10 مشاهد لم تتسع لها فلوجات (منتدى الإسكندرية للإعلام)

“في الإسكندرية (بشقّر) على روحي، بطمن إنها موجودة”.

الجملة من مقال طويل للإعلامي (محمد فتحي)، على خلفية مشاركته في منتدى الإسكندرية للإعلام، الدورة السابقة.

بما أنني من عشاق ذاك البلد، لم يكن غريبًا أن تظل الجملة عالقة في ذهني، لمدة عام كامل، حتى شاء القدر أن أحضر نفس المنتدى، في دورة العام التالي.

في الواقع، شاركت مرتين، عامي 2015م و2017م. في الأولى.. دفعتني الذكريات الطيبة المرحة التي عدت بها، إلى الاندفاع في تسجيلها على شكل سلسلة تدوينات، أما 2017م.. قررت التهور أكثر، عندما فكرت في استعمال هاتفي الجوال العقيم، في توثيق الرحلة عن طريق (فلوج)، مكون من ثلاث أجزاء.

سبق أن جربت هذه الطريقة في تغطية معرض (القاهرة) الدولي للكتاب- يناير الماضي، وعلى قدر إرهاق التصوير+ المونتاج + قلة الإمكانيات، استمتعت بالروح بالمحتوى البصري، فاعتبرني غنمت تذكارًا حيًا، يستحق كل ذاك العناء.

ها نحن ذا، نكرر التجربة، من خلال ثلاثة حلقات، كتغطية للثلاثة أيام (مدة منتدى الإسكندرية)، علاوة على كم غزير من التقارير المصورة الجانبية.

– هناك لقطات من الفيديو، أشعرتني ببعض الخجل غير المباشر، فكرت في حذفها بالمونتاج، لكن.. بعد قليل من مراجعة الذات.. فضلت تركه كما هو.. بنفس اختياراتي التلقائية الأولى، فلا يوجد أكثر من موجز الـ 15 دقيقة ذاك، كي تعبر عني في كل حالاتي، وليس مجرد مشاركة ليوم في منتدى رسمي؛ ففي المساء.. أمسكت كاميرا الموبايل، ألتقط كادرات مبهجة من -ولا مؤاخذة- رقص شعبي بالقلعة- القاهرة، وكتبت معلقًا عليها بصفحتي على فيسبوك حينذاك:

“يشعر بـ (الشخلعة) مع 200 آخرون”.

أما في الظهيرة، وقفت -بجدية تامة، وكأنما لم أعش في حياتي لحظة مزاح واحدة- برفقة نفس الموبايل، سجلت مع رئيس التحرير التنفيذي للمصري اليوم.

في مساء 24 أبريل.. بالترينج والشبسب.. داخل وكالة (بهنا) التابعة لمؤسسة جدران الثقافية (خصصت لها فيديو منفصل). الصباح التالي..

حضرت افتتاح المنتدى.. داخل جلباب أبيض.. وحقيبة كتف سمراء.

في اليوم الأول، لعبت -بمنتهى الخشونة- ملاكمة داخل حلبة (VR)، وفزت في الثلاث جولات، بعكس كامل بقية فترة المنتدى، عندما هزمني -ولا يزال- شاطئ الإسكندرية بالضربة قاضية، في كل مرة وقفت أمامه.. والغريبة أنها هزيمة.. لطالما أسعدني.

-لمشاهدة أول الفيديوهات الثلاثة للرحلة، من (هنا):

ـــ(10 ملاحظات: لم تتسع لها فرصة التواجد داخل فلوج المنتدى)ـــ

(1)

بدأت فاعليات المنتدى بمحاضرة (بيتر ووترود)، مدير المعهد الثقافي السويدي.

ألقـاها بالإنجليزية طبعـًا، وكما هو متوقع، لم أحتمل أكثر من عشـر دقائق، قبل أن أصاب بالصـداع، ومن

ثم؛ تسللت خارجًا.

للأسف، عجزت عن الابتهاج طويلًا، إذ عثر عليّ مدير المنتدى، وسأل بطبيعة الحال عن سبب تهربي من الافتتاح.

فكررت بابتكار أعذار نمطية، على غرار “الذهاب إلى دورة المياه”، أو “سأشعل سيجارة، وأعود”.

غير أن الحجة الأولى تنتمي إلى أيام المدرسة الابتدائية، أما الثانية، فيحول دونها عائق بسيط:

-الرجل يعرفني منذ زمن طويل، فيدرك أنني لا أدخن أساسًا.

لم يتبق أمامي سوى اللوذ بما أجيده، فسرحت بعينيّ في

اللامكان، محاولًا استدعاء أحد اقتباساتي الفلسفية المفحمة:

-اللغة الإنجليزية كـ.. “الحواوشي”، أحب الإقبال عليها، إلا أن التعرض لها بكثرة، يصيب بالـ..

بنظرة واحدة، أدركت أنه لم يتأثر، فلم أجد داعيًا من الإكمال، وتبديد وحي اقتباساتي الملهمة في طريق مسدود.

-حسنٌ، ها أنا ذا أعود.

(2)
ماذا تعني كلمة “احترام”؟

تعني: منتدى يتواجد فيها رئيس التحرير التنفيذي لـ (المصري اليوم)، فيتجه إليه هاوي شاب أثناء فترة الاستراحة، يرتدي جلبابًا، ويحمل مايك (هاند فرى)، يخرج منها سلك متصل بهاتف جوال، مستأذنًا إياه بجدية في تصوير لقاء فيديو.

الموقف نفسه يبدو كاريكاتوريًا للغاية!

إلا أن الأستاذ تلقى الدعوة بجدية، وسجّل مع الفتى بالفعل، كما لم ينس أن يضف أولًا:

– بالمناسبة، رأيت المطبوعة خاصتك، وأعجبتني.

(3)

الاحترام.. يعني أن نرى قامة كبيرة في صناعة القنوات الفضائية، أثناء جلسة حوارية مكونة من حوالي 60 شابًا.

رفع أحدهم -في أقصى القاعة- يده، طلبًا للكلمة، فنهض الرجل الكُبارة بنفسه، مبادرًا بمناولة الميكرفون.

هب أفراد من اللجنة المنظمة، كي يقوموا بهذا الدور عنه، إن لم يكن لأجل مكانة الأستاذ، فعلى الأقل.. لسنه.

لكن الرجل أصر، وأكمل طريقه، مادًا الميكرفون بكل بساطة.

(3)

– نعم، المناظر الطبيعية جميلة جدًا.

في المقابل، توجد شوائب من نوعية (الأسعار باهظة/انقطاع الكهرباء المتكرر/بالإضافة إلى المشاكل السياسية والطائفية).

كان هذا رد زميلتي اللبنانية، عندما سألتها:

– هل البلاد عندكم، غاية في الجمال كما أتخيل؟

(4)

من العسير أن أتواجد بالإسكندرية، دون أن تأخذني

قدماي إلى فندق (متروبـول)، خصوصًا أنه على بعد

خمس دقائق مشيًا، من مقر مبيت المنتدى.

يمكنني البوح بالكثير من الذكريات عن (متروبول)، لكن… ليس الآن.

(5)

أعتبرها أطول مدة غبت فيها عن بيتنا، منذ رحلة (شمال وجنوب)- 2015م، التي دامت لثلاثة أسابيع.

ليلتين مبيت في القطار + مثلهم في القاهرة + 3 في منتدى الإسكندرية، حتى رجعت أخيرًا للتو.. إلى منزلنا العامر بأسوان..

خلال كل تلك الفترة، جربت استعمال جهاز في مقهى انترنت بالإسكندرية، أو حاسب نقال، يخص صديقي الذي كنت أبيت عنده بالقاهرة، لكن –في الحالتين- أشعر بعدم الأريحية. فلا أذق الاستقرار، إلا بعد عودة الابن الضال، وأنا غائص في الكرسي البلاستيكي بغرفتي.. فوقي المروحة تعمل على السرعة رقم 5.. وعيني في عين (لطفي) .. اسم الكمبيوتر الخاص بي.

(6)

في المعتاد.. قبل أي سفر لي.. أحاول إنجاز المقالات أو التدوينات الدورية، بدلًا من أن تتراكم عليّ بعد الرجوع.

أعتبر عملية “تحرير الكتابة” نفسها؛ ألذ/ أصعب مهمة في العالم.

هذه المرة.. عدت من إسكندرية بكم كبير من الصور والفيديوهات، تحتاج إلى “معالجة” كذلك، معتقدًا إن “تحرير المواد البصرية” مهمة أيسر كثيرًا.

لكن.. صدمتي أن الوقت استطال بشدة، فبددت يومًا.. واثنان.. وثلاثة.. في محاولة إنجاز المونتاج.

اتضح إن “التحرير Edit هو التحرير”.. نفس الأرق اللذيذ، وهاجس الكمال، مهما كان نوع المحتوى الذي نشتغل عليه، سواء كلمات.. كادرات.. صوت.. حركة..

يومًا ما، سأرحم ما تبقى من عقلي.. باعتزال المسـائل

برمتها، واكتفي بشراء توكتوك.. و.. آه.. لن أنس أن أكتب على ظهره..

-التحرير .. خسرنا كتير.

(7)

يقول د. أيمن صلاح:

-تنجح الحملة التسويقية، كلما استحوذت على حواس أكثر للمستهلك.

من يشاهد (الفلوج) سيدرك جانبًا مرئيًا يسيرًا من مقدار الإفادة وخفة الظل، التي يملكهما هذا الرجل.

يكفي أنه مجرد جملة واحدة من حديثه أوحت إلىّ بفكرة قصة (خيال علمي)، أخالها على قدر من الابتكار.

(8)

الفرق ما بين الذهاب والعودة، من الإسكندرية.

أنني طول الشطر الأول، كنت في حالة سماوية عالية

من المزاج الرائق، لترن في ودني -بشكل ملح – أغنية:

 

بينما أثناء الرجوع، قابلت بضعة شوائب، جعلت اللسان المعبر عن حالي، هو:

 

اكتشفت أن المرء منا بإمكانه كتابة مذكرات يومية لحياته -بالكامل-، يقول خلالها كل شيء، عن طريق

ذكر أسماء “أغاني” معينة بالترتيب.. فقط.

(9)

عند عودتي من الإسكندرية، وجدت بانتظاري تعليقات لأصدقاء، تتراوح ما بين: “نحسدك”، “أنت محظوظ”، إلخ.

أبتسم بمنتهى السعادة في الصور والفيديوهات التي رأوها، غير أن وجهًا آخر للرحلة، وراء الصور، لم أحبذ الحديث عنه، لكن.. يبدو أنه ضروري لإكمال الصورة.

لأضرب مثالًا باليوم الثاني من المنتدى تحديدًا، باعتباره أكثر ما تضمن تفاصيل غير لطيفة، حذفتها في المونتاج:

– استيقظت في صباحه على كابوس.

– نزلت إلى مطعم الفندق، بشهية غائبة، في مثل هذه الحالات، أسعى إلى تناول أي سكريات، فوضعت في طبقي تفاحتين، ثم ملأت كوبًا من عصير البرتقال.. تمام.. لا مؤاخذة.. تقيأتهم في المصعد قبل أن أبلغ باب غرفتي.. تخيلوا كم الحرج وأنا أبلغ عمال النظافة في الطابق بما حدث، كي يزيلوا الفوضى التي تسببت فيها!

– عندما جاء دوري في الدخول على لجنة التحكيم، فوجئت بمشكلة في الحاسب النقال، استغرقت عدة دقائق، وعندما تم تجاوزها، اكتشفت مشكلة تالية في صوت الجهاز، اضطررت لاستبعاد نصف المحتوى الذي أعددته، المتمثل في فيديو وثائقي عن المبادرة، والاكتفاء بالنص الآخر (عرض باور بوينت، يمكنني الشرح فيه بنفسي، بالتالي أتخطى مشكلة ضعف الصوت).

أصر عضو لجنة التحكيم، أن أخبره بموجز محتوى الفيديو، فقلت بطريقتي المباشرة المعتادة:

– أبدًا، ليس بالأمر فائق الأهمية، كل ما هنالك، أنه تتضمن لقاءات تلفزيونية عن المبادرة،  أقحمتها بغرض التأثير النفسي على لجنة التحكيم (أي حضراتكم)، والإيحاء بأننا مهمين.

التفتوا إلى بعضهم البعض، قبل أن يقول لي أحدهم بمنتهى الجدية:

– عن نفسي، أقسم أنني تأثرت.

دعوني أشرح شكل الغرفة، كنا نلتف جميعًا حول طاولة ضخمة، هما فوق مقاعد جهة اليمين، وأنا -وحدي فوق أريكة- جهة اليسار، أمامي حاسب النقال، متصل بجهاز عرض الصور.

المشكلة الأبرز، في المسافة المتسعة بعض الشيء، بين الأريكة والطاولة، مما يجبرني على الميل بجذعي للأمام عند كل نقرة لأزرار الحاسب النقال، فظل وضع غير مريح بالمرة!

أضف إلى ذلك، اعتيادي الدائم على استخدام الفارة،

فقم بمضاعفة (عدم الارتياح) مرتين، بسبب الاضطرار للتعامل مع شاشة اللمس الخاصة باللاب.
لأسباب مثل تلك، يُعد زميلي (مصطفى جميل) أفضل مني بمراحل، في تمثيل المبادرة خارجيًا، نظرًا لمرونته في تجاوز التفاصيل الصغيرة، أما بالنسبة إليّ، فمن الممكن قد تتسبب لفتة بسيطة في رفعي إلى عنان السماء، وأخرى تخسف أخرى بحماسي إلى أسفل سافلين.
على الناحية الأخرى.. عندما خرجت من منزلي.. كنت أعلم أنني لن أسافر إلى عالم مثالي، بمعنى: في أسعد الاحتمالات، أمام كل 9 مواقف باسمة، سأقابل 1 على الأقل.. يضايقني جدًا.

إن لم أقبل بهذه النسبة، من الأفضل لي -إذن- العيش في شرنقة، بعالم موازي.

لهذا السبب، أنفتح على السفر والاندماج في فعاليات مماثلة، علني أتغير بالتدريج، وأصير شخصًا أكثر احترافية.

(10)

من الإجحاف لو أنكرت أنني سعدت -لأبعد مدى- خلال فترة المنتدى مجملًا، أصنفه ضمن أحد

أجمل رحلات حياتي.

*******

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.