ويلز: رائد الخيال العلمي الذي وضعه النازيون على قائمة المطلوبين

عندما أراد (هوجو جيرنسباك) عام 1926م  تعريف الخيال العلمي قال أنه: -«خيال ممزوج بالحقائق العلمية والرؤية التنبؤية»، وكي يقربه للأذهان أكثر، استدرك: «يشبه ما يكتبه (جولي فيرن) و(هـ. ج. ويلز)».

يضيف (جان جاتينيو) على سبيل توضيح الفارق بينهما:

-«إذا كان (جولي فيرن) قد شق الطريق، فإن (هربرت جورج ويلز) هو أول من تحرَّى جميع المسالك».

ولد (ويلز) في 21 سبتمبر 1866م بمقاطعة (كنت) البريطانية، بينما يمكننا اعتبار سنة 1874م بذرة ميلاده الحقيقي كهاوٍ للأدب؛ حيث أصيب بكسـر في الساق، ألزمه الفراش مدة طويلة، فبحث عن السلوى في الكتب، لكن للأسف.. لم يُقدّر لهذه البذرة أن تمر بالمراحل الطبيعية، إذ اضطرته الظروف عام 1880م لترك التعليم، حتى جاءت الانفراجة عام 1883م عندما اقتنص منحة بإحدى مدارس لندن.

ما بين التاريخين، عاني مع الأسرة جراء توابع الاضطرابات المادية للوالد، علاوة على الهوة الموجودة مسبقًا بين أبوين، أحدهما ليبرالي متحرر، إلى جوار أم بروتستانتية محافظة.

كل هذه العوامل أثرت على (ويلز) لاحقًا، حتى بعد ما أن بدأت الأمور بالتحسن، ودرس على يد قامات كبير، ليس أقلهم (توماس هنري هكسلي)، ذاك البروفسـور الذي كان صديقـًا للعالم الشهــير (تشـالز داروين)، وجـدًا لمؤلف (عالم جديد شجاع).. (ألدوس هكسلي).

افتتح ويلز حياته الأدبية عام عبر رواية (آلة الزمن)، التي أثارت ضجة شديدة، مما حمسـه لأن يتبعها بـ(جزيرة الدكتـور مورو) 1896م، و(الرجـل الخفي) 1897م، وغيرها.

الحدث الأبرز في نبوءات (ويلز) برز إلى السطـح قبيل عام 1901م، وجاء في هيئة مقالات مسلسلة نشرها بالصحف، ثم تم جمعها بين دفتي عمل معجز واحد  أسماه [التوقعات (Anticipations)]، استشرف فيه أحوال العالم بعد قرن من الزمان.

(ويلز) ليس نبيًا ولا رسولًا، لكنه أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الخيال قادر على تحقيق الإعجاز، بالأخص عندما يضاف إليه تفكيرٌ علمي مبدع.

جانب (ويلز) الصواب في بعض التكهنات، مثل تحديده للتاريخ التي سيتحقق فيه حلم الطيران، بأنه لن يكون قبل 1950م، علاوة على “الغواصة”، التي لم يعتقد بنجاحها أبدًا.

في حين تحققت -بدقة تدعو للدهشة- الكثير من التصورات الأخرى، ما بين تكنولوجية وسياسية واجتماعية، فتوقع إنشاء اتحاد أوروبي، ذوبان التقاليد المحافظة، في مقابل زيادة الحريات الجنسية، فضلًا عن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1940م، وبدأت بالفعل سنة 1939م، أي أنه أخطأ في عام واحد فقط.

في كل الأحوال، مخطئ من يظن أن (ويلز) اكتفى بمكانته كمؤسس للخيال المستقبلي؛ فقد اتسعت رقعة تجربته، لتشمل الماضي أيضًا، عن طريق مجلدين بعنوان (الخطوط العريضة للتاريخ).

تبعهما بمرجع علمي دسم في تخصص (الأحياء)، سَطَر بالاشتراك مع ابنه (جورج فيليب) بالإضافة إلى (جوليان هكسلي)، وحتى كتب تقترح ألعابًا تعليمية للأطفال على قرار (ألعاب الكلمة) و(حروب صغيرة)، ثم خرج عن نطاق الأدب بكامله.. وكانت له رؤاه الاجتماعية، وهو ما نراه مستترًا في صراع الطبقتين داخل رواية (آلة الزمن)، أو لمسناه بشكل مباشر في المقالات.

خلال الأخيـرة بالذات، جاهـر (ويلـز) بميـوله السياسيـة الاشتراكيـة، وفي الوقت نفسه، لم يخش إعلان موقفه المناهض للنازية، لدرجة أن الألمان -أثناء الحرب العالميـة الثانيـة- أعدوا قائمـة بالمطلوبيـن، في حال نجحت عمليتهم (أسد البحر) في اجتياح الجزيرة البريطانية، كان بينهم اسم (ويلز).

احتفظ الرجل بنفس شجاعته، بينما يخوض سجالات فكرية مع أعلام عصره، في الأدب، والعلم، والسياسة، إلخ.. على الجانب الآخر، يعد (ويلز) من كتاب الخيال العلمي القلائل الذين ترشح اسمهم عدة مرات لنيل (نوبل)، إلا أن الجائزة خسرته فيهن للأسف.

ظل الجميع يحتفظون باحترامهم لعقلية هذا الرجل النادر، حتى وإن اختلفوا معه أحيانًا. يقول (برنارد شو):

-«لم يسبق له أن تصرف كرجل، ولا كمساعد في محل (مهنة ويلز الأولى في صباه)، ولا كمدرس، ولا كأي شخص على وجه الأرض، سوى نفسه.. أيّ ساحر كان!».

من ناحيتي، أحار في تحديد مزاجية (ويلز)؛ هل كانت أقرب إلى التفاؤل.. أم التشاؤم!

تارة يسترسل في نبوءاته المقبضة عن مستقبل الإنسان والعلم، وتارة أخرى يؤلف كتابًا عن حلمه باندماج العالم تحت مظلة حكومة موحدة، أسماه (نظام عالمي جديد)!

ظل (ويلز) على نفس النحو المتقلب، في حياته العاطفية كذلك؛ فلم يكن زوجًا مخلصًا تمامًا. عام 1891م تزوج ابنة عمه، واستقر معها في لندن، وبعدها بثلاثة أعوام، انفصل عنها من أجل عيون إحدى طالباته، التي صارت -فيما بعد- أم أطفاله (جورج فيليب) و(فرانك ريتشارد)، ويُعتقد
-عمومًا- أنها كانت الزوجة الأنسب؛ لأنها الوحيدة التي تعاملت بتسـامح مع طيشه العاطفي المستمـر، الذي نتـج عنه طفلين آخرين هما (أنا- جـين) و(أنتوني).

في النهاية.. رحل ويلز في 13 أغسطس 1946م، وغادر عالمنا بتفاؤله، تشاؤمه، فلسفيته، نزواته، لكنه ترك إرثًا لا ينسى في ريادة أدب الخيال العلمي.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)