(13) حارس الزمن

أتذكر جيدًا أنني في العام 2015، تعرفت للمرة الأولى على ممثل بريطاني، وسيم طويل القامة وعيناه تشع ذكاء و عبقرية، تعرفت عليه عندما كان يلعب دور شيرلوك هولمز في النسخة المحدثة من قصة المحقق الأسطوري العبقري،

النسخة التي أعيد إنتاجها بطابع القرن الحادي والعشرين والتي كنت التهم حلقاتها التهامًا، إنه ببساطة الممثل البريطاني (بينديكت كيومرباتش).

في العام 2016، بالتحديد في نوفمبر، بدأ عرض فيلم مارفل الجديد ( دكتور سترينج)، وقد اختارت مارفل هذا الممثل البارع في دور يعرفه متابعو الكوميكس المصورة جيدًا، الساحر الذي كان طبيبًا، المشعوذ الذي كان جراحًا مرموقًا.

أستاذ أساتذة العلوم الباطنية الذي كان طبيبًا باطنيا في بداياته.

بعيدًا عن السينما، داخل طائرة من طراز بوينج 777، على مقعد في الدرجة السياحية، في شهر يناير من العام 2017، وبينما أقلب في قائمة الأفلام التي يعرضونها للترفيه على المسافرين في رحلة طولها ساعتين ونصف، وجدت الفيلم قابعًا أمامي على الشاشة..

أرحت ساقاي، ووضعت السماعات في اذني، وبدأت..

انعزلت عن عالم الطائرة المتأرجح المرهق..

أرى الجراح الغني المشهور ستيفن سترينج، الرجل المغرور الذي لا يحب في الدنيا شيئًا أكثر من سيارته الفارهة إلا أصابعه الساحرة التي تصنع المعجزات، أراه يصطدم بشيء يحطم سيارته ويحطم أصابعه.. ويلين أعصابه الحديدية ويحوله إلى بائس معدوم الحيلة.

أراه يحاول معالجة يده فلا يستطع، أراه يفقد شهرته ومكانته وثقته، ثم يرى ذلك الشاب المبتسم البشوش، الشاب الذي استعاد كفاءة عمل ساقيه بعد إعاقة ألمت به، لأنه زار مكانًا في نيبال يدعى كمار-تاج، وعالجته مجموعة يتزعمها أحدهم ويدعى (القديم) أو  The Ancient One إذا كنت تفضل اللفظة الإنجليزية الصحيحة..

السادة المسافرين، نحن نتعرض إلى بعض المطبات الهوائية لذا يرجى الجلوس في مقاعدكم وربط الأحزمة..

الشاشة تجمدت وجمدتني، استمع إلى تلك الجملة السخيفة التي يصرون على إذاعتها كلما اهتزت الطائرة قليلًا..

حسنا ، لنعد إلى سترينج..

يسافر الطبيب البائس إلى نيبال، ويمضي أيامًا طويلة يفتش عن من يدعى القديم، أو أي من أتباعه، إن التبت هي مخزن الرهبان وأساتذة العلوم البطانية السحرية، إن كل باب وكل نافذة وكل حجر يخفي أحدهم.

حتى يجده موردو، موردو التلميذ النجيب للقديم، والذي ظل يراقبه ظانًا أنه من رجال كايسلوس، المارق الثائر على تعاليم القديم وجماعته..

أو لنقل جماعتها..

القديم ببساطة، سيدة ترتدي ملابس الرجال، وتحلق شعرها بالكامل، وهو دور بالطبع رفضه نصف ممثلات هوليوود ولم تقبل به سوى الممثلىة البريطانية العبقرية تيلدا سوينتون..

تنويه ما من جديد، تنويه يجمد الشاشة في لحظة التقاء سترينج بالزعيمة..

اللعنة على التنويهات، أريد مشاهدة الفيلم أيها الناس..

حسنًا، ستأخذ القديمة ذلك الرجل الملكوم إلى رحابها، ستعطيه علمًا و تدريبًا، هي ترى فيه تلميذًا لها وحارسًا لعين أجاموتو، وهو يريد أن يعود إلى عالمه كما كان، عالم الساعات الروليكس والسيارات البورش والجراحات الناجحة المدوية..

هي تريد أن تصنع خليفة لها يحمي العالم من أخطار العبث بالعلوم الباطنية القديمة، وهو لا يفهم إلا في عالمه المليء بالشهرة والأضواء..

في هذا الفيلم ، كما في غيره، ستستمر مارفل في إعطاءك تلك الجرعة من الكوميديا السوداء، الجمل القصيرة التي تفجر الضحك في رأسك قبل وجهك، الأبطال الذي لم يريدوا أبدًا أن يكونوا أبطالا.

مشاهد سترينج مع العباءة الحمراء التي تملك إرادة تحركها من تلقاء نفسها، عوالم المرآة وعوالم تثنى وتفرد، إبهار بصري وإبهار تمثيلي، حجر الزمن الأخضر الذي يحرسه وونج، إذا فحجر الزمن هنا، إن عين اجاموتو ليست فقط اثرًا هامًا، إنها حامية الحجر الثمين..

الحجر الذي كان ثانوس يبحث عنه على الأرض..

تنويه آخر من الأخ كابتن الطائرة يطلب منا الالتزام بالجلوس، وربط الأحزمة، وحبس الأنفاس، وإغلاق اعيننا، والتجمد كالتماثيل، لأنه سيهبط بالطائرة الآن في مطار القاهرة..

لكن معركة سترينج مع الكيان المسيطر على كل من يتمردون على القديم وجماعته، الكيان الشرير المدعو دورمامو، دورمامو الذي يعيش في بعد حيث لا زمن!

الزمن يتجمد هناك فلا يتحرك، من أدخل دورمامو اللعبة، كايسلوس بالطبع، وإلا فلماذا التمرد على القديم إذًا ومحاولة سرقة العين !!

رحت أحاول جاهدًا أن اضغط على كل أزرار الشاشة، لا فائدة، لقد تجمدت، تجمدت على وجه دورمامو الناري وهو يسأل سترينج ببساطة، وكأنه يدق بابه طالبًا رغيف خبز:

– ما الذي جاء بك الى هنا؟

فيجيبه سترينج ببساطة:

– دورمامو ، لقد جئت للمقايضة.

ضحك دورمامو، أو هكذا يبدو، من هذا البشري الفاني الذي يجرؤ على مساومة دورمامو؟!!

لكن سترينج يملك ما يساوم به فعلًا.

وهذه فائدة أن تضع سلاحا فتاكا كحجر الزمن، في يد عقل عبقري كعقل ستيفن سترينج.

فيما بعد، بعد أن انهيت إجراءات الجوازات في ساعة، وعثرت على حقائبي في ساعتين، وتمكنت أخيرًا من أن أصل إلى بيت أبي رحمة الله عليه، فيما بعد.. بعد خمسة أيام في برد يناير القارص، سوف أعثر على منطقة لا تلعب فيها شبكة المحمول لعبة الفتاة اللعوب، التي لا تأتيك أبدًا عندما تريدها، وسوف أشاهد ما تبقى من مبارزة سترينج ودورمامو.

سوف أرى كيف وضع سترينج نفسه هو ودورمامو في متاهة زمنية، يقتله فيعود من جديد مرددًا نفس الكلمات، دورمامو ليس كيانًا غريبًا فحسب، لكنه ملول كذلك.

عليك أن تعتاد يا عزيزي أن أشرار مارفل ليسوا اشرارًا بالمعنى المعروف، كل منهم له هدف يظن من وجهة نظره أنه هدف مشروع، دورمامو يريد أن يبقى ولذلك فسوف يأخذ أرواح سكان الأرض، أو لابد أن  كايسلوس أخبره انه يمكنه الحصول عليها، لكنه لا يطيق الملل والتكرار ولا يعرف شيئًا عن الزمن، هل يبدو لك شريرًا مطلقًا؟

الرجل يريد أن يبقى، أليس هذا ما نفعله نحن كل يوم، نريد أن نبقى فنقتل مئات الآلاف من الناموس والذباب، تخيل أننا جميعًا مجرد ذباب لا يريده دورمامو في حياته، الأمر بسيط كما ترى!

لقد قتل سترينج ألف مرة وفي كل مرة يعود من جديد للمقايضة والمساومة، ماذا تريد أن تقايضني به إذن أيها الأرضي الممل، أريدك أن تترك الأرض بمن عليها وتأخذ كايسلوس ورجاله عندك.

إذا كنت تريد الخلود فأرواحهم سوف تغذيك لفترة لا بأس بها ولتبحث عن مكان آخر يعطيك ما تريده، دورمامو يرفض فيعود سترينج لتكرار لعبته، دورمامو يوافق لأن الملل تملك منه، مرحى إذن يا سيد العلوم الباطنية!

فيما بعد.. سوف يثور موردو على قوانين القديمة، لماذا لا يعرف الأسرار هو الآخر، لماذا سترينج وليس هو، وعند موتها سيختفي، سيختفي وعيناه تملأها الغيرة و الغضب، سوف يرمم سترينج بمساعدة ونج مركز العين في نيويورك، آخر ما تبقى من مراكز العين، سوف يضع الحجر الأخضر الثمين في العين حول رقبته، وسوف يبقى هناك رابضًا، ينتظر ضيفًا قد يأتي وقد لا يأتي.

ربما كان دورمامو، أو كايسلوس من جديد، أو ربما كان موردو، أو ربما ضيفًا لا نتوقعه على الإطلاق..

وسوف ننتظر نحن لنرى سترينج على الشاشة من جديد..

فالمرة القادمة ستكون مختلفة للغاية..

لكنها كما تعرف .. قصة مختلفة تمامًا..

(يتيع)

ميسرة الدندراوي: كاتب وروائي مصري، من مواليد 1980م، تخرج من كلية الهندسة عام 2003م، من إصداراته: (آثار جانبية)، (صمت مزعج)، (العنصر التاسع).

عن ميسره الدندراوي

مؤلف مصري، من رواياته البوليسية: (آثار جانبية)، (صمت مزعج)، (العنصر التاسع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.