الإثنين , سبتمبر 16 2019

ورشة هندسة المبادرات الثقافية جـ 1: (الفندق السري- المشاركين)

الرؤية/ الرسالة/ الإستراتيجية/ الهيكل/ SWOT/ إلخ.

كنت على موعد مع هذه المفاهيم بشكل مفصل، في الفترة ما بين 27 إلى 29 يناير 2015م، من خلال ورشة عن (كيفية تأسيس وإدارة المشروعات الثقافية).

أرجو ألا يوحي السطران السابقان بأنها كانت فاعلية دسمة ذهنيًا.. فقط، إذ أؤكد لكم أنني استمتعت وابتسمت -أثنائها- بنفس القدر.

اهتممت بتسجيل الكثير من المعلومات حينذاك، عساني أنقحها وأنشرها –ذات يوم-، لربما تحمل إفادة لشخص ما، في مكان ما.

بالطبع كما هو متوقع، تكاسلت -لسنوات- عن أداء هذه المهمة، حتى جاءت فكرة كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة- أسوان)، فاحتجت -بشكل ملح وعاجل- لاسترجاع محتوى الورشة، حيث شعرت بضرورة إضافتها –كأحد الفصول- لإكمال الصورة.

*******

احتجت ثلاث أيام –مدة الفعالية- حتى أعيشها وأهضم محتواها جيدًا، بينما استغرقت شهورًا لاحقة، حتى أحفظ –بأثر رجعي- اسمها الرسمي المُعلن:

-(ورشة بناء قدرات العاملين على الروافد والمشروعات الثقافية في مصر).

حتى العنوان الجغرافي، لم يخلُ من المقالب.

قِيل –في البريد الإلكتروني- أنها ستقام في فندق (هيلنين) بعاصمة محافظتي، أثق بأنني لم أسمع به قبلًا، رغم أنني عشت سنتين كاملتين في المدينة، إبان الدراسة بالمعهد، حتى عندما سألت أصدقائي هناك، أكدوا عدم معرفتهم بالمكان إطلاقًا.

يفترض –حسبما خمنت- أنه (أربع أو خمس نجوم)! فكيف يتفق ذلك مع كونه فندق (سري)؟!

ظللت في هذه الدائرة المفرغة، حتى رد أحدهم بذكاء أخيرًا:

– تقصد فندق الجيش.

عندما وصلت للعنوان قرب الظهيرة، رأيت حروفًا إنجليزية عملاقة أعلى البناية (اكتشفت –كذلك- إنها تضيء بالنيون ليلًا) لكلمة (HELNEN). لكن لسبب ما، قرر جميع أهل المدينة التناسي والتعامي التام عنها، ليعرف بينهم -فقط- باسم: فندق الجيش.

شركة (هيلنين) المدنية تدير المكان فحسب، بموجب تعاقد مع القوات المسلحة، بينما الأخيرة هي المالك فقط.

بعد وصولي إلى البوابة أخيرًا، وجهت عدة استفسارات لحارس البوابة، فوصف لي: الطريق إلى قاعة (كيلوباترا) بالطابق الثاني، حيث تُعقد الورشة.

ارتقيت السلم –في الأغلب- درجتين.. درجتين، كعادتي عندما أكون مشحوذًا بالتأهب، حتى بلغت (كيلوباترا) أخيرًا، أدرت مقبض الباب الذي يفصلني عن ذاك العالم المختلف بالداخل.

أول لفت نظري أن الطاولات تتخذ شكل حرف U، يسكن ضلعها الفارغ: سبورة.. منضدة.. حاسب نقال.. شاشة عرض (بروجوكتر).. رجل ذو شارب ولحية قصيرة (دوجلاس).

لنقل: أن مسألة الـ U تلك، علاوة المشهد ككل، تسببت في احتياجي بعض الوقت، كي أبدأ في الشعور بالألفة تجاهه.

أخمن أنني –كذلك- بدوت غريبًا في عيون المشاركين الآخرين! هذا بديهي عند رؤية جلباب أبيض، يحتوي داخله جسدًا أسمرًا نحيلًا، يتدلى من كتفه حقيبة لها نفس اللون.

انتظرت أن يسأل أحد الجالسين عن هويتي، لكن الصمت استمر عدة ثواني، فيما يُشبه الصورة الفوتوغرافية الثابتة، وبطبيعة الحال، لم أحبذ أن يتجمد الموقف هكذا إلى الأبد، على أحدنا أن يقول شيئًا. هكذا قررت المبادرة:

– ياسين أحمد.. أحد المشاركين في الورشة.

-لماذا تأخرت؟!

قالها الرجل الواقف بين ذراعي حرف الـ U، فلم أستطع التبرير بصعوبة المواصلات أو ما شابه، فقد استيقظت منذ السابعة أساسًا، كل ما هنالك أنني أضعت الوقت في المكوث أمام الكمبيوتر، والانشغال باللاشيء:

– صدقًا، لا عذر لديّ، اعترف أنه تقصير مني.

عاد السكون للتخييم على المكان.. ثانيةً.

ظننت أن السبب –هذه المرة- يعود إلى انبهار صاحب الدوجلاس بصراحتي.

ظللت على هذا الاعتقاد، إلى أن علمت التفسير الحقيقي، خلال اليوم الأخير للورشة.

*******

تتبع الفاعلية مشروع (دعم التنوع الثقافي في مصر)، ذاك الذي نظمته (مكتبة الإسكندرية)، بـ “عكمة” (منحة) مليون يورو من الاتحاد الأوربـي، نتـج عنهـا أكثـر مـن برنامـــج فـرعي،

أحدهم: ورشة تدريبية على إدارة المشروعات الثقافية، عفوًا، ليس ورشة واحدة، بل سلسلة.

تم تقسيم محافظات مصر إلى أربع مجموعات، أذكر –ممن أعرفهم شخصيًا- الزميل الطنطاوي (أحمد بخاتي) حضر نسخة الورشة التي عقدت في (بني سويف)، أما الصحفي الجيزاوي (سامح فايز) فقد ظفر بتلك التي أقيمت بـ (شرم الشيخ)، (الله يسهلو).

بخصوص المشاركين من (القاهرة، الإسكندرية، سوهاج، الأقصر، أسوان)، فيلتقون هنا.. الآن..

تجاوزت الباب، لأسير في خط مستقيم نحو أقرب مقعد فارغ، فجاء نصيبي عند الركن السفلى الأيمن من حرف الـ U بالضبط.

مدرب الورشة نفسه، يدعى (أحمد عصمت).. مؤسس (أليكس أجندة)، ومنتدى (الإسكندرية) للإعلام.. مما يجعلني أخمن –بالتبعية- أنه من الإسكندرية. (تبًا لذكائي).

أما عن تشكيلة الجالسين حول حرف الـ (U)، فكانت أحد أمتع وأنوع التركيبات التي انضممت إليها في حياتي:

♦ المحامي دمث الخلق (أحمد عبد المولي)، موظف الشئون القانونية بوزارة الثقافة، الذي أعتبره أحد الأكثر (مثالية) بين من كانوا الجالسين حول الطاولة الـ (U).

أقصد المعنى الحرفي المتجسد لكلمة (مـ ـثـ ا لـ ـيـ ـة).

♦ الفنان القاهري (شادي العناني): عضو نقابة المهن السينمائية- شعبة ديكور، الذي نصحته أكثر من مرة بأن يجرب التمثيل، نظرًا لما يمتلكه من (قبول)، يشع في ملامحه.

بالمناسبة، يعد (شادي) أحد أعزاء الورشة القلائل، الذي أستمر في مقابلتهم حتى الآن، كلما سمحت الظروف أثناء زياراتي للعاصمة.

♦ المغنية الأوبرالية السكندرية (كريستين مجدي)، من ألطف الشخصيات التي يمكن أن تقابلها.

♦ زميلتها في الحنجرة الموهوبة (صافيناز محمد)، من أسيوط، أصغر أعضاء الورشة سنًا، وبشكل ما كنا نشعر أنها الشقيقة الصغرى للكل، أو.. (الابنة).

♦ مفتش الآثار القادم من الوادي الجديد (محمد جابر الواحاتي)، لم أدرك مدى براعته، إلا عندما توجهنا – عدد من أعضاء الورشة- إلى متحف النوبة مساءً، فوجدته يقرأ ويترجم (الهيروغليفية)، بأسهل مما أجيد أنا (الإنجليزية).

♦ الفنان التشكيلي الصموت جدًا (نديم)، لم يتكلم خلال الورشة –بكاملها- سوى أربعة أو خمسة عبارات تقريبًا، لكن ملامحه الهادئة –وحدها- قالت الكثير.. لدرجة جعلتنا –جميعًا- نرتاح إليه.

توافق ثاني أيام الورشة مع عيد ميلاد (نديم)، مما جعلني أعود –بعد سنوات طويلة من الانقطاع- إلى هواية الرسم، كي أرتجل بورتريه متواضع لملامحه تلك. أردت أن أمنحه هدية تنتمي لنفس مجال عمله.  تقبلها -من ناحيته- بصدر رحب، متسامحًا مع رداءة شخطبتي.

♦ السكندري – شريك غرفتي في الفندق وقتها بالمناسبة- (مختار شحاتة).

للدقة كانا شريكين (مختار) و(ميخا).

الشيخ الصوفي والليبرالي المتحرر، اللذان يسكنان نفس الجسد.

عندما قاطعني –خلال الورشة- ليعترض على مصطلح أدبي استخدمته، تعارفنا –وقتها- لأول مرة، إذ تدخل (عصمت) موضحًا:

– بالمناسبة، (فلان الفلاني).. ينتمي لحقل الكتابة أيضًا.

علقت بتسامحي الأبوي المعهود:

– أها، زميل يعني.

لا زلت أخجل كلما تذكرت هذه اللحظة، إذ انخدعت بملامحه، التي لا تدل أبدًا على عمره الحقيقي، غير أنني عرفت -لاحقًا- بأنه (أستاذ) وليس (زميل)، يكبرني في السن بأكثر من  15 عامًا.

بسبب مثل تلك المواقف، صرت أسأل أو أبحث –مقدمًا- في (جوجل)، عن هوية المشاركين الآخرين، قبل خروجي لورشة/ منتدى/ مؤتمر.

♦ الفنانة التشكيلية الأقصرية (سلوى سيد): بسببها لم أستشعر أنني غادرت القرية، لا أعرف كيف أقولها! لكنها بصورة ما، تحمل طيبة كل العمات والخالات في عائلتي.

ولو أن هناك ما أحسدها عليه، فهو.. اللهجة.

نعم، صحيح أنني صعيدي أبًا عن جد.. لكنني كثرة الأسفار، تضطرني لانتقاء ألفاظ مفهومة للجميع، في كل مكان. تدريجيًا، أصبحت ذو لغة مكسرة، لا هي بالصعيدية، ولا هي بالبحراوية.

أما د. (سلوى)، فتمتلك المادة الخام لطريقتنا في النطق، لا زلت أذكر يوم تعثرت أثناء خروجي من القاعة، فأفلتت منها عبارة مخضوضة تشبه تلك التي تقولها والدتي –بنفس مخارج الحروف بالضبط- في مثل تلك المواقف.

لمثل هذه التفاصيل الصغيرة، قلت في مقدمة الفصل:

-… ورشة عن (كيفية تأسيس وإدارة المشروعات الثقافية).

أرجو ألا يوحي السطرين السابقين بأنها كانت فاعلية دسمة ذهنيًا.. فقط، إذ أؤكد لكم أنني ابتسمت -أثنائها- بنفس القدر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• لمعرفة تفاصيل الورشة ذاتها، وكيفية بناء مبادرة ثقافية، من (هنا).

• لتحميل كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة- أسوان) PDF.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).