رحلة ونسة

• المكان: فندق هيلنين.. أسوان.

• الزمان: 27 أكتوبر 2014م.

• الحدث: ورشة (بناء مدارك العاملين فى المؤسسات الثقافية).

• ملحوظة: “استغرقت الفاعلية 3 أيام، سهل علينا خلالها استيعاب الكثير، بينما احتجنا لشهور بعدها حتى نحفظ اسم الورشة المعقد ذاك”.

قسمنا (أحمد عصمت) -مدرب الورشة- إلى مجموعات حسب التخصص، فجاء نصيبى

بالتواجد ضمن فريق المبادرين:

– منة عبد الرحيم.. مبادرة (البهجة خانة).

– فرحة حماد.. جمعية (قوص بلدنا).

– وآخرون.

• المطلوب:

– ارتجال مشروع له فكرة جديدة “قدر الإمكان”، ثم تطبيق ما تعلمناه من: إعداد رؤية.. رسالة.. خطة.. هيكل تنظيمى.. أخيرًا: التحليل الرباعى “SWOT” الخاص بـ(نقاط القوة، الضعف، الفرص، المخاطر).

أعجبت كثيرًا بقدرات مدربنا، هناك الكثير من المعلومات/ الحضور/ الخبرة، كلها مجتمعة فى شخص واحد، ثم لاحظت وجود حس دعابة مبتكر أيضًا، إذ رأيته ينظر إلى الساعة، ثم..:

– أمامكم ساعة إلا الربع.

استغرقت وقت ليس بالقليل، حتى أصدق أنه يتحدث بجدية.

ثم خمس دقائق لانفصال مجموعتنا عن القاعة، واتجاهنا إلى زاوية أهدًا فى ردهة الفندق المواجهة للنيل، تلاها ثلث ساعة أخرى فى سوء تفاهم نشب بسيط بين آنسات الفريق، (أبتسم الآن لمجرد تذكر المسألة، لا زلت أرى أنه لم يزد عن سوء تفاهم بين مجموعة متباينة الطاقات والحماس، وإعتذارى لك يا منة، أعلم أنك لا تحبين تذكر هذا الجزء).

أما العمل على المشروع نفسه، فـ -للغرابة- أنهينا معظمه فى ربع ساعة فقط تقريبًا.

اقترحت مبدئيًا: مهرجان دورى أدبى/ فني يحمل اسم (سوق عكاظ)، الفكرة ليست جديدة، يمكن اعتبارها -باختصار- نفس (الفن ميدان) داخل ثوب تراثى كلاسيكى.

ثم أضافت (منة) + (فرحة) الكثير للجوانب الإطارية الإدارية، للحق.. استمتعت واستفدت جدًا بتواجدى معهم ضمن جزء تطبيقى، بما تملكه الأولى من طاقة وطلاقة، والثانية من عقل منظم.

ربما كان ذلك أحد أسباب أنني لم أنس الفكرة، كونها نشأت نتيجة “ارتجال” ليس مبررًا أن تُدفن، لكن من سينفذه؟

سألت نفسي:

– لماذا لا تفعل أنت؟

بسم الله الرحمن الرحيم:

– الإجابة: بعد انتهاء العرض التقديمى المشروع، سألنى عصمت:

– ومن سيدير؟

– ماذا تعنى؟ إنه مجرد مشروع خيالى، لن ينفذ حتى يوجد من يديره!

– ولنفرض.. من سيدير حينها؟

اضطررت أن أسايره للنهاية، كى أفهم المقصد:

– لنقل: أنا مثلًا.

– (بلهجة قاطعة) لا.

– !

– أنت بالذات لا تصلح للإدارة، ستؤدى دورًا جيدًا فى المتابعة أو الإشراف عن بعد.

سررت وتضايقت فى الوقت نفسه.

سررت لأننى -للمصادفة- اتخذت توصلت إلى هذه القناعة قبل مجيئى للورشة بمدة ليست بالبعيدة، بالفعل تركيبتى النفسية لا تصلح نهائيًا، أكدت لى ملاحظته أننى أمام مدرب ذو نظرة ثاقبة.

فى حين تضايقت لأن أى منا يمكنه الاعتراف سرًا (أنا أخرق)، لكن يظل ذلك مختلفًا تمامًا عن أن تسمعه من غيرك.

هل يبدو واضحًا عليّ إلى هذا الحد؟

جربت منح الملف لأكثر من مبادرة وفرق شبابية، لكن للأسف، دائمًا ما توقف لأسباب عدة ما بين: نفص الإمكانيات، توفر التصاريح الأمنية، عدم توفر قاعدة بيانات بالموهوبين الشباب الذين يمكن أن يحيوا الأمسية.

من 2014 والفكرة حبيسة الأدراج، مع تطورها ببطء من (عكاظ) إلى (مرماح الفن) إلى اسمها النهائى (ونسة).

ومن هندسة شكل (السوق) إلى قالب “السامر” بمفهومه الجنوبى المعروف لدينا.

كان من الممكن أن تظل الفكرة حلمًا لفترة أطول، لولا تعرفى بالصدفة على (فريق ماذا تقرأهذه الأيام ؟ – أسوان).

وها نحن على موعد يوم 4 أبريل، الذى ستتحول فيه إلى حقيقة.

قد يتعجب البعض لو علموا أننى لم أجتمع بـ (ماذا تقرأ) نهائيًا، كل اتصالى بهم من خلال الدينامو الإدارى (أمنية عبد الله)، ومكالمة واحدة مع (أريج يحيى).

هناك الكثير أود قوله عن هاتين الشخصيتين الجميلتين، لكن لهذا مجال آخر، المهم أن كل منا امتلك شيئًا يفتقده الباقيين، مما جعلنا نتفاهم ونتكامل بشكل سريع، وننصهر جميعًا فى كتلة حلم كبير يحمل عنوان (أسوان.. عاصمة ثقافية)، وما (ونسة) إلا خطوة صغيرة في هذا الطريق.

لست متأكدًا حتى الآن إذا ما كنت سأحضر أول (ونسة)، لا يهم أصلًا، يكفينى  الرجوع بظهرى فى المقعد بالمنزل، وإغماض عيناى، مع محاولة إقناع نفسى بالتصديق:

– الونسة تحققت.. أخيرًا تحققت..

* رابط الإعلان عن المناسبة على موقع (فيس بوك)

********

الزمن: قبل 3 أيام من إطلاق (ونسة).

• المكان: قريتي العزيزة، التي تقع على مسافة ساعتان من مدينة (أسوان.

الزكام/ الرشح/ احتقان الزور، كلها أشياء اعتدت الصمود أمامها دون تناول أدوية حتى، هذه المرة أضيف إليها ضيف جديد ثقيل، الحمى.

أدركت أننا بحاجة إلى المرض، أقله كى يذكرنا بكم ما نحن عليه من غرور أجوف.

أدركت ذلك جيدًا عندما تمسكت بالمكابرة حتى آخر نفس، حتى نفدت طاقتي تمامًا، واضطررت للاعتراف -آسفًا- أننى أضعف من المواصلة، ببساطة لا أستطيع، فاضطررت -لأول مرة فى حياتى المهنية- أن أرفع السماعة، وأخبرهم فى العمل أننى سأتغيب عن نوبتجيتى الأسبوعية لظروف مرضية.

اليوم هو الجمعة، فى حين نوبتجيتى موعدها الثلاثاء، فما بالكم بأمسية الونسة مساء الاثنين.

قال لى رئيسى المباشر أننى سأتحسن فى الأغلب، ولا يعتقد أن الحمى ستسمر كل هذه الفترة.

أجبته:

– أتمنى.

يومىّ الجمعة والسبت، كنت أستيقظ لأنام ثانية، صار الجلوس على الحاسب عبء عسير، وأغلقت الهاتف لأن مجرد النطق صار مهمة صعبة.

***********

عندما جاء الاثنين، اتصلت المنسقة الإدارية للمشروع، فطمأنتنى أن الحلم يسير بثبات نحو التحقق.

– ألتقطت صور من أجلك خصيصًا، وسأرسلها لك عبر الفيس الآن.

سألتها إذا كانت الأجواء على ما يرام، فأخبرتنى أن كل شئ واعد وحماسى جدًا، ليتنى كنت موجود.

– أتعلمين؟ كلامك فتح شهيتى، سأحاول القدوم.

المسافة بين قريتى إلى مدينة أسوان، حوالى ساعة والثلث، لولا أننى فى ظرف عشر دقائق، كنت أقف أمام أمنية عبد الله.

صدق رئيسى  فى توقعه، وتحسنت فى ظرف يومان، فكنت أكلم الزميلة وأنا على باب الحديقة أصلًا.

تمتلك أمنية وجهًا طفوليًا، بالإضافة إلى ملامح بريئة أصغر من سنها. إلا أنها أذكر إخبارها لى سابقًا: أن العيون الواسعة تلمع عند الانفعال، فيبدو أصحابها مخيفين قليلًا.

كانت تتحدث عن نفسها، لكنني لم أصدقها حينذاك. كنت مخطئًا.

لم أعرف هل هذا الذى أراه، صدمة، أم دهشة، أم غضب!

بالإضافة إلى أسئلة حول إذا كنت أنا حقًا، وكيف.

حاولت توضيح ظهوري المفاجئ بأن:

– كل ما هنالك؛ أنه بقدر ما ينجح أحدهم فى إثارة حماسى، بقدر ما أصل أسرع.

عرفتنى أمنية على شخص مهم، تأخر التقائى به كثيرًا.

من يسأل عن وضع المرأة فى الصعيد، لعله لاحظ أن من يتولى الشئون الإدارية لونسة هو (أمنية عبد الله)، أما المنسق العام للمشروع بكامله فهو هذه السيدة.. (أريج يحيى). كلاهما ثنائى (الواجهة) فى فرع أسوان من فريق (ماذا تقرأ هذه الأيام)، الذى تولى التنظيم بالكامل.

تمتلك أريج كم وافر من الدبلوماسية التى نفتقدها أنا وأمنية، لذلك تحمل عنا عناء تلك المهمة الخطرة المسماة بـ “التواصل الاجتماعى”.

تعرفت أيضًا بشخص فارق آخر ضمن فريق (ماذا تقرأ):

– (صابر بخيت)، أحد الفريق المنظم، والذى تصدى لاستقبال الناس عند البوابة الخارجية، يناول الأطفال بالونة، وعائلاتهم ابتسامة.

أشفقت عليه  من هذه المهمة المملة، بمكان نائى ممل، فالبوابة تبعد عن ونس الحفل بحوالى 200 متر.

ليس هذا فقط ما أدهشنى فى صابر، فبالإضافة لوقاره وجديته، لديه قدرة رائعة على الملاحظة، وامتلك أفكار لتحسين الونسة، وكأنما يعرفها من قبل تخطر فى بالى أساسًا.

– ومع بنات الصعيد مرة أخرى، توجد (زينب).

مسئولة مؤسسة (خطوة)، والتى كنا بصدد تجميد المشروع قبل التعرف بها، فأنقذتنا بحلول لكل التفاصيل الإدارية التى عرقلتنا.

(يتبع)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).