الإثنين , أغسطس 19 2019

(12 رجلًا غاضبًا) 1957م: أيقونة رائدة في تكنيك (أفلام الغرفة)

• لمطالعة الحلقات السابقة من كتيب (أفلام غرفة).

• لتحميل الكتاب كاملًا في صيغة PDF.

سؤل (نجيب محفوظ): أيهما تفضل كقارئ؟ أن تطالع الأعمال الأدبية من الأحدث إلى الأقدم؟ أم العكس؟

أجاب بأنه لو بدأ بالكلاسيكيات على غرار («الأغاني» للأصفهاني، «رسالة الغفران» للمعري، «الأوديسا» لهوميروس، إلخ) سيفنى العمر قبل وصوله إلى للإنتاج المعاصر. أما عند إعطاء الأولوية للجديد، سينجح في تغطية إنتاج كل الأزمنة. فكل رواية حالية إنما تحمل بين طياتها تراكمات تطور المدارس التي سبقتها. على الجانب الآخر، أبسط بديهيات العدل على معاملة الأعمال الكلاسيكية بمعايير عصرهم، لا عصرنا.

لكن.. كما نعلم: (لكل قاعدة استثناءات).

لو عمّمنا نفس الكلام على السينما، سنجده دقيقًا إلى حد كبير.

ثمة أفلام قديمة لا تحتاج منا إلى أي خفض لسقف التوقعات.

من أبرزهم في رأيي: (12 رجلًا غاضبًا).

عندما شاهدته لأول مرة، كانت (عتاقة جودة الصورة + اللونين الأبيض والأسود) هما العاملان الوحيدان اللذان يذكرانني بأنني أمام فيلم أنتج عام 1957م. أما ما سوى ذلك من عناصر الأخرى للفيلم (سيناريو، حركة الكاميرا، التمثيل، إلخ) فمن النوع الذي لا يبهت بمرور الزمن.

بخصوص عنصر التمثيل –تحديدًا- للأسف لم أكن أتعرّف أي فرد منهم. لفت (12 رجلًا غاضبًا) انتباهي إلى حقيقة: أن أغلب المشاهدين الشباب يعلمون الكثير عن (دانييل دي لويس)، (آل باتشينو)، (روبن ويليامز). بينما يفوتنا الإلمام بأغلب يخص الأجيال التي سبقتهم، مع أنها مواهب قديرة وتستحق التعرف عليها بالفعل.

لن أتحدث عن نجم بعينه من الـ (12) الغاضبين، فجميعهم بلا استثناء أجادوا إلى حد كبير، شعرت أغلب الوقت أنني أمام مجلس محلفين حقيقي، وليس ممثلين محترفين يؤدون الدور. أعانهم على ذلك سيناريو مكتوب بعبقرية وحرفية بالغة. عرفت فيما بعد أن النص مستوحى عن مسرحية تحمل نفس الاسم، للكاتب (ريجنالد روز)،

ظهرت إلى الوجود قبل النسخة السينمائية بثلاثة أعوام، ربما فسّر لي ذلك قدرتهم على حصر الأحداث داخل غرفة، لكنه لم يشرح إعجاز السيناريو في قيامه بمنح كل واحد من الـ (12) نصيبًا كافيًا من الحوار ورسم الشخصية.

نحن لا نتحدث عن سبعة أو ثمانية، بل اثنا عشر.

قديمًا في طفولتي، عندما كنت أرى مشاهد محاكمة ضمن فيلم أمريكي، لم أكن أفهم من هم (المحلفين) هؤلاء!

علمت فيما بعد أنهم لجنة تشكل من أفراد عاديون من الشعب، فطبقًا للقوانين الأمريكية «أي مواطن يصلح كـ (محلف)»، بشرط (إجادة القراءة والكتابة، تجاوز الـ 18 عامًا، حسن السير والسلوك، عدم وجود علة تقلل من كفائته في متابعة مجريات القضية)، يتم إطلاعهم على كافة ملابسات القضية، يستمعون إلى الطرفين (المحامي) و(الإدعاء)، ثم يقتصر دورهم على الإقرار –عن طريق التصويت فيما بينهم- إذا كان المتهم (برئ)، فيطلق سراحه مباشرة. أما لو (مذنب)، يتولى القاضي توقيع العقوبة التي يراها مناسبة طبقًا للقانون.

هناك نوع آخر من لجان المحلفين، يقوم بدور مختلف، لكنه ليس مجال حديثنا الآن.

تدور أحداث الفيلم في يوم حار، يغلق فيه باب القاعة على لجنة المحلفين، قيل لهم أنهم لن يخرجوا إلا بعد الوصول إلى قرار بالإجماع، أغلب ملابسات القضية توحي بأن المتهم ذو الـ (18) عامًا (مذنب 100%)، ظن الجالسين حول الطاولة بأن القضية واضحة، لا تحتاج إلى طول للنقاش. باستثناء رقم (8) الذي ذكرهم أن الفتي سيعدم بالكرسي الكهربائي إذا اتفقت لجنة المحلفين على أنه (مذنب).

ثمة حياة إنسان على المحك، أي أن الأمر يستحق منهم بعض الوقت في النقاش.

أدلة الاتهام تتمثل في العثور على سلاح الجريمة (مطواة ذات طابع مميز)، علاوة شهادة اثنين من الجيران، أولهما عجوز في الطابق الأرضي، سمع الابن يصرخ في والده (سأقتلك)، تلاه صوت جسد يسقط أرضًا، أما الثانية فامرأة تسكن في البناية المقابلة، قالت أنها شاهدت الجريمة عبر النافذة، التي لا يفصلها عن شقة القتيل سوى شريط سكك حديدية، يقطعه قطار بين الحين والآخر.

«طقس حار، رطوبة خانقة، عرق».

يُقال المصوّر (كاوفمان هوبكنيس) استخدم عدسات خاصة، كي يبروز تأثير كل ما سبق على وجوه الممثلين.

على الجانب الآخر، لم يلتزم الـ (12) رجل بمقاعدهم أغلب الجلسة، فإما أن أحدهم أو بعضهم يتحرك داخل الكادر، أو أن الكاميرا هي التي تتحرك برشاقة، مما نتج عنه قدر لا بأس به أبدًا من الحيوية البصرية، رغم ضيق المساحة.

بدأت الجلسة بـ (10) محلفين صوتوا بـ (مذنب)، في مقابل رفع رقم (8) يده معترضًا، ثم انضم المزيد تدريجيًا إلى صفه. خلال الثلث ساعة الأخيرة من الفيلم، عادت كفة الأصوات إلى الميل صوب (إدانة الشاب)، صحيح أنني خمنت أن الفتى سيتم تبرأته في النهاية. لكن كيف؟

لم يتبق الكثير على زمن الفيلم، كيف سيغير كل هؤلاء الرافضين رأيهم خلال وقت قصير؟ خشيت أن يقوم السيناريو بذلك بطريقة متعجلة، لكن -لحسن الحظ- لم يحدث ذلك، ظللنا أمام 96 دقيقة عبارة عن تراشق مستمر من الحوار الذكي، الاستدلال، التفنيد، إلى جوار آراء متأثرة بالخلفية الشخصية لأصحابها.

لم يكن الموضوع متعلقًا بمحاكمة شاب يقال أنه قتل أبيه، بل قام المؤلف بعمل تشريح نفسي واجتماعي لذلك العصر، من خلال تقديم 12 نموذجًا إنسانيًا، لا يشبه أحدهم الآخر.

وصل الحد بأنني تمنيت لو يتم إنتاج أفلام قصيرة مستقلة، عن حياة الواحد منهم على حدة (قبل وبعد المحاكمة)، بالذات (الرجل الذي ضربه ابنه/ اللامبالي الذي كان يريد إدراك المباراة/ العجوز الذي يعيش وحده/ الجاد الذي لم يخلع بذلته أو ربطة عنقه رغم الحر). علاوة على عمل سينمائي مطول عن رقم (8). لدي فضول تجاه معرفة: كيف يبدو هذا الرجل أثناء يومه العادي!

المؤسف أنني لم أكن معاصرًا لهم، وإلا لحرصــت على إرسال (إيميل).. عفوًا، أقصد خطابًا بريديًا أقترح فيه الفكرة على المخرج (سيدني لوميت)، والمنتج (هنري فوندا)، الأخير شارك كذلك –بالمناسبة- ضمن طاقم التمثيل، من خلال أداء دور المحلف رقم (8)، كانت تجربته الوحيدة في مجال (الإنتاج)، إلا أنها كفلت لصانعيها.. الخلود.

فاز (12 رجلًا غاضبًا) بجائزة (الدب الذهبي) من مهرجان (برلين)، كما قرأت في صفحة الفيلم على ويكبيديا أنه ترشح لأربع جوائز أوسكار، عن فئات أفضل (فيلم، مخرج، سيناريو مقتبس)، توقعت شيء كهذا، أما ما لم أتوقعه، أنه فشل في حصد أي واحدة منها. (إذا عرف السبب.. بطل العجب). اتضح لي بالمزيد من البحث، أن الحظ العاثر أوقع (12 رجلًا غاضبًا) بالتوازي مع نفس سنة صدور الفيلم المهم (جسر على نهر كواي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)