(4) توفيق وتامر إبراهيم: أدب الرعب.. متى وكيف؟

♦ كتب: أحمد مسعد.

مقدمة!

آآآ… ماذا أقول.. وما الذي يقال بعد كل ما قيل.. كلا وألف كلا.. وآآآ.. دعونا (نخش) في الموضوع.. و(نفكس) لحوار المقدمة ذاك..

تكلمنا في الجزء الأول عن أصل أدب الرعب.. ثم انتقلنا إلى الكلام عن الرعب القوطي وأباطرة هذا النوع من الأدب في العصر الحديث.. وانتقل بنا الحديث في الجزء الثالث إلى التكلم عن أدب الرعب  المعاصر وأشهر كتاب ذلك النوع من الأدب في عصرنا الحالي.. لكن حديثنا دار حول كل مؤلف لا يكتب العربية.. هل هذا يعني أننا لا نملك مجالًا للحديث في الرعب في مجتمعاتنا الشـرقية؟!

من يقول ذلك -وأعذرني فيما سأقول- (أحمق كبير).. بل هو لا يعيش في الدنيا كما يقولون..

لن أُطيل الحديث عن أساطيرنا الشعبية والجن والنداهة وأمنا الغولة وبلا بلا بلا.. وكل تلك الأشياء.. فجميعنا نعلم جيدًا إن العقول الشـرقية ذات باع ممتد في نسج الحكايات المرعبة.. لكن الحكايات سرعان ما تتطور وتتحول إلى شيء أكثر قيمة.. هذا ما حدث في الخارج.. تحول الرعب إلى أدب.. لكن في العـالم العربي.. وصلنا ذلك مُتأخرًا جدًا..

بدأ الأمر ببعض المحاولات لكتابة مجلدات عن السحر وروايات يدور فلكها في عالم غرائبي من قِبل اسم طواه الزمن.. الكاتب (إبراهيم أسعد).. لكن مع الزمن تتوقف طباعة كُتبه.. ويتوقف حتى من عرفه يومًا عن ذكر اسمه.. تمر السنون.. ويحتل مجال الخيال العلمي والجاسوسية ساحة أدب البوب أرت.. أدب الشباب والمراهقين.. قبل أن تحصل طفرة صغيرة في يومًا ما غيرت كل شيء..

نسيت أين ركنت آلة الزمن.. آه تذكرت.. إنها بجوار بقالة أم محمود.. حسنًا دعونا من كل ذلك ودعونا ننطلق.. لم نبتعد كثيرًا هذا المرة.. فقط 22 عامًا.

(إلى العام 1993م.. الظهور الأول لرفعت إسماعيل)

“أنا الدكتور رفعت إسماعيل.. دكتور أمراض الدم المتقاعد في عدد لا بأس به من الجامعات.. والذي أمضى عمره في مطاردة أسرار ما وراء الطبيعة”

تلك الكلمات البسيطة ما هي إلا جزء من بدايات أعداد سلسلة ما وراء الطبيعة.. والتي كان بطلها الدكتور رفعت إسماعيل كما أحسب أنكم استنتجتم..

هو ليس كباقي الأبطال الذين عرفناهم من قبل.. ليس ذو قوة خارقة.. ولا يستطيع ثقب الجدار بأشعة من عينيه.. وليس ذو وسامة معاذ الله.. ولايملك من دماثة الأخلاق ما يجعل منه بطلًا يحرص على القيم.. بل هو على النقيض تمامًا.. عجوزًا أصلع.. يرتدي النظارات.. يدخن كقاطرة.. نحيف كعود القصب.. ينهشه المرض في كل يوم..

نستطيع القـول أنه ضار جدًا بالصحة.. ولا يُنصح به للأطفال الأقل من ثلاثين عامًا..

كيف سُمح لشخصًا كهذا بأن يصبح جزءًا من أدب البوب أرت في العالم العربي؟

دعونا نرى.

في العام 1993م.. ذهب أحد الكُتاب الشباب إلى المؤسسة العربية الحديثة والتي كانت هي المسئول الأول عن الأرت بوب في عالمنا العربي.. يعرض عليهم فكرة سلسلة جديدة تتحدث الرعب في أجواء مصرية.. حيث (يبرطع) مصاصي الدماء والمذؤوبين وكل تلك الكائنات المخيفة في الأساطير القديمة..

رأت لجنة تحكيم الأعمال في المؤسسة أن ما كُتب في محتوى العدد الأول من السلسلة ما هو إلا هراء لا يمكن تقديمه للقارئ العربي.. وأنه من الأفضل للكاتب أن يكتب في شيء أخر كأدب الجاسوسية والخيال العلمي.. لكن الأُستاذ حمدي مصطفى-مالك المؤسسة وصاحب فكرة روايات مصـرية للجيب- كان بعيد النظر كعادته، فقام بمنح العمل فرصة أخرى، وعرضه على لجنة تحكيم مغايرة ضمت الكاتب نبيل فاروق صاحب سلسلة (رجل المستحيل).. وصدرت النتيجة بكون العمل رائع ويستحق ضمة لمشروع روايات مصـرية للجيب.. وبالفعل في العام 1993م.. خرج رفعت إسماعيل إلى النور..

ظهر في البداية كهـادم للأساطـير.. وما الوقت بدأ الكاتب بنتقل بشخصيته إلى أُفق أخر في الرعب.. عاملًا بمبدأ أن لكل الأساطير أصل.. وإنه ليست كل الأساطير أساطير.. فبعضها قد يكون حقيقيًا..

يتعمق الكاتب في شخصيته على مدار الأعداد.. فيظهر لك جيرانه.. وأحبائه وعائلته.. ويأخذك إلى بلده.. وبيته وعمله.. ورفاق عمله.. ليتحول رفعت إسماعيل مع الوقت إلى أكثر ما هو أكثر من شخصية خيالية.. يتحول إلى رفيق.. بل يمكننا القول جزء من عائلة القارئ.. يخاف عليه كما يخاف على أي فرد من أفراد عائلتك.. يمكنك أن تتقبل أي إهانة منه وكأنها مزاح ثقيل.. وخلال كل ذلك.. يستقي القارئ العربي الصغير الكثير من المعلومات الطبية والفيزيائية.. ويعرف أيضًا عن الأدب والميثولوجيا.. يعطيك خلال الكُتيبات العديد من الخيوط ويتركك تبحث خلفه..

استمرت حكايات الدكتور رفعت إسماعيل على مدار 21 عامًا.. ليتربى جيل كامل على حكاياته.. وينقلها إلى الاجيال التي تليه.. قبل أن يعلن الكاتب فجأةً أنه حان الوقت لرفعت إسماعيل كي يموت..  فتقوم الدنيا ولا تقعد.. وتهيج الجماهير مطالبين برأس الكاتب الذي يحاول حرمانهم من العزيز رفعت إسماعيل.. لكن كما يقولون فقد سبق السيف العزل..

في أُغسطس في العام 2014م.. ينزل علينا العدد الـ (80) والأخير كالصاعقة.. ها قد توقف العجوز رفعت إسماعيل عن سرد الحكايات.. وانتقل إلى الرفيق الأعلى.. كان رفعت إسماعيل واقعيًا بشكل مخيف.. واقعيًا لدرجة جعلته بعد كل ذلك يموت كأي شخصًا واقعي.. في سريره بين ذراعي حبيبته..

أخذنا الحديث عن رفعت إسماعيل إلى أن ننسى الحديث عن مؤلف الشخصية نفسه.. وأول من اخترق مجال أدب الرعب في العالم العربي.. الدكتور أحمد خالد توفيق.. أو كما يسميه قراءه (العراب)..

رفعت إسماعيل كان الستار الذي عاش خلفه د.أحمد خالد توفيق لفترة طويلة قبل أن يظهر على الساحة ككاتب كبير.. وأديب له وزنه.. ليطل علينا في منتصف العقد الماضي بالعديد من الإصـدارات كبـيرة الحجـم -عكس طبيعة كتاباته السابقة- رغم كونها تنتمي إلى فئة الرعب في شكلها العام.. لكن بعد ذلك وفي العام 2004م يخرج علينا الدكتور أحمد خالد توفيق بتحفة أدبية أسماها (يوتوبيا) المدينة الفاضلة.. والتي تحدثت بشكل سوداوي عن مستقبل مصـر خلال العقود القادمة.. وعن مدى الكارثة التي قد يسببها اختفاء الطبقة المتوسطة..

بعد نجاح يوتوبيا يتبعها دكتور أحمد برواية (السنجة).. ثم العديد من الكتب التي تحوي مقالات مجمعة له في مختلف أمور الحياة.. بعضها مجمع من جريدة الوطن التي أصبح كاتبًا أسبوعيًا فيها.. كان أخر ما أطل علينا به دكتور أحمد هي رواية (مثل إيكاروس).. وهذا بعد موت رفعت إسماعيل.. ليخبرنا أن موت رفعت لم يمحه ككاتب من الوجود.. نعم.. نسيت القول أن دكتور أحمد قد كتب سلسلتين إضافيتين بجوار (ما وراء الطبيعة) بعد انضمامة للمؤسسة.. وأحداثهما تدور في عوالم قريبة من عوالم الدكتور رفعت.. وهما:

– (سفاري).. والتي تتحدث عن مغامرات طبيب في أحراش أفريقيا ومستشفياتها..

– (فانتازيا).. التي تتحدث عن بطلة تنام وفوق رأسها آلة لتوليد الأحلام.. وفي كل حلم تسافر البطلة إلى جزء من عقلها.. حيث تقابل المخامرون الخمسة وياتمان وشكسبير وترتحل إلى الهند.. وتبحث مع شارلوك هولمز.. قبل أن تعلق وسط أحد المخططات التي تحاك ضد فرعون مصـر.. ويتصادف الأمر إلى أن ترتحل إلى عالم رفعت إسماعيل نفسه وتعيش معه إحدى مغامراته المرعبة.. يبدو أننا خرجنا عن موضوعنا قليلًا.. المهم.. لم يتوقف دكتور أحمد إلى يومنا هذا عن كتابة قصص الرعب.. ولا يزال يتحفنا في كل عام.. بكتابٍ جديد من القصص المرعبة المجمعة.. التي كان أخرها مجموعة (الهول).

يقول دكتور أحمد مُتحدثًا عن نفسه:

– عندما كُنت طفلًا كنت أخاف من ظلي.. حتى قمت في يومًا بتدوين مخاوفي على الورق.. فشعرت براحة كبيرة داخلي.. ربما هذا ما دفعني إلى كتابة الرعب.. حتى أنقل مخاوفي إلى من حولي.

**********

(فلتخذنا آلة الزمن إلى بداية القرن الحالي)

بعد ظهور سلسلة ما وراء الطبيعة بأعوام.. تطل علينا المؤسسة العربية الحديثة بسلسلة من الروايات المجمعة لكُتّاب في عمر الزهور.. وهي سلسلة (سلة الروايات).. ويكون النتاج من وراء تلك السلسلة العديد من الكتاب الجيدين والمهمين في وقتنا الحالي.. من أهمهم د. تامر إبراهيم..

لم تأخذ كتاباته في سلة الروايات طابع الرعب بشكل مباشر.. لكن مهارته الحقيقية في أدب الرعب ظهرت في سلسلته المنفردة (عالم أخر) والتي لم تستمر لأكثر من عددين.. بعد ذلك انتقل لنشـر كتاباته مع دور النشر الأُخرى.. فنشر مع دار ليـلى سلسـلة روايـات مـرعبـة تحت مُسمى (عـبر الزمن).. لكنها لم تلقَ رواجًا ولم تستمر كثيرًا هي الأُخرى.. فيخرج علينا تامر إبراهيم بعدها بالعديد من المجموعات القصصية من أهمها وأكثرها شهرة (حكايات الموتى) والتي اعتبرها الكثـيرون أحـد أفضـل ما كُتـب في أدب الرعـب المصـري.. وقدمها دكتور أحمد خالد توفيق بنفسه.. ظهرت بعد ذلك أهم أعمال تامر إبراهيم.. ثنائية صانع الظلام والتي تتكون من رواية مقسمة إلى كتابين: (صانع الظلام) (والليلة الثالثة والعشرين)..

نجحت تلك الثنائية في إظهار تامر إبراهيم ككاتب كبير على الساحة.. ورغم مرور ثلاثة أعوام على صـدورها.. لا تـزال من أكثـر أعمال أدب الرعـب رواجًا..

يبدو أن دكتور تامر إبراهيم لم يكتفِ فقط بكونه قاص وروائي.. بل قرر اقتحام عالم التصوير والسينما .. لكن كاتب في ذلك النوع من الأدب في مصـر.. كيف لكتاباته أن تتجسد على شاشة التلفاز؟ أُتيحت تلك الفرصة لدكتور تامر إبراهيم عبر مشاركته في كتابة مسلسل (أبواب الخوف) وكان من بطولة عمرو واكد.. والذي اعتبره الكثيرين طفرة في التلفزيون المصري..

في العام 2014م.. انفرد دكتور تامر إبراهيم بكتابة مسلسل (عد تنازلي) والذي ابتعد فيه عن الرعب بشكل كلي.. ليُفتح الباب على مصـراعيه أمام دكتور تامر إبراهيم حتى يكون أهم كُتاب السيناريو في مصر.

هكذا عزيزي القارئ أُبشرك إن مقالنا قد انتهى..  و.. لم تتخلصوا مني بعد.. فأدب الرعب في بلادنا لم يتوقف عند هذين الاثنين.. فلقد أخذ مع الوقت في التحور وأخذ منحنيات أكبر وأكثر تطورًا..

في المرة القادمة سنتحدث عن ابن إسحاق ومخطوطته.. بالإضافة إلى صندوق يفيض بالدماء التي صُنعت لكل واحدًا فينا.. مع القليل من الفيلة الزرقاء.. لكن كما يقول د.رفعت إسماعيل هذه قصة أخرى..

عن لأبعد مدى