(4) الحرب النووية: سيناريوهات (نهاية العالم) في أدب الخيال العلمي

حضرتُ -سابقًا- ندوة عن (الخيال العلمي) بـ(نادي القصة)، وتصادف أن اِحتل المقعد الذي أمامي مباشرة، رجل -لا أعرفه- استأذن في مداخلة، ثم أبدى وجهة نظر مميزة، ترمي إلى.. أن الخيال العلمي لم يقتصـر دوره على (التنبؤ) فقط.

بل اضطلع بدور هام في التحذير أيضًا؛ حيث أسهم مؤلفوه -بشكل غير مباشر- في منع اندلاع الحرب النووية! خصوصًا إبان الحرب الباردة، عندما أنتجوا كمًا مهولًا من الأفلام والروايات والقصص، كلها رسخت للسيناريو المقبض المنتظر في حالة اشتعال الحرب، وهو ما حفز وعي الشعوب تجاه خطورة القضية، مما أثمر رأيًا عامًا عالميًا ضغط على الحكومات.

بغض النظر عن اتفاقي أو اختلافي، فقد راقتني وجهة النظر تلك بالفعل.

أما عن الوضع الحالي، فالبعض مطمئن لوجود تعادل في ميزان القوي، كرادع يمنع الحرب، إلا أنني -بصراحة- لا أشاركهم هذا التفاؤل؛ فقد تقع أسلحة نووية في يد إرهابيين، أو يصل أحد المخابيل إلى رئاسة إحدى الدول النووية.

(عندما كتبتُ المسودة الأولى، لم أكن أعلم أن الاحتمال الثاني سيتحقق بهذه السرعة، ونرى من هو مثل (ترامب) رئيسًا للولايات المتحدة).

أحد أوائل من اختاروا الكتابة عن (ما بعد المحرقة) عمومًا، وفي نفس الوقت، تنبأ بعلم الهندسة الوراثية:

(أولاف ستيبلدون) عام 1930م، فيما أسماه (أول الرجال وآخرهم)، ليقول عنها سير (آرثر كلارك) لاحقًا:

-«لم يكن هناك كتاب آخر له تأثير أكبر على حياتي».

من يذهب إلى صفحة الرواية على موسوعة (ويكبيديا)، سيجدها تصفه بـ«عمل لم يسبق له مثيل في هذا النوع؛ فهو يصف تاريخ البشرية من الحاضر فصاعدًا عبر ملياري سنة، وثمانية عشر نوعا من الكائنات البشرية المتميزة».

بنظرة عامة، يُقال أن أكثر من تأثروا بثيمة النهاية النووية، هم القوم الوحيدون الذي لفحتهم نارها بالفعل.. اليابانيـون، وانعكس ذلك -بشكل غير مباشر- في عشرات من قصص المانجا المصورة، والرسوم المتحركة، التي يشتهـرون بها. يمكننـا أن نلمس ذلك في أعمال المخـرج الأيقـونة (أوسـامو تيزوكا) وخليفته (هاياو ميازاكي)، وغيرهم.

بالرجوع إلى الغرب مرة أخرى، بزغت روايات مثل (ظل على المدفأة) 1950م، و(وا أسفاه على بابل) 1959م، تتحدث كلاهما عن محاولات ذاتية من قبل أفراد على الأرض، للنجاة عقب ضربة نووية.

على النقيض تمامًا، قرر شخصيات (على شاطئ البحر) الاستسلام لقدرهم، فتصف الرواية انتظارهم للغبار النووي القادم من نصف الأرض الآخر، إثر نشوب حرب عالمية ثالثة، حرب ذرية شاملة هذه المرة.

الرواية مـن تأليـف (نيفيـل شـوت)، وصـدرت عـام 1957م عن دار نشـر (هاينمان)، لتتصدر قائمة أكثر الكتب الأسترالية مبيعًا.

في تلك الفترة، تعافى العالم بالكاد من ذكريات الحرب العالمية الثانية، وأخص منه بالذكر، فردًا مقاتلًا خدم ضمن جيش الحلفاء، شهد تدمير كنيسة أثرية خلال موقعة (ماونتني كاسيني)، هذا المجند هو (والتر ميلر الابن)، الذي تحول فيما بعد إلى كاتب شهير، سطر عملًا أدبيًا من وحي تلك الذكرى:

-(ترنيمة ليبويتز).

تقدم الرواية صورة مبتكرة لعالم ما بعد الحرب النووية، تتخيل فيها شعوبًا صارت تمقت العلم والمعرفة؛ باعتبارهما من أثمرا الأسلحة التي دمرت العالم.

مجرد إجادتك للقراءة والكتابة -حينذاك- كفيلة بجعلك طريدًا من الجميع، غير أن رجلًا يدعى (ليبويتز) اختار السير عكس التيار، فلاذ بكنيسة منسية في الصحراء، مصطحبًا معه ما تبقى من تراث معرفي، تدريجيًا، توسعت دعوته لتجتذب أنصارًا وأتباعًا.

أي أنها نفس التيمة التي استخدمها بعده (راد برادبوري) بأعوام قليلة في (451 فهرنهايت)، عن عالم شمولي يعادي المعرفة، مع اختلاف الدوافع والخلفية الدرامية.

نالت الرواية إشادة نقدية، ارتقت بـ(ميلر) إلى حصد جائزة (هوجو) كأفضل رواية خيال علمي عام 1961م.

من أهم محطات الستينيات البارزة، التي ماتزال حية في الذاكرة حتى اليوم، رواية (بييربول) عام 1963م، المشهورة بـ(كوكب القرود)، وتحولت إلى سلسلة أفلام جعلتها غنية عن التعريف.

أعقبتها سلسلة (ولد وكلبه)، التي بدأت عام 1969م كقصة قصيرة بقلم (هارلان إليسون)، ثم تطورت لاحقًا إلى قصص أخرى تلاها فيلم سينمائي، تصدر بطولتهم المراهق (فيك) برفقة كلبه المتخاطر (بلاد)، وبما أننا نتحدث عن مرحلة ما بعد دمار نووي شامل..

يجب أن نتوقع عالم متوحش بلا قوانين، يتصدره شخصية رئيسية نجحت -باقتدار- في التماهي مع ذلك؛ فالشاغل والمحرك الأساسي لـ(فيك) -طوال الأحداث- هو غرائزه الأساسية (الطعام/ الجنس/ الانتقام)، حتى لو اضطره ذلك -أحيانًا- إلى ارتكاب (الاغتصاب) أو (أكل اللحم البشري).

لدينا أيضًا رواية Z for Zachariah، التي يتصدر أحداثها مراهق أيضًا، مراهقة بالتحديد، وكأنما يرغب مؤلفي (ما بعد المحرقة) في إعطاء بصيص أمل، كإشارة بأن الحياة لا تزال صبية بعد، وقابلة بالاستمرار.

البطلة تُدعي (آن)، وتتسم بالمثالية على عكس صديقنا السابق (فيك). سبب تسمية الرواية يرجع إلى أيام الطفولة الأولى لـ(آن)؛ إذ امتلكت حينذاك كتاب تعلمت منه أن حرف (A) هو أول حروف الهجاء، وللمصادفة يقابل اسم النبي (آدم)، أول رجل على الأرض، والآن.. بعد تلوث الأرض جراء الحرب النووية وغاز الأعصاب، توقعت الفتاة -بالتالي- أن آخر رجل سيكون على اسم (زكريا) باعتبار أنه يبدأ بحرف (Z).

الرواية من تأليف (روبرت سي أوبراين)، المفارقة أن مؤلفها لم يكن حيًا عندما ظهرت على أرفف المكتبات عام 1974م؛ إذ توفي قبلها بعام، فتعاونت زوجته (سالي) والابنة (جين) على إكمال المسودة، ونشرها.

*******

لنهجر سماء الخيال، ونعود إلى القواعد العلمية على أرض الواقع:

س: «ماذا يحدث علميًا إذا اندلعت الحرب النووية؟»

استطلعنا -فيما سبق- رأى أدباء الخيال العلمي، والذين يضطرون للتنازل أحيانا عن دقة التفاصيل العلمية، لأسباب عدة، كـ: عدم تخصصهم، أو ضروريات الحبكة الأدبية، أو -ببساطة- أنهم غير مطالبين بذلك.

أما الآن.. نصغي إلى العلماء، الذين أفادوا بما يلي:

أولًا: سترتفع السحابة الكئيبة التي تأخذ شكل عيش الغراب، بعد أن تسحق الموجة الانفجارية والإشعاعية نحو ألف مليون شخص في لحظة..

الألف مليون التاليين سيكونون أسوأ حظًا؛ إذ سيفتقدون الميتة السريعة التي حظى بها أسلافهم. حيث ستنسحب منهم الحياة ببطء، بينما يعانون أقسـى الآلام والحروق الإشعاعية، التي لا يمكن تخيلها.

تاليًا، سيتشبع الهواء بكل الغازات السامة التي تعرفها من ثاني أكسيد الكربون، والسيانيد، وغيرها. بعد انتهاء لفحة الحريق التي ستحول الأرض إلى فرن كبير، ستنحسر الحرارة ثانية إلى متوسط خمس وخمسون درجة، مما سيساهم مع العوامل السابقة في الإجهاز على كافة أشكال الحياة، يعقب الموجة الحرارية صقيع قارص، تتجمد على إثره أسطح البحار والمحيطات، فيما يعرف بـ (الشتاء النووي).

التفاصيل السابقة هي نتاج مجهود ما يزيد عن مئة متخصص في الفيزياء والمناخ والأحياء، اجتمعوا في مؤتمر واحد، لبحث: (التغييرات التي ستطرأ على العالم فيما بعد الحرب النووية).

يشير التقرير -كذلك- أن النصف الجنوبي من الأرض سيكون أقل تأثرًا بكثير؛ نظرًا لأن الدول النووية في الأغلب تقع في الشمال، لكن الرياح والتيارات الهوائية ستتكفل بنشر بصمة الدمار إليه ولو بعد حين.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).