(هن تشو كان) ضد (أدهم صبري)

تناول هن شو كان طبق السلطة الخضراء التي طلبها في ذلك المطعم المجاور للسفارة الصينية التي يعمل بها كمترجم ثم أخرج من جيبه ورقة نقدها للنادل وهو يغادر بسرعة تلاحقه نظرات النادل الفضولية الذي لا يفهم لماذا يصر هذا الرجل الآسيوي دوما على تناول السلطة أو الخضروات المطهوة فقط ولا يمس أي نوع من أنواع اللحوم.

لم يكن يدري أن هذه هي عقيدة النافاري التي تحتم على معتقدها عدم تناول ذوات الأرواح مطلقًا.
خرج هن شو كان متعجلا في طريق عودته إلى السفارة متحاشيا النظر إلى فتاة جميلة ترتدي ما لا يذكر وفي عقله كان صوت الأخ ميانج يردد عليه تعاليم جوتاما.

– لا تروهن يا أناند، لا تحـ……..
توقفت أفكاره فجأة وهو يستشعر أمر ما يحدث، إنها حاسة النفاري التي لا تكذب.
استدار بكيانه إلى شارع جانبي ثم تقدم اليه بسرعة متتبعا إحساسه.. هناك خطب ما.
تناهى إلى مسامعه أصوات مكتومة فتبعها إلى زقاق جانبي توقف عند بدايته وراح ينظر بدهشة إلى ما يحدث أمامه.
كان هناك رجل فارع القامة وسيم الملامح صارم الخلجات أشيب الفودين، يقف متحفزا كنمر يوشك الانقضاض على فريسته..

أمامه يقف اثنان في وقفة قتالية مشابهة، كان يعرف هاذين الاثنين، إنهما صينيان جاءا منذ يومين إلى القاهرة وهناك توصية شديدة من جهات أمنية صينية بتسهيل مهمتها.

لماذا يقفان هنا؟؟ ومن هذا الرجل الذي يبدوا انهما سيتعاركان معه؟
حدث كل شيء بسرعة، في اللحظة التالية انقض الرجلان بتكتيك مدروس على الرجل الصارم من الاتجاهين وبخفة مدهشة بحق وهما يصيحان صيحات قتالية تخلع القلوب، لقد كانا بارعين بحق وأقوياء ومتفاهمين. لذا فقدا بدا أن المعركة لن تستغرق إلا ثوان معدودة.
وبالفعل فالمعركة لم تستمر إلا ثوان، إلا أن النتيجة كانت عكسية !!
فمع انقضاضة الرجلين لمح هن شو كان تلك الابتسامة الساخرة ترتسم على وجه الصارم ثم شد جسده و… انطلق..
بالتأكيد لولا أن هن شو كان قد خاض أعنف التمرينات القتالية، ولديه خبرة كبيرة في هذا المجال، لما كان استطاع أن يدرك ما حصل في تلك اللحظة فلقد اندفع الرجل كالسهم موجها الضربات بيديه ورجله في آن واحد بسرعة لم يشاهد مثلها إلا مع كهنة النفاري ليتفادى هجوم أحدهما ويوجه ركلة إلى بطن الثاني ثم يعتدل موجها لكمة إلى فك الأول اتبعها بأخرى إلى صدره ثم استدار دورة مبهرة في الهواء ليركل الثاني في وجهه طار على إثرها ليرتطم بأرض الشارع، ثم يسكن فاقدا الوعي !!
اما الأول فقد راح يزحف مبتعدا في رعب ووجهه مغطى بالدماء، وحانت منه التفاتة إلى أول الزقاق ليرى هن شو كان واقفا يشاهد المعركة فمد يده إليه مستنجدًا وفتح فمه ليصرخ، إلا أن لكمة اصابت مؤخرة عنقه أسكتته لترسله إلى صديقه في عالم الغيبوبة.
أنهى الرجل معركته القصيرة فشد قامته وهو يتجه بنظره نحو هن شو كان ثم افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة وقال بسخرية لاذعة وبلغة صينية سليمة:

– عجبا كنت أحسب أن الصينين قد أرسلوا فأرين فقط ولكن يبدو أن الصين لا تخلوا من الفئران.
ابتلع هن شو كان دهشته بسرعة ولم تغضبه الإهانة فهو أولا وأخيرًا يبغض الصين. ربما أكثر من أي إنسان على وجه الأرض، ولكنه لم يكن يقدر على ترك هذا الرجل يتبجح هكذا خاصة وقد رآه أحد الرجلين وإذا عرف الصينيون أنه رأى المعركة فسوف يلام على ترك هذين الرجلين المهمين يضربا بتلك الطريقة القاسية.
لذا فقد اخذ نفسًا عميقًا ثم باعد بين ساقيه مثبتا قدميه على الأرض وهو يقول:

– تشا ساريانا.
ضيق الرجل بين حاجبيه وهو يحاول أن يفهم ما يفعله هن شو كان، وهنا فتح يديه المتباعدتين وهو يتحفز بأصابعه كمخلب النمر صائحًا:

– جوانغ ساريانا.
فهم الرجل أن هن شو كان يستعد للقتال فكور قبضته وهو يتخذ وضعًا قتاليًا في حين كان هن شو كان يرجع رأسه إلى الخلف وهو يصرخ:

– كيوه ساريانا.
في اللحظة التالية انقض هن شو كان كالعاصفة على الرجل ولكنه فوجئ بإعصار مندفع قادما من الجهة المقابلة !!
لقد اندفع الرجل الصارم ناحيته كإعصار لا يبقي ولا يذر موجها له ضربات سريعة راح يتفاداها هن شو كان ببراعة أستاذ في الرانجانا، ثم راح يوجه ضرباته للرجل ولكنه تلقاها على ذراعيه ببساطة، ظل الصراع دائرًا بهذه الطريقة دون أن ينال احد الرجلين من خصمه لدقيقة أخرى قبل أن ينفصلا ويبتعدا عن بعضهما قليلًا ووقفا يلهثان وكل منهما يحاول إعادة تقييم خصمه جيدا.
اختفت نظرة السخرية من على وجه الرجل وحل محلها نظرة اهتمام وتركيز شديد وهو يقول لنفسه، أن هذا الشاب يختلف عن كل من واجههم في حياته، فبالرغم من مئات الأعداء اللذين قابلهم ادهم في حياته إلا أن هذا الشاب يجبره على استخدام كامل قوته وتركيزه في القتال، يبدوا أن الصينيين قد أحسنوا إعداد شيء مثير للاهتمام هذه المرة.
كان هن شو كان مشحونا بالأفكار هو الآخر فهذا الرجل قوي لم يقابل من هو في مثل براعته منذ تدريباته مع أساتذته في معبد النافاري ومنذ صراعه الأخير مع (جينغ – تشا) في عالم زنادو.
عموما فمهما كانت براعة هذا الرجل فهو ليس ندًا لكاهن نافاري يحمل حول وسطه كتاب الشوكارا.
وبهدوء أنزل يديه وأغمض عينيه فضيق ادهم عينيه محاولا معرفة ما يفعله هن شو كان بالضبط !
كان هن شو كان في تلك اللحظة يفعل ما يجيده ككاهن نفاري.. إنه يستجمع الشاكرا الداخلية كي يركزها كيفما يشاء ولو قدر لك أن ترى الطاقة بجسده لرأيتها كمسارات مضيئة راحت تتجمع عن الصدر في بقعة ضخمة مضيئة راحت ترتفع حتى وصلت إلى حنجرة هن شو كان.. وهنا فتح عينيه ثم فتح فمه وصرخ !!
كانت هذه صرخة الزلزال التي ابتكرها المعلم (شاشكين – كوا).. لقد استخدمها ضده (جيانغ – تشا) في زنادوا وكاد أن ينال منه إلا انه استطاع تمالك نفسه في اللحظة الأخيرة أما هذا الشخص فليست لديه المقدرة على مقاومة الفنون السرية للنفاري.
في هذه اللحظة تلقى ادهم الصرخة مصدوما..

لقد شعر بموجاتها تتخلل جسده وتزعزع قلبه وتزلزل أركانه أضف إلى ذلك أذنه التي شعر بالصوت يكاد يدمر طبلاتهما.. كانت صرخة الزلزال بالفعل مزلزلة لدرجة تركت أدهم واقفا عاجزا عن تحريك أي جزء من جسده..

ابتسم هن شو كان في رضا، كان مرهقا من استخدام هذا الكم من الشاكرا ولكن لا بأس فهذا الرجل يستحق بالفعل هذا الجهد..

اندفع هن شو كان ناحية ادهم ضاما قبضته وقد قرر أن ينهي المعركة بلكمة واحدة سددها ناحية وجه ادهم مودعا فيها قوته.. وفي اللحظة الأخيرة وقبل أن تلمس قبضته وجه أدهم فوجئ بيده تغوص في الهواء في المكان الذي كان يقف فيه أدهم منذ لحظات ولكنه استجمع رباطة جأشه بسرعة وهو يتلفت حوله بسرعة في اللحظة التي كانت قبضة أدهم في طريقها إلى صدره..

لم يكن بالإمكان تفادي هذه اللكمة القوية من تلك المسافة لذا فلم يكن أمام هن شو كان إلا الاستعداد لتلقيها في نفس اللحظة التي وجه هو فيها لكمة مضادة إلى صدر ادهم.. وأصابت اللكمتان هدفهما !!
اندفع الرجلان إلى الخلف لما يزيد عن المتر من شدة اللكمة وكلا منهما يتحسس مكان الضربة التي أصابه بها خصمه.
كان هن شو متألمًا، ولكن ألمه لم يكن نابعًا من الضربة القوية التي كان من الممكن أن تكسر أضلاع، ولكن ألمه كان بسبب أنها ضربته الأولى التي يتلقاها من شخص عادي، وليس من كهنة النفاري.
قال هن شو كان من بين شفتيه بدهشة مختلطة بالألم: – كيف فعلتها؟؟ كيف تغلبت على صرخة الزلزال؟؟
كان أدهم يشعر أن لكمة هن شو كان قد أصابته بضرر ما، ولكنه كعادته أخفى ألمه ورسم ابتسامة على شفتيه قائلا:

– الحق أن ما فعلته كاد يقضي علي بالفعل ولكن قبل أن افقد السيطرة على نفسي قمت بالضغط على هذا.. -أشار إلى زر ما في ساعته- إن هذا يفعل شريحتين مزروعتين داخل أذني، إنها تعمل على حجب الصوت مهما كانت قوته، إنهم يزودونا بها في الجهاز لاستخدامها في الحالات الطارئة كانفجار القنابل و..
قطع حديث ادهم نظرة الذعر التي تبدت في عيني هن شو كان وهو ينظر إلى مكان ما خلفه وفتح فمه ليقول شيء ما وهو يشيح بيده، كانت هذه العلامات كافية جدًا لرجل مثل ادهم الذي تحرك بسرعة البرق مبتعدا إلى اليسار لتمرق الرصاصة التي كانت مصوبة إلى ظهره لتصيب الجدار في نهاية الزقاق !
التفت أدهم إلى مصدر الرصاصة، ليرى أحد الرجلين وقد استعاد وعيه ورفع مسدسه ليقتل أدهم مستغلا انشغاله في معركته مع هن شو كان.
تدلى فك الرجل بذهول وهو يرى ردة فعل أدهم المباغتة وقبل أن يفهم ما حدث كان ادهم يطيح بمسدسه بضربة سريعة قبل أن يعاجله بضربة أخرى، حطمت ثلاثة من أسنانه، وأعادته إلى عالم الغيبوبة.
التفت أدهم إلى هن شو كان وفي عينيه بدت نظرة تساؤل عن سبب إنقاذه له؟
فهم هن شو كان نظرة أدهم، وقال:

– أنا لا أطيق قتل أي مخلوق حي، فما بالك بقتل إنسان!
ارتسمت الدهشة على وجه أدهم، وقال:

– ألم تحضروا إلى هنا لقتلي.. أليست هذه هي مهمتكم؟
بدت دهشة على وجه هن شو كان، وأجاب:

– أية مهمة يا رجل! أنا لا أعرفك أصلا. وهذين الرجلين جاءا إلى القاهرة منذ يومين وعندنا أوامر بتسهيل مهمتهم التي لا اعرف ما هي.. ولم أكن لأتدخل في معركتك معهم إلا لأن أحدهم رآني، وكان يتحتم علي مساعدتهم لا أكثر.
بدا الفهم على ادهم وقال:

– إذًا فأنت لست من المخابرات الصينية؟
قال هن شو كان باشمئزاز:

– لا أنا مجرد مترجم في السفارة الصينية.
اقترب منه ادهم ومد يده إليه ليصافحه، فتوقف للحظة قبل أن يمد إليه يده بالمقابل، والتقيا في مصافحة مليئة بالاحترام وقال أدهم:

– اسمي هو أدهم.. أدهم صبري.. سعيد بمقابلتك يا..؟
أجاب بسرعة:

– هن شو كان يا سيدي.
اتسعت ابتسامة أدهم وسار بجوار هن شو كان بود كأصدقاء قدامى، وهو يقول:

– أعتقد أنني أريد الجلوس معك لبعض الوقت يا هن شو كان، فأنا لم أر من يمتلك هذه المهارات القتالية في حياتي.
أجابه بسرعة:

– بل أنا الذي لم أرَ مقاتلًا مثلك يا سيدي.. سأدعوك لتناول الشاي في مطعم هنا بالجوار فأنا متشوق للحديث معك.
ضحك أدهم وهو يقول:

– إنه من دواعي سروري.
اتجها لمخرج الزقاق ضاحكين ووجه هن شو كان ركلة إلى وجه الرجل الثاني الذي كان قد بدأ يفيق فعاد مرة أخرى إلى غيبوبته.
ابتعد الرجلين ضاحكين وهن شو كان يقول بمرح طفولي:

– سأتصل بصديقي المصري (ريفاااات) ليحضر هذا اللقاء فسيسعد كثيرا بمقابلتك.

(تمت)

عن محمد عبد العليم

فائز بجائزة (نبيل فاروق) للخيال العلمي، من رواياته في أدب الرعب: (ليل)، (القتلة).