الروائية (نورا ناجي): شخصية نادية كانت عرجاء.. اكتشفت أنني أعرج أيضًا أثناء كتابتها..

• حاورتها: ياسمين سامي.

كان قد مضى على الموعد المحدد أكثر من ساعة ولم يبدأ اجتماع القراء في طنطا، سألت عن السبب فعرفت أن الجميع كان ينتظرها لبدأ الاجتماع، قلت لنفسي ربما كانت قارئة مميزة محبوبة من الجميع.

دلفت مسرعة من باب المقهى وعلى الفور انضمت لحلقتنا، اعتذرت عن التأخير وجلست في أريحية، طلبت لنفسها مشروبًا ثم بدأ كل شيء، كنت ألاحظها بشيء من الفضول تتحدث بعفوية بكلمات سريعة متلاحقة تفصلها ضحكات مرحة كأنما تهرب من الركون لشعور داخلي حزين، قريبة من الجميع لكنها بعيدة أيضًا عن الجميع داخل شرنقتها تتلون في سكون، تستمع لكل متحدث بتأني وشغف وعين تثقب الزيف، أخذت بدوري دفة الحديث فاسترقت السمع وعلى ملامحها تبدو أمارات التأثر ثم سألتني بابتسامة حنون: ما اسمك؟ ومن أين أنتِ؟

لم تكن تلك الرقيقة العفوية التي ظننتها مجرد قارئة مميزة سوى “نورا ناجى” الكاتبة الشابة الموهوبة وكان هذا أول عهدي بها.

• حدثينا عن الشرارة الأولى التي دفعتك للكتابة؟

أكتب منذ الطفولة، أعتقد أنني بدأت على سبيل التسلية، كنت أكتب قصص أطفال وأرسم أغلفتها، لكن اللحظة الحقيقية التي شعرت فيها بأهمية أو تميّز ما أفعله، كانت عندما أخبرتني صديقتي -وكانت قد أخذت القصص معها لقراءتها في البيت- أن أختها الكبرى تقول أنني كاذبة، وأنني لم أكتب هذه القصص بنفسي لأنها متقنة جدًا. لحظتها أدركت أنني أريد أن أثير دهشة الجميع بهذا الشكل. كنت وقتها في المرحلة الابتدائية.

• عاصرتِ وتأثرتِ بالكاتب الراحل دكتور “أحمد خالد توفيق” وأيضا الكاتب “عادل عصمت” حدثينا عن موقف مميز جمعك بكل منهما؟ وأبرز نصائحهم اليكِ؟

كل لحظة معهما مميزة بالتأكيد، نصائح د. أحمد كلها لا تزال أمام عينيّ، لكن أهم شيء تعلمته منه اعتقد كان اللطف، والتعامل بشكل جيد مع الآخرين، وأيضًا الحفاظ على روحي الحقيقية، ألا أتحوّل بسبب أي متغيرات تحدث لي أو من حولي.

أستاذ عادل أعتبره أستاذ وصديقي، وهو لا يبخل بالنصيحة على الجميع، أعتقد أنني تعلمت منه الإخلاص للكتابة، أن أكتب لأنني أحب ذلك، لا أريد أي شيء آخر سوى إحساسي بمتعة الكتابة.

• عوائق في بداية طريق النشر؟

ليست عوائق بل فقط عدم خبرة، كان لابد أن أعيد دراسة الوضع والكتابة واختيار دار النشر وكل شيء، لكن لا توجد تجربة بلا جانب إيجابي، تعلمت الكثير.

• أشخاص تثقين في قراءتهم النقدية لمسودة أعمالك؟

أصدقاء مقربين ودائمي التواجد، هم يعرفون أنفسهم جيدًا، إلى جانب بالطبع أمي وأبي وشقيقتيّ.

في أعمالك الثلاث كان هناك إهداء ثابت لابنتك “فاتيما” كيف تتفاعل فاتيما مع الإهداء ومع مهنتك ككاتبة؟

تفرح جدًا عند رؤية اسمها على أول صفحة، أحب أن تفهم عندما تكبر أنني أكتب من أجلها،أتمنى ان تفخر بي.

• دور الكتابة في الشفاء من آلام الحياة؟

ساعدتني كثيرًا، الكتابة تطهير نفسي، وعلاج لكل شيء، لو توقفت عن الكتابة أعتقد أنني سأموت.

• ككاتبة مصرية ما الذى يزعجك في معاملة الوسط الثقافي؟

لا شيء، كل وسط له حسناته وعيوبه، ما يعنيني هو تعاملي أنا مع الوسط الثقافي، الحقيقة أحب العزلة، وأنا سعيدة لوجودي في مدينة صغيرة بعيدًا عن العاصمة.

• رواية “بانا” كانت بمثابة سرد إنساني صادق ومشاهد من مراحل عمرية مختلفة مررنا بما يشبهها جميعا؟ فهل تشابكت تفاصيل من حياتك الواقعية مع الخيال لخلق مثل هذا النسيج؟

بالتأكيد، بالذات أجزاء الطفولة، كلها من خبراتي الشخصية.

• وهل تعمدت توثيق لحظات معينة مرت بك بالكتابة عنها؟

ليس تعمدًا بالمعنى، لكنها مجرد استحضار خبرات رأيتها مناسبة للنص، ودمجتها مع الخيال.

• ما سر تأرجح بطلة “بانا” بين مسالب وعطايا المراحل العمرية المختلفة، وفي نفس الوقت، حفاظها على خط الحنين إلى عالم الخيال الطفولي حتى نهاية العمل؟

لأني أنا البطلة، أنا أيضًا أتمنى العودة إلى هذا العالم، أتمنى الغرق في خيالي والتلاشي. التقدم في العمر أمر جيد لكنه أيضًا يمحي هذا الغلاف الرقيق حول العقل الذي يجعله قادر على تحمل كل الأزمات بالخيال.

• استدعيتِ عوالم خيالية لحياة بطلات بانا والجدار، كيف ترين أهمية أن يملك الإنسان جانب أو عالم فانتازي خاص؟

هذه طريقتي في الكتابة، هي ليست فانتازية بقدر ما هي بديل رمزي لقسوة العالم الحقيقي، أرى أن التخفيف باستخدام الرمز لأمور قاسية تحدث هو الضروري.

• ما رأيك في الكتابات الفانتازية الموجودة الآن على الساحة؟

هناك الكثير من التجارب الرائعة، أنا لا أهتم بتصنيف العمل الأدبي قدر اهتمامي بجودته، أنا لا أحب الكتابة الغرائبية، لكن هناك كتّاب رائعين يكتبونها باقتدار.

• صعوبات تكتنف الكتابة للطفل؟

الكتابة للطفل صعبة جدًا، يلزمها كاتب رقيق وشفاف لا يزال يملك جانبه النقي، لكن المشكلة الأهم هي معاناة نشر كتابات الأطفال. الحل في يد دور النشر، لابد ن تخصيص قسم كامل في كل دار لأدب الطفل.

• الشخصية السلبية لـ (خالد):

بالتأكيد، هو بالفعل شخصية سلبية، ليس شريرًا لكنه لا يملك شيئًا، لم أتعمدها، جاءت الشخصية وكأنها تملك حياتها الخاصة، أعتقد أن الكثيرين من أبناء هذا الجيل يعانون من مشكلة عدم القدرة على اتخاذ قرار حاسم.

• شخصية (حياة) بطلة رواية الجدار؟

حياة لديها شعور دائم بالذنب ويبدو أنها تشبهني أيضًا في ذلك، لأني أشعر بالذنب تجاه كل مشاكل وأزمات العالم. وكتابة هذه الشخصية ربما يكون قد خلصني قليلًا من هذا الشعور القاسي.

• هل يحتاج العالم الآن إلى من مثل حياة ممن يشعرون بالمسئولية نحو أخطاء العالم؟

نعم بالتأكيد، على الأقل لتحسين الدائرة الصغيرة حولهم.

• الأماكن في أدب (نورا ناجي):

أكتب عن الأماكن التي أعرفها ورأيتها، أعتقد أن لابد من تخيل المكان جيدًا عند الكاتب، يمكنني أن أكتب عن مدينة لم أزرها بالدراسة والبحث، لكني فضلت في رواياتي الأولى أن أكون أكثر اتقانًا، كما أن سيول بالفعل هي أقرب لنقطة هرب بعيدة.

• في رواية (الجدار) كانت مشاهد الحب قليلة جدًا أو صامتة بحيث أننا لم نستطع فهم سر صمود هذا الحب في حياة البطلة؟

لأن الحب لا يمكن أن يفسر، هناك أنواع من الحب تحدث فجأة كما تقول البطلة، من نظرة أومن كلمة عادية جدًا، إنها الكيمياء التي يخلقها الله بين البشر، ربما تكون البطلة ساذجة وكذلك أنا، لكن إيماني أن الحب لا يفسر إيمان حقيقي.

• احتوت (بنات الباشا) على تنويعات بشرية مختلفة واستكشاف لسلوكهم الخاص في التعامل مع الحياة ظاهرًا وباطنًا، حدثينا عن الأدوات التي ساعدتك على النفاذ داخل النفس البشرية والكتابة عنها؟

التقمص والاستبصار، والبحث واستدعاء الخبرات ودراسة بعض الشخصيات من حولي.

• إلى أي شيء كانت ترمز نادية في رواية بنات الباشا؟ ولماذا اخترت لها تلك النهاية؟

نادية ترمز للأمل، للخلاص، هي كل النساء وليست حقيقية في نفس الوقت، كل امرأة قادرة على مساندة نفسها وإلغاء أحزانها، ماتت لأن الحياة لا يمكن أن تستمر بدون حزن، الحزن لازم لوجود الفرح.

• البعض انتقد شخصية (منى) في بنات الباشا ورأى في عرضها شيئا من الجرأة؟ والبعض يرى أن الشخصيات الشاذة وإن وجدت فلا يجب تسليط الضوء عليها والكتابة عنها كما لو أنها شيئًا معتادًا، فما هو ردك؟

ليس لدي ردًا، كل شخص بالتأكيد حر في رأيه، وأنا كذلك حرة في اختيار شخصياتي، الكاتب لا بد أن يكون محايدًا.

• ذكرتِ في إحدى ندواتك أنك تأثرت كثيرا بشخصية بطلتك نادية حد التصرف مثلها؟ حدثينا أكثر عن ذلك؟

التقمص، كانت نادية عرجاء، واكتشفت أنني أعرج خلال الفترة التي غرقت فيها في الكتابة، يبدو أنني كنت متورطة مشاعريًا معها.

• التنقل بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات المختلفة كان يلازم رواياتك فما الخطة التي تتبعينها في الكتابة للامساك بزمام كل هذه الخيوط هل تكتبين المشهد بكل تفاصيله وشخصياته أم تكتبين الشخصية بكل مشاهدها؟

لدي مخطوطات كثيرة، وخطة للكتابة، وخطوات منتظمة، وسرد للمشاهد، وبورتريهات للشخصيات، أحب عملية الكتابة بكل تفاصيلها، وأستمتع بالتحضيرات.

• من هي أقرب شخصية إليكِ في رواية (بنات الباشا)؟ ولماذا؟

فلك، أرى نفسي فيها، أخاف من الوحدة رغم قدرتي على العيش وحيدة.

• اهتمامك الخاص بالموضة والأزياء؟

بحكم العمل، أعمل مديرة تحرير موقع نواعم النسائي، والحقيقة أن الأزياء عالم مدهش مليء بالفن والثقافة والحكايات والدروس.

• أحلام “نورا” للمستقبل على المستوى الشخصي والمهني؟

على المستوى الشخصي: أتمنى أن أعيش مع فاتيما حياة مستقرة هادئة.

المهني: أتمنى بالتأكيد النجاح في عملي، واستمراري في الكتابة.

• المشاريع القادمة؟

الرواية القادمة أطياف كاميليا مع دار الشروق.

عن لأبعد مدى