـم أحيـاء لأننـا موتى)، ثم تفرغت بعد ذلك للقراءة وكتابة قصص الرعب الإذاعية في برنامج  (ع القهوة) مع أحمد يونـس.

 

قبل أن تُصـدر روايـة ثانيـة عام 2014م بعنوان (أتما)، والتي صنفت كرعب نفسي، نشرتها مع دار كبيرة وهي (المصرية اللبنانية).

يعتبرها الكثـيرون كاتبـة ذات قلم متميز، وأفكـار تستحق القراءة، لذلك لا يمكن تجاهلها عند التكلم عن الأقلام النسائية في أدب الرعب.

***********

(تقدمنا كثيرًا بالزمن، لنعد إلى 2012م مجددًا)

لا يحلو الحديث عن أدب الشباب دون التطرق إلى كاتب أصبح اسمه يتردد في جميع الأوساط، هو أحمد مـراد. وعند ذكر أحمد مراد فإن أول ما يخطـر في البال غالبًا.. روايته (الفيل الأزرق)، التي أبهرت أغلب من قرأها.

تبدأ الرواية بأمراض نفسية ومستشفي مجانين، ثم تنقلب عليك طاولة الأحداث لتجد نفسك فجأة أمام حالة تلبس من جن، وليس فصامًا. تنتهي الرواية بخاتمة مفتوحة تاركة العديد من الأسئلة دون جواب. فتتعدد التفسـيرات وتتسـع شهرة الرواية، إلى أن سمعنا الخبر اليقين عن نيتهم تحويل الرواية إلى فيلم، ثم تترشح إلى جائزة البوكر لعام 2014م وتصل إلى القائمة القصيرة بها.

في نفس العام، عُرض فيلم الفيل الأزرق، والذي انتظره الكثيرون على مدار سنة وأكثر، ليكسر كل التوقعـات، ويحقـق نجـاحًا رائعًـا، رغم انتماءه إلى نوعية شبه غائبة عن السينما العربية.

فيما بعد، تحولت الرواية أيضًا إلى عرض مسرحي في دار الأوبرا، سواء اختلفنا أو اتفقنا في أمر تلك الرواية، فإنها قد أحيت الكثير من الأُمور المندثرة في مجتمعنا، كالمسرح والموسيقي والسينما ذات الجودة، المستلهمين عن نصوص أدبية.

يُعيدني ذلك إلى الحديث عن الكاتبة (شيرين هنائي)، والتي أرجعت إلينا الأمل –بدورها- في رؤية فيلم آخر من نوع خاص، حيث عرض المخرج رامي إمام على الكاتبة تحويل (صندوق الدمى) إلى فيلم جاري التحضير له.

***********

لدينا أيضًا (محمد فاروق المليجي) كاتب مجموعة (العطشجي) القصصية، والتي أشاد الجميع بها كمجموعة فريدة من نوعية تدور أحداث قصصها المرعبة على خلفية من الأجواء الصوفية، فى إطار ينـادى لأول مـرة بـ(الروحانيـات بديـلًا عـن الظلاميات).

تبعها الكاتب بملحمة فانتازية صدر جزءها الأول عن دار نهضة مصر، تحت مسمى (سيكتيريوم)، مزج فيها ما بين الرعب والفانتازيا والصوفية والعديد من الثيمات الأخرى.

وسط كل ذلك، وبعد انتظار طال لسنوات، نشر الكاتب حسن الجندي الجزء الثالث من مخطوطته (العائد) مع دار (نون)، وتخطت طبعات ذلك الجزء المنتظر -حسب تصريحات الدار- عشرين ألف نسخة.

وفي نفس الوقت صدر من سلسلة (الحب والرعب) لسالي عادل ستة أعداد إلى الآن، لكن عند حديثنا عن الرعب الحالى، من الضروري أن نذكر قلمًا مميز أضاف إلى أدب الرعب أيقونة مرعبـة ومتقنـة الصنـع تحت عنـوان (ليـل)، وهـو الكاتب محمد عبد العليم.

رغم أن عبد العليم بدأ الكتابة بعد الثلاثين، إلا أنك تستشعر وكأنما لم يفلت القلم منذ وُلد، بدأ مشواره بالمركز الأول في مسابقة (نبيل فاروق) على مستوى الوطن العربى، ليقلدها لها الكاتب الكبير شخصيًا. ثم أتبعها بالفـوز مسابقة جماعة (التكيـة) للقصة.

أولى خطواته فى النشر جاءت مع رواية (داي نيبون) عن دار ليلى، ثم توالت الأعمال حتى وصل إلى ذورة النضج مع روايتيه (ليل) و(القتلة)، تعد الثانية جزء من ثلاثية طويلة تحمل اسم (الأخير).

يعتبر الكثيرون محمد عبد العليم أحد الكُتاب المظلومين دعائيًا، رغم براعته، وسعة ثقافته، ودراسته للموضوع جيدًا قبل التحدث عنه، إنه كاتب أثبت أن الرعب ليس مجرد حكايات، بل هو فن يحتاج إلى العمل والاجتهاد من أجله.

***********

هناك أيضًا كاتبة يُذكر اسمها على استحياء، ويتردد في كثير من الأروقة، نظرًا لانتشار قصصها على الانترنت، وجودة ما تكتب، إنها بنت الصعيد (منال عبد الحميد). لها العديد من الإصدارات في الأسواق كان آخرها رواية ورقية عملاقة وهي (ستيغماتا)، علاوة على (السبيّ) أولى أجزاء ثلاثية تحمل اسم (أنهار بابل).

بالإضافة إلى الكاتب (علاء محمود) صاحب مجموعتيّ (خطوات ليلية) و(ظلال الخوف).

في الأعوام القليلة الماضية، ظهر المئات من الكتاب، والعشرات من كتاب الرعب، لكن قليلون صنعوا اسمًا سرق انتباه جموع القراء، ويجعلهم يتجهون إلى المكتبات لشراء أعماله فور صدورها.

من أبرز هؤلاء:

عمرو المنوفي، الذى بدأت شهرته من رواية (عزيف)، مع أنه سبقها بكم غزير من الأعمال.

بالإضافة إلى القلم الذى يطور نفسه باستمرار:

(محمد عصمت)، صاحب (الممسوس) و(التعويذة الخاطئة).

حسين السيد، الذي عرف بين الناس بأسلوبه الساحر رغم بساطة أفكاره مع صدور روايته (الجثة الخامسة).

هناك العديد من الكُتاب التي لن تكفي صفحات مجلد للحديث عنهم كـ(هاني حجاج، محمود إمام، ياسين أحمد سعيد، مصطفي جميل، أحمد شوقي، محمود الجعيدي، عمر عودة، شيماء محمود، إلخ).

***********

أعتقد أن المقال انتهى عند هذا الحد، وربما لم يعد هناك ما يمكن قوله في ذلك الموضوع، لكن صدق أو لا تصدق، أصبح الرعب حولنا في كل مكان، لم يعد في الإمكان حصرة فقد في كُتيبات، بل تفشى في كل شيء كالطاعون، لذلك ففي المرة القادمة سنلقي نظرة عامة على الرعب في مجتمعنا العربي حاليًا، لكن إلى ذلك الحين، جربوا الدخول على محرك البحث (Google) وابحثوا عن مصطلح (رعب)، قد تدركون عمّ أتحدث.

إلى اللقاء، على عشم أن تكون المرة القادمة، هي الأخيرة.

… (يُتبع).

عن لأبعد مدى