الإثنين , أغسطس 19 2019

(هيتشكوك) عندما يطل بجرعة من التشويق عبر (نافذة خلفية)

• لمطالعة الحلقات السابقة من (أفلام غرفة).
• لتحميل الكتاب كاملًا في صيغة PDF.

أغلب أفلام الغرفة –عبر تاريخ السينما- التزمت بالتصوير الداخلي بين جدران مكان مغلق، مع انتقال كاميرا أحيانًا لالتقاط بعض المشاهد الخارجية.

حقق فيلم (نافذة خلفية) ابتكارًا نوعيًا باكرًا في هذه المفهوم، حيث قدم (فيلم غرفة) تتنوع مشاهده بين الداخلية والخارجية، دون أن تضطر الكاميرا لمغادرة الجدران الأربعة. مما يؤهله إلى الانفرد –حصرًا- بتصنيف مستقل، بكونه: فيلم («حافة» غرفة).

– المشاهد الداخلية: محورها مصور صحفي (جيفريس)، مصاب بكسر ألزمه الحجرة، يتلقى زيارات من أفراد معدودين (الممرضــة ستيــلا، حبيبته ليزا فريمونت، صديقه المحقق توم دويل).

– المشاهد الخارجية: منحصرة في جيران البنايات التي تطل عليها نافذة (جيف) الخلفية، حيث تمنح حرارة الجو الصيفي مبررًا منطقيًا لبقاء شرفاتهم مفتوحة ليلًا نهارًا، فيسهل للرجل تسلية وقته بمراقبتهم. مما يمنح مبررًا للقطات الواسعة الطويلة –بدون قطع- التي تشعرك بأنك تتصفح التفاصيل بعيون البطل.

كعادة المخرج خالد الذكر (ألفريد هيتشكوك)، سنعرف خلال أول عشرة دقائق كل المعلومات الرئيسية الكافية عن بطل الفيلم، أو معضلته الرئيسية.

ثمة فخ يقـع فيـه أغلـب كتاب السينــاريو، عندما يحاولون –باكرًا- فعل ذلك، حيث يدفعون أبطالهم إلى سرد تلك المعلومات الرئيسية بصوت عالي دون داعي درامي واضح (حيث يفترض أنهم يعرفونها جميعًا بالفعل)، مما ينكسر اندماج المتفرج مع الأحداث، حيث يستنتج بسهولة أنهم يوجهون حديثهم إليه، وليس بعضهم البعض.

أحد الحلول التي يلجأ إليها المؤلفين:

– احتواء مسرح الأحداث على شخصية جديدة تجهل ما يدور حولها، فيصير إخبارها بالتفاصيل مبررًا حينذاك.

بينما اعتاد (ألفريد هيتشكوك) على اللجوء إلى الاختيار الأصعب، ففي فيلم (النافذة الخلفية) -مثلًا- يتصل رئيس تحرير بصحفي قعيد، يهنأه بتحرر فخذه من الجبس أخيرًا. ويكلفه بمهمة تصوير جديدة في (باكستان).

صحح البطل –بأسف- خطأ مديره، أخبره بأن موعد فك الجبس (الأربعاء القادم)، وليس الجاري.

-لا أدري حقًا كيف وصلت إلى منصبك، بهذه الذاكرة؟

-بالمثابرة والاجتهاد، وبضبطي للناشر مع مساعدته.

ثم تبادلا اللوم حول الإصابة:

– طلبت مني أن أحضر إليك صورًا مميزة.

– لم أطلـب منك أن تندفـع إلى وسط حلبة سباق السيارات.

هكذا عرفنا –بطريقة غير مباشرة، من خلال حوار طريف جدًا- أبرز الخطوط العريضة عن كلاهما، بالإضافة إلى خلفية أكثر تفصيلًا عن بطل الفيلم (وظيفته، طبيعته المغامرة، سبب وجوده في هذه الحالة، موعد خروجه منها، إلخ).

بمناسبة الحوار، شاهدت أكثر من فيلم لـ (هيتشكوك)، تميزت سيناريوهاتها جميعًا بالحوار متقن، لكن في فيلم (النافذة الخلفية) -بالذات- يتفوق بمراحل، سواء في حيويته وطرافته.

الممرضة (ستيلا):

-لديك مشكلة في الهرمونات.

البطل:

– كيف تعرفين هذا من قياس الحرارة؟

– الحسناوات اللائي تراقبهن من النافذة، لم يرفعن درجة حرارتك درجة واحدة، خلال شهر كامل.

ثم تقول (ستيلا) في موضع آخر:

– سيد (جيفيرز)، أنا لست امرأة متعلمة، لكنني أستطيع إخبارك بشيء واحد، عندما يتقابل رجل وامرأة، ويعجب كل منهما بالآخر، فيجب عليها أنها يتحولا إلى شيء واحد، وااااام، كتصادم سيارتي أجرة في شارع برودوي، بدلًا من جلوسهما كي يحلل كل منهما شخصية بعضهما. كما لو كانا يقومان بدراسة معملية. في الماضي، كانت الأمور تسير هكذا، قابل شخصًا، إذا راق لك، تزوجه، أما الآن، فأصبحت، اقرأ كتب كثيرة عن الموضوع، انغمس في حوارات معقدة، حلل شخصية من تحب، حتى بات من الصعب التمييز بين اللقاءات العاطفية، واختبارات الوظائف الحكومية.

ابتسمت –رغمًا عني- عندما قالت الممرضة العبارة الأخيرة أعلاه، لأن تلك المناقشة التي رأيها خلال حوار فيلم إنتاج 1957م، أعتقد أنني خضت مثلها في 2018م.

الحوار.. فالحوار.. ثم الحوار..

في الثلث الساعة الأولى من الفيلم، لم يكن لدي مانع لو استمر الفيلم على هذا المنوال، تراشق ملعوب جدًا، سواء بين البطل والممرضة، أو بين البطل والجميلة. ليس لدي مانع لو اكتشفت أن الفيلم سيستمر على هذا النحو.. حوار فقط، لا أريد جرائم قتل، أو حبكات تشويقية.

في الواقع، لو أن الفيلم اقتصر على الجانب البوليسي، لانخفض زمنه إلى نصف المدة تقريبًا، لكن العلاقة بين (جيف) و(ليزا) –التي عرفنا خلفيتها الكاملة باكرًا من خلال كلمات (ستيلا)- أضافت خطًا رومانسيًا موازيًا. لم أشعر إطلاقًا بأن هذا الجانب تم إقحامه على سبيل ملء الفراغات، بل أن كلاهما –الخط العاطفي والآخر البوليسي- عضدا بعضهما البعض:

– جريمة القتل ساعدت في تطوير شكل العلاقة العاطفية، باقتراب الارستقراطية المرفهة (ليزا) لأول مرة –عمليًا- من دنيا المصور المغامر (جيف).

– على الجانب الآخر، ساهمت علاقتهما في دفع الحبكة البوليسية إلى الأمام، عن طريق توفير من بإمكانه أن ينوب (جيف) في التحرك الميداني، مع توفير دافع منطقي يجعلنا نتفهم سر جرأة (ليزا) على القيام بمثل هذه المخاطرات.

النقطة الأخيرة بالذات تسببت في خلق أكثر المواقف توترًا بالفيلم من وجهة نظري، فكثيرًا ما نرى أعمالًا سينمائية يتسلل أبطالها إلى منازل المشتبه بهم بحثًا عن أدلة، نعم، لكن  (هيتشكوك) –كالعادة- فاجئنا عما بخلق تشويق مضاعف، عندما جلس (جيف) على أمام النافذة، يبصر حبيبته تفتش داخل غرفة نوم القاتل، بينما الأخير يصل فجأة، ليباغت بوجود (ليزا) هناك.

كل ذلك، بينما البطل فوق مقعده المتحرك في البناية المقابلة، أسير إحساس العجز عن فعل أي شيء.

أعتقد أننا تحدثنا مطولًا عن الحوار، ربما يدفع ذلك إلى الظن أنه النقطة الأبرز في الفيلم. للحق، نافسها عناصر أخرى كثيرة، في مقدمتها: سلاسة حركة الكاميرا –أثناء كادراتها الواسعة المتصلة بدون قطع- التي تنقل  حياة الجيران، عبر شرفاتهم المفتوحة.

لم يقتصر التركيز فقط على المنزل الذي تحدث فيه جريمة القتل، بل منحنا السيناريو قصص جانبية إنسانية عن كل بيت.

لو قام أحدهم بقص اللقطات الخاصة بكل منزل على حدة (العازف مثلًا، المرأة الوحيدة، الزوجان الجديدان)، سيجد أنه حصل على مجموعة أفلام قصيرة منفصلة، وافية، تكاد تكون صامتة تقريبًا، إذ لا تحتوى إلا على أقل القليل من الحوار. (تعاطفت كثيرًا مع العازف والمرأة الوحيدة بالذات).

استخدم (هيتشكوك) الكاميرا –أحيانًا- في لقطة بانورامية طويلة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تمسح السكان المقابلين لنافذة الخلفية، فيهيأ لك أن تقدم منظور عيون (جيف) المنشغل في المراقبة، لكن عندما تكمل الكاميرا دورتها وتعود إلى البطل أفاجـئ بأنه لا يراقب إطـلاقًا، وإنما هـو نائــم، أو يتبادل القبلات مع (ليزا).

هذا مثال بسيط على الألاعيب الذكية التي كان يمارسها (هيتشكوك) من خلال حركة الكاميرا.

أعجبني أيضًا اعتناء السيناريو بالتفاصيل الصغيرة، حيث يركز أغلب المؤلفين على الأحداث التي تصب في خدمة الحبكة، إلا أن التفاصيل الصغيرة هي الأساس الذي يضفي واقعية على الشخصيات، شككت أن يكون سيناريست (النافذة الخلفية) قد أصيب بكسر في السابق حتمًا، لأنه لم ينس تجسيد معاناة المصاب الذي يوضع أحد أطرافه في الجبس، عندما يشعر بالرغبة في الحكة أسفله.

في المقابل، استوقفني سؤال (لماذا يلزم جيف المقعد المتحرك، حتى أثناء النوم؟)، ألمجرد تقديم مبرر لبقاءه قرب النافذة؟ كان من الممكن وضع سرير بجوارها، حيث يصعب –عمليًا- على أي شخص أن ينام فوق مقعد طوال كل هذه الفترة المتعاقبة.

استوحي (نافذة خلفية) عن قصة حملت اسم (It Had to Be Murder)، نشرها المؤلف (كورنيل وولريتش) عام 1942م. حظي الفيلم بظهوره الأول بعدها باثني عشر عامًا، ليحصد أرباحًا تقدر بـ (38) مليون دولارًا!

تخيلوا مدى ضخامة هذا المبلغ بمقاييس الخمسينيات، ومقارنة بأن الفيلم تكلف ما يقرب المليون فقط. إلا أن ذلك ليس الإنجاز الأوحد للفيلم، حيث نال أربع ترشيحات للأوسكار، واختاره المعهد الأمريكي للسينما ضمن قائمة أفضل (100) فيلم.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)