من وحي رحلة: 300 كيلو متر إلى (بوعرادة)- منير بلهوان

نظرا لأن (بوعرادة) تعتبر إحدى بوابات الوسط إلى الشمال وأقرب مدن ولاية أو إقليم (سليانة) إلى العاصمة (تونس)، هذا إلى جانب كونها فيما مضى واحدة من أهم المدن الفلاحية الواقعة على الحدود بين الشمال والوسط المنتجة للزيتون، التي اعتمد عليها الاستعمار، فإنها حظيت منذ تلك الفترة باهتمام الفرنسيين.

من أبرز مظاهر هذا الاهتمام إنشاء محطة قطار لا تزال تعمل حتى اليوم، تربط (بوعرادة) بالعاصمة من جهة الشمال وبمدن الوسط التونسي الكبرى من الجنوب. إلا القطار لم يعد وسيلة النقل الوحيدة التي يعتمد عليها السكان بل هناك الحافلة، وأيضا سيارات الأجرة، التي صارت الأكثر شعبية لسرعتها وتوفرها أكثر من سابقتيها.

وبالنسبة إليّ، فإنني اعتمد في اغلب الأحيان على الوسيلة الأخيرة، أما القطار فلم استعمله سوى مرة واحدة. كنت استقل سيارة أجرة من قليبية توصلني إلى العاصمة وبالتحديد محطة باب عليوة، ومن ثم أخد سيارة أجرة أخرى من نفس المحطة تقلني إلى (بوعرادة)، تستغرق الرحلة في مجملها عادة ثلاث ساعات أمضيها إما في المطالعة أو الاسترخاء متأملًا الطريق من وراء النافذة الزجاجية.

*************

كان ذلك من أربع سنوات, عندما انتقلت للتدريس في مدينة (بوعرادة). غمرتني سعادة جمة لأن المسافة بين مسقط رأسي ومكان عملي قد تقلصت إلى حوالي 300 كم، خاصة أنه لم يمر على دخولي القفص الذهبي سوى شهر وبضعة أيام، لكن -للأسف الشديد- سرعان ما تبددت تلك السعادة لتتحول إلى معاناة استمرت على طول السنة. حيث اجتمعت كل الظروف لتحول دون ذلك.

بسبب نذالة أحدهم، وجدت نفسي مجبرًا على شراء منزل بمفردي طوال معظم العام الدراسي, فعانيت من الخصاصة وقلة ذات اليد ما لم أعشه حتى في أيام البطالة, هذا إلى جانب الإحساس الدائم بالوحدة والعزلة في منزل صغير بأقصى أطراف البلدة, ولولا نبل صاحب المنزل وحسن جواره لما استطعت تحمل كل هذا.

خاصة وأن إدارة المعهد كلفتني بتدريس مستويات لم يسبق لي أن درستها فكان علي تحضير الدروس يوميًا, هذا بالإضافة إلى أن فصلين من الفصول الأربعة التي أدرسها كانا الأسوأ في كل المدينة باعتراف الإدارة نفسها، (قلة الأدب، سوء الخلق، التهور، عدم الاحترام، إلخ)، حتى أن بعض تلاميذي قد كونوا في آخر السنة عصابة تعتدي على التلميذات وتسرقهن.

باختصار، اجتمعت كل الظروف لتجعل من تلك السنة أسوء سنوات حياتي المهنية: الوحدة، العزلة، الخصاصة، الإرهاق، التوتر، الغضب، بسبب التلاميذ والإدارة التي أعطتني جدول أوقات سيئًا جدًا، بحيث أبدأ العمل من صباح يوم الاثنين إلى منتصف نهار يوم السبت، فكنت أعود إلى (قليبية) -مسقط راسي- عشية الأربعاء، ثم أذهب إلى (بوعرادة) بعد صلاة الجمعة, عوضًا عن قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع زوجتي وأهلي.

لم تكن السنة التالية أفضل حالًا، فقد أنجبت زوجتي طفلنا الأول بعد صراع مرير وعذابات طويلة، لكن المولود لم يعش سوى أسبوعين تقريبا، قضاهما في المستشفى لأنه ولد “سبوعيًا”، وتوفي هناك في ظروف غامضة، رغم تأكيد الأطباء على أنه ولد بصحة جيدة ولا يشكو من أية أمراض أو مضاعفات. بسبب ذلك، كدت أفقد زوجتي أيضا لولا ألطاف الله، جراء هذه المأساة صارت تعاني من مرض مزمن سيلازمها طوال حياتها.

رغم أن السنتين التاليتين قد حملتا معهما الكثير من السعادة وراحة البال، بعد أن أنجبنا طفلتنا الحبيبة، إلا أن ذلك الانطباع الأولي للمدينة لم يتغير، وظل عالقا في روحي كورم خبيث، يصعب استئصاله. فلم أستطع أن أجد في هده المدينة ما يشدني إليها، حتى بعد أن كونت علاقات وصداقات عديدة مع أناس كرماء وخلوقين من أهلها، ومن زملائي في العمل.

*************

عندما راودتني فكرة روايتي وجدتني دونما تردد أحدد إطار أحداثها في مدينة (بوعرادة) بالذات, لذلك وربما دون وعي مني حملت الرواية (على الأقل في نصفها الأول) كل ما فاضت به نفسي من معاناة وغضب وسخط وحزن ونفور. فخرجت شديدة القتامة والسواد، أشبه بكابوس ثقيل يجثم على صدري. فكان الأمر بمثابة تفريغ لتلك الشحنة السلبية على الورق، وسيلة استشفائية من تلك التي يستعملها عادة الأطباء النفسيون.

بعد أن أتممت كتابة الرواية، لا انكر البتة أنني أحسست براحة نفيسة جمة، ولا شك أن من بين أسباب تلك الراحة، شعوري بأنني قد تخلصت من ثقل هائل كان جائمًا على صدري طوال أكثر من سنتين مند انتقالي للعمل في (بوعرادة).

بدأت أرى في هذه المدينة شيء من الجمال والسحر الدين غابا عني قبلًا: فـ (بوعرادة) رغم صغرها وندرة وسائل الترفيه فيهان لا تخلو من لمحة جمال في مبانيها العتيقة التي يرجع بناء أغلبها إلى فترة الاستعمار الفرنسي لـ (تونس), فكانت كثيرا ما تذكرني بالمدن والقرى الفرنسية القديمة التي كنت أراها، إما من خلال الصور أو الأفلام.

هذا إلى جانب موقعها الفريد حقًا، فهي محاطة بحقول اللوز وغابات الزيتون وبتلال وبراري خضراء على طول السنة, حتى أنني في أحايين كثيرة، أثناء تنقلي من/ إلى المدينة، أظل -لدقائق- أتامل تلك الهضاب سارحًا بخيالي، متصورا كائنات خرافية تسكنها، أتوقع أن يظهر لي من بين الأشجار الباسقة كائن من تلك الكائنات التي تحدث عنها (تولكيين) أو (فارمر), أو يعترض السيارة تنين مخيف لينفث نيرانه علينا.

كانت معظم تخيلاتي تنبعث من روايات (مارتين) و(جين وولف) التي أثرت في أيّما تأثير، ولا تزال.

عرفت (بوعرادة) كمنطقة فلاحية بفضل الأمطار التي تنزل بغزارة طوال جزء كبير من السنة. إلا أن الأهالي عانوا السنتين الأخيرتين من شح الأمطار في الشتاء، وهبوب رياح (الشهيلي) الحارقة صيفًا. بمقارنتها بمدينتي الساحلية فإن الرطوبة بـ (قليبية) سببها البحر، أما (بوعرادة) فإنها تعود إلى غزارة الأمطار، لتواجد المدينة في ما يشبه حفرة طبيعية، محاطة بالجبال والهضاب من كل جانب تقريبًا.

ما عدا ذلك فالعادات و التقاليد لا تختلف كثيرًا، لولا أن منطقة (بوعرادة) ككل لا تزال تهتم بالمهرجانات التي يعود ظهورها إلى عقود طويلة قد تمتد لمئات السنين. فالمدن التونسية الصغيرة والداخلية ما تزال متشبثة بتراثها و عاداتها و تقاليدها أكثر من الكبيرة أو الساحلية، التي كان تأثير الحضارة الغربية عليها اشد وطأة.

كما ان العمران الذي يرجع لفترة الاستعمار الفرنسي لا يزال يثبت حضوره من خلال أبنية كثيرة ذات السقف المثلث المغطى بالقرميد والمنحوتات التي يظهر جليًا انتماؤها لحضارة غربية مسيحية والتي تزدان بها الأبواب والشبابيك. عكس (قليبية) التي تم التخلص من جل المباني التي تعود لتلك الفترة و تعويضها بمباني حديثة.

************

ركزت في روايتي على ثلاثة أو أربعة أماكن محددة في المدينة، يقع كل منها في أحد أطرافها.

في السنة الأولى لانتقالي للعمل في (بوعرادة)، تم تعييني في المعهد الثانوي الذي يوجد في مدخل المدينة بعد السكة الحديدية، وعلى الجانب الشمالي من الطريق الرئيس الذي يشق البلدة نصفين؛ وقبالة مبنى المعهد يقع مبنى قديم من طابقين يعود بناؤه إلى عهد الاستعمار، كنت أمر من أمامه كل يوم تقريبًا، في غدوي ورواحي للعمل مع جحافل التلاميذ.

لفت هذا المبنى بالذات انتباهي كثيرًا لا لجماله بل العكس. فطابقه الأول غير مأهول وفي حالة يرثى لها من القدم والخراب، أما السفلي فيتكون من محل أو اثنين تجاريين صغيرين، علاوة على باب حديدي مغلق طوال الوقت، يقع قبالة الطريق الرئيس وفي مواجهة المعهد مباشرة. هذا الباب هو –تحديدًا- لفت انتباهي بشدة، وغرس في أعماقي شعورًا لا يقاوم بالتقزز والاشمئزاز، حيث أنني -في أحيان كثيرة- عندما أمر من أمامه أجد على قارعة الطريق أكوامًا هائلة من الزجاجات الفارغة..

زجاجات من مختلف أنواع الخمور إلى جانب تلال من الفضلات التي يخلفها مستهلكو هذه الأشياء. كان المنظر شديد القبح والنفور خاصة عندما ترتفع درجة الحرارة، فتصدر من تلك الاكوام روائح كريهة تدفعك دفعا للهرب بجلدك أو إفراغ ما في أحشائك. تستمر تلك الحال لساعات طويلة حتى يتكرم عمال النظافة بإزالة تلك القاذورات.

رغم إدراكي لماهية ذلك المكان، إلا أنني لم استطع منع نفسي من الاستفسار عنه. فأعلمني صديقي الأستاذ عثمان صاحب المنزل الذي أسكن به أن المبنى كان -إبان الاستعمار الفرنسي- عبارة عن فندق وحانة. ولكن بعد الاستقلال أغلق الطابق الأول لعدم صلاحيته للسكن، أما الحانة فقد بقيت مفتوحة إلى يومنا هذا.

بدا لي المبنى ذا رمزية خاصة: حانة تقع في مدخل المدينة، في مواجهة مؤسسة تربوية، لا يفصل بينهما سوى بضعة امتار من الأسفلت! بل اخبرني صديقي انها تعمل 24/24 ساعة دون توقف. فكان هذا المبنى أحد أهم الأماكن التي دارت فيها أحداث الرواية.

أما المكان الثاني فهو إحدى المزارع التي تحيط بالمدينة والتي يعود تاريخ نشأتها أيضا إلى فترة الاستعمار، ورغم أنني لم أزر أيًا منها، ولم أرها إلا من بعيد، إلا أنني كنت أعلم عنها – أو على الأقل عن إحداها الكثير- وفي ذلك يعود الفضل أيضا إلى صديقي الأستاذ (عثمان)، الذي أخبرني أنه قد أمضى جانبًا كبيرًا من حياته وطفولته هناك.

حيث تكونت بين أسرته وأسرة صاحب المزرعة الفرنسي صداقة وعِشرة طويلة، قبل أن يتم ترحيلهم إلى بلدهم بعد الاستقلال، وتنقطع أخبارهم انقطعت تدريجيا مند سنوات طوال، إلا أن العلاقة قد تجددت بين صديقي ورفيق طفولته الفرنسي بالصدفة من خلال الفيسبوك، ولا تزال مستمرة الى اليوم.

فكان كثيرا ما يحدثني عن مغامراته مع صديقه القديم في أيام الطفولة والصبا ولهفته هو وأخوته عندما تعود العائلة الفرنسية من عطلة رأس السنة، محملة بالهدايا واللعب التي كانوا منبهرين بها أيما انبهار. فربط بين العائلتين علاقة قائمة على المحبة والألفة والمودة والاحترام وحسن الجيرة، لا على العداء والكره. ولكنني – وأنا أقدم هنا اعتذاري الشديد لصديقي– لم اذكر أي شيء من هذا في الرواية، ولي عذري في ذلك، لأن أحداث القصة والأفكار التي سعيت إلى بثها عبر السطور، كانت حائلا دون هذا.

من الأماكن الأخرى، التي  لها دور مهم، في حياتي وفي القصة على حد سواء، منزل صديقي الأستاذ (عفيف)، الذي كان –ولا يزال- ملاذا وملجأ دافئا لي في الغربة، واعتبرت صاحبه بمثابة الأب لي.

المكان الثالث.. هو المؤسسة التربوية التي عملت بها مدة ثلاثة سنين، (وأقول “ثلاثة” لأنني انتقلت في بداية السنة الثانية للعمل في المدرسة الإعدادية التي تقع في أقصى شمال المدينة)، طوال هذه الأعوام كانت لي بين أروقتها ذكريات تجمع بين الألم والحزن، ولكن فيها من الايجابيات والتفاؤل الشيء الكثير، مع مولد ابنتي الغالية، وتكوين علاقات وصداقات أعتز بها هناك.

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن منير بلهوان

مؤلف تونسي، يعمل مدرسًا للغة الفرنسية، مهتم بأدبيّ الخيال العلمي والفنتازيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.