(يتخيلون، فانتازيون، مخطوطة، إلخ): دور نشر عربية تخصصت في الخيال العلمي والفانتازيا

تهتم العديد من دور النشر –حاليًا- بتبني إصدارات الرعب والفانتازيا، بل –في بعض تلك الدور- يصل نسبة الإصدارات الخيالية إلى أكثر من 50% من مجمل إنتاج ككل. لكننا في هذا الفصل، نتحدث عن منظومات النشر التي أعلنت بوضوح منذ يومها الأول أنها متخصصة في (الفانتازيا/ الخيال العلمي/ الرعب).

هذه ليست بدعة جديدة، إذ أن الغرب سبقنا إليها منذ مدة طويلة، لا نجد هناك –مثلًا- دورًا متخصصــة في الخيــال العلمـي وحسـب، بل في إصدارات لشرائح عمرية أو أفرع بعينها داخله.

• (يتخيلون)- السعودية:

خلال مؤتمر الخيال العلمي الدولي 2013م، تواجد على المنصة شاب يدعي (ياسر بهجت). أحد مؤسسي مبادرة (يتخيلون)، والذي يقول في سياق التعريف بها:

– نحن لا نعلم هل الخيال هو أساس العلم أم أن العلم يغذي مزيدًا من الخيال، كل ما هو واضح أن هناك ارتباط بينهما. (يتخيلون) اسم على هيئة جملة فعلية، وهي تدعم هذه الفكرة.

تأسست (يتخيلون) عام 2012م على يد السعوديان (ياسر بهجت) و(إبراهيم عباس).

سرعان ما تحولت المبادرة إلى دار نشر رسمية.

بدا أن هذا هو الحل الأقرب نظرًا لمعاناة من رفض دور النشر المتكرر لرواياتهم، لا لشيء إلا لسبب النظرة التقليدية لذاك التصنيف الأدبي.

تهدف المبادرة إلي إثراء محتوى الخيـال العلمي العربي، بشكل يؤهلها –حسب طموحهم- للتنافسية العالمية.

أصدروا باكورة إنتاجهم عام 2013م؛ رواية (حوجن) التي خالفت توقعات الناشرين سالفي الذكر، وحققت رواجًا واسعًا.

أصدرت (يتخيلون) جزئين تاليين لـ (حوجن) حملا عنوان (هناك) و(بنيامين). بالإضافة إلى رواية (يقطينيا: العالم القديم) لـ (ياسر بهجت).

♦ الموقع الإلكتروني للدار.

• (فانتازيون)- مصر:

في أواخر 2016م، اقترح (إبراهيم السعيد)  تأسيس (مبادرة) أو (رابطة) تضم المهتمين بأدب (الفانتازيا). تحمس العديدون للفكرة، في مقدمتهم (إسلام علي)، (محمد الدواخلي)، (محمد أبو الهنا).

أول لقاء احتفالي بالمبادرة حدث على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، جلسنا على الأرض في الحديقة المقابلة لخيمة 3، (الجيل الجديد لربما لم يعاصر فترة الاستضافة داخل أرض المعارض بمدينة نصر، أيام كانت بعض الأجنحة تقام داخل خيمة عملاقة). كنت محظوظًا بأنني حضرت تلك الدورة من المعرض، بل سجلت حينذاك (بواسطة كاميرا هاتفي الرديئة) أجزاء من فعالية تدشين الكيان، ستجدونها على قناة (لأبعد مدى) على يوتيوب.

**********

أصدرت الحكومة عام 2016م قرارًا بـ (تحرير سعر صرف الجنيه في مقابل العملات الأجنبية)، مما قاد الاقتصاد المصري إلى مرحلة انتقالية صعبة، انعكست –بطبيعة الحال- على كل الصناعات التي تستورد خاماتها من الخارج بالعملة الصعبة. بما في ذلك مجال النشر (نستورد الورق وأحبار الطباعة وغيرهما)، فارتفعت أسعار الكتب، في مقابل انخفاض القدرة الشرائية للمستهلك.

لذلك، حينما أجرينا حوارًا صحفيًا (محمد الدواخلي) في 2019م، سألته عن العوامل التي راهن عليها لصمود الكيان وسط هذه الظروف.  أجاب مؤلف (الغول الأحمر الأخير):

– تركز رهـاني الشخصي -وليس ما يخـص فريـق الدار ككل- على:

1- احتياج الوسـط الأدبي لمنفذ متخصص في نشـر الفانتازيا.

2- وجود مجال للتسويق وخبرة به (للأسف ما تلاه من تغيرات غير الصورة).

3- تقديم محتوى مختلف عن المتشابه في بقية الدور.

• (منشورات ويلز)- مصر:

في حوارنا مع مؤسس (منشورات ويلز)، طرحنا نفس السؤال الذي يفرض نفسه:

– ألم تخشَ الدار حصر أنشطتها داخل لون أدبي، بالذات لو اتسم بالشعبية المحدودة مثل (الخيال العلمي)؟

أجاب (محمد خيري) بأنهم -منذ بداية التفكير في المشروع- كانوا واعين لهذه النقطة، إلا أن هناك أكثر من عامل حكموا اختيارهم لهذا الاتجاه:

– أولًا: وجودهم بعيدًا عن المراكز الثقافية في القاهرة أو الإسكندرية (تقع الدار داخل دلتا مصر)، فكان ذلك موضوعًا في الاعتبار، مما جعلهم يدركون أنهم لن يستطيعون إيفاء (النشر الشامل لألوان أدبية مختلفة) حقه، بالإضافة إلى عدم تفرغ (خيري) الكامل، نظرًا لأنه –إلى جوار أنشطة الدار- ينخرط في عمل خاص، هو ما يمول بواسطته الدار ذاتيًا، لذلك رأى الرجل أن التخصص –بجوار كونه عامل ضعف- سيوفر نوعًا من التركيز في مجال واحد. كما سيضفي نقطة تميز، فمن غير الشائع وجود دار نشر تنحاز إلى لون أدبي هامشي سوقيًا مثل الخيال العلمي.

بدأ (خيري) إجراءات إشهار الدار في أواخر 2013م، كانت لا تزال روح الثورة موجودة داخل المصالح الحكومية، فتم الأمر بسلاسة.

ظهــرت الصعـوبة في مرحـلة ما بعــد التأسيـس:

واجهت الدار (أزمة توزيع) ترجع إلى تخوف بعض المكتبات من قبول إصداراتها، لأسباب من نوعية (حداثة عمرها، انتماءها إلى خارج العاصمة + تخصصها في لون أدبي محدود الجماهيرية).

يقول (خيري):

– لا ألومهم بصراحة، لأن لهم حساباتهم، كما أن أمرنا كان ضبابيًا بالنسبة إليهم، لكن هذه المشكلة سرعان ما انتهت، بعد اتفاقنا مع دار الكرمة؛ أن تقوم بدور الموزع، ومنذ ذلك الحين لم تواجهنا أي مشاكل، تتوفر إصداراتنا داخل معظم مكتبات مصر حاليًا.

اختارت (ويلز) البدء بترجمة روايات مثل (آلة الزمـن)، (كوكب القـردة)، (عالم جديد شجــاع)، (الآلة تتوقف)، إلخ.

لعل العامل المشترك الأبرز بينها: أنها كلاسيكيات مر على وفاة مؤلفها أكثر من خمسين عامًا، مما يجعلها مصنفة ضمن (رخصة المشاع الإبداعي).

بررت الدار تلك الاختيارات بأنها أردت إعفاء نفسها من دفع مبالغ طائلة بالدولار للناشر أو المؤلف الأجنبي صاحب حقوق الملكية الفكرية.

أفاد (خيري) أن نشر الأعمال الكلاسيكية كانت مرهونة بفكرة (البدايات، فكرة تحسس السوق، استشراف مخاطرة التخصص في مجال الأدبي بدون جماهيرية). أما بالنسبة للمستقبل، لديه رغبة في تقديم ترجمات أكثر تنوعًا ومعاصرة. بينما تتحفظ الدار (لأسباب يطول شرحها) على فكـرة نشر خيال علمي بقلم مؤلفـين مصـريين أو عرب.

سألت الناشر عن سبب الاستقرار على (ويلز) كاسم للدار، فأشار إلى أنهم واجهوا تخوفين رئيسين في هذا الصدد:

1- الاتهام بالتغريب: باعتبارهم اختاروا اسمًا أجنبيًا. في المقابل، كان منطقهم أن أسماء مثل (ويلز) و(فيرن) متجاوزة للقوميات واللغات، تعتبر علامة أيقونية عالمية.

2-  الاتهام بالكلاسيكية.

اعترف (خيري) فيما يخص النقطة الأخيرة التحديد:

– هـو هاجـس له وجاهتــه في الحقيقــة، فأغلـب قراءات العرب تنحصر في كلاسيكيات الخيال العلمي، حتى كتابات النقاد معظم في هذا المجال، لم تتخط تناول الأعمال الكلاسيكية. لكننا قلنا بأن التسمية ليس كافية للحكم المسبق على اتجاه الدار، وإنما الفيصل بالأساس سيكون نوعية الإصدارات المستقبلية.

• (مخطوطة 5229)، الإمارات:

في الفترة ما بين 2012م إلى 2016م، نشرت عن دار (نهضة مصر) ثلاثية (أجوان- ماندان- سيدونية) للكاتبة (نورة النومان)، التي جربت أيضًا مجال (الترجمة). قبل أن تتخذ قرارًا شجاعًا عام 2017م باقتحام حقل جديد، حيث أسست أول دار نشر إماراتية تتخصص في (الخيال العلمي، الفانتازيا، الرعب، إلخ). اختارت لها اسم (مخطوطة 5229).

وهي مخطوطة تتكون من 420 صفحة، سجل فيها الرحالة العربي (أحمد فضلان) تفاصيل رحلته  بلاد الترك والروس والصقالبة.

يعود الفضل في اكتشاف المخطوطة إلى  الباحث التركي (أحمد وليدي زكي طوغان) عام 1923م، أودعت بعد ذلك في أحد متاحف بلاده تحت فهرست MS5229، لذلك يسهل –الآن- تفسير مصدر الرقم المتواجد داخل شعار الدار. بل إذا دققنا –أيضًا- في كلمة “مخطوطة” هناك، سنلاحظ  أنها كتبت بطابع عتيق. حسنٌ، لقد تم نسخها من خط يد أحمد بن فضلان البغدادى نفسه.

حتى تاريخ تأسيس الدار لم يأت اعتباطًا، بل أعلنت (النومان) أنه جاء تماشيًا مع احتفال (الإمارات العربية المتحدة) بـ 2016 عامًا للقراءة.

********

على غرار استعانة مخرجي أفلام الحركة بمصممي معارك، هناك مرجع موجه الروائيين، يقدم نصائح مفصلة في كيفية بناء مشاهد الاشتباك مرسومة بعناية ودقة بالغتين، يُدعى (مشاهد القتال في الأدب)، للكاتبة (راين هول).

استهلت (نورة النومان) أنشطة الدار بإصدار ترجمة لهذا المرجع، بالإضافة إلى أول أجزاء سلسلة (إمبراطورية رادتش) للروائية (آن ليكى)، الذي يحمل اسم (بريق العدالة).  ثم نجحت أخيرًا في التواصل مع ورثة المؤلف (فرانك هربرت)، وشراء حقوق أول ترجمة بالعربية لرواية (كثيب).

اختارت الدار طرح منتجاتها في صيغة رقمية عبر عبر متاجر إلكترونية (أمازون، نيل وفرات، E-kutub.com، إلخ) باعتبارها الآلية الأنسب من عدة وجوه:

1- تفادي سقف الرقابة المنخفض –بعض الشيء- في الخليج.

2- القفز على مشاكل التوزيع التي تعاني منها معظم دور النشر الورقي عمومًا.

للمزيد من المعلومات عن الدار وإصداراتها، يمكن متابعة موقعها الإلكتروني:

www.ms5229.com

• نُشر التقرير السابق كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).