نظرة في (حياة على باب ثلاجة)

بسم الله الرحمن الرحيم.. أنتهيت أخيرًا من قراءة أولى مقتنيات معرض الكتاب 2020م.

• (حياة على باب ثلاجة).

ذكرني العنوان –تلقائيًا- بمشاهد المطبخ والأكل في أفلام (محمد خان). خمنت أنني أمام عمل أدبي يتمحور حول/ يحتفي بالطعام، على غرار (كحل وحبهان)، لكن اتضح أن الأمر مختلف تمامًا.

عندما بدأت أولى صفحات الرواية، فوجئت بأنها مصممة في هيئة ملصقات متبادلة بين أم وابنتها، عندما يشرع أحدهما في ترك المنزل، فيترك للآخر ملحوظة/ رسالة على باب الثلاجة، كي يراها الطرف الثاني عند العودة.

وسيلة تواصل سمعنا عنها جميعًا، أو شاهدناها في أعمال مرئية أجنبية، هذا لم نكن نستخدمها بالفعل. تصورت أن الرواية تستلهم هذه الطريقة كاقتباسات خلال الصفحات الافتتاحية فقط. قبل أن ينتقل النص الأدبي إلى السرد باستخدام الوسائل المعروفة.

على سبيل الرغبة في التأكد، قلبت بقية الرواية سريعًا، ففوجئت بأن صفحاتها –من البداية إلى النهاية- مصممة بنفس طريقة البطاقات. لم تخرج إطلاقًا عن هذا الإطار السردي المحدد.

أول انطباع قفز إلى ذهني:

– كيف لم تخطر هذه الفكرة على بال أحد قبلًا؟ رغم أن الثلاجات وملصقاتها موجودة أمام أعيننا طوال الوقت؟ خصوصًا أن أدب الرسائل –في العموم- أعرق من فن الرواية ذاته.

بعد أن أفقت قليلًا من نشوة الإعجاب بالاكتشاف السردي الجديد، ثمة تساؤل فرض نفسه:

– لا يمكن أن يقتصر المحتوى على أم تذكر صبيتها بشراء (بيض ولبن وبروكلي)، وعلى ابنة تترك لوالدتها ملاحظة ترجو خلالها زيادة المصروف، كيف ستنجح المؤلفة في دفع الأحداث إلى الأمام؟

بمجرد أن وصلت إلى كلمة (النهاية) في الرواية. عرفت أنني لن أتذكرها طويلًا فحسب، بل سأضرب بها المثل أيضًا.

يسيطر على عقلي عدد من الآراء النظرية، لطالما صدعت بها رؤوس زملائي، لكنني أعاني من ندرة الأمثلة التطبيقية التي يمكنني التدليل بها، الآن وجدت نموذجًا مثاليًا يصلح للذكر في أكثر من مناسبة.

للصدفة، تناقشت مع زميل عزيز حول فصلين من رواية ما. طبقًا وجهة نظري الشخصية الضيقة التي تحتمل الخطأ، رأيتها متأثرة بإكليشيهيات هرست في أعمال سابقة، فلم أستطع تكملتها. ومع ذلك، هذا لا يعني أن نلقي العمل بالقمامة. ففي رأيي، كان باستطاعة المؤلف الإمساك بتلك القصة الإكليشيهية (أو أي قصة عمومًا)، ثم العمل على تجديد أو تطوير عنصر واحد على الأقل (المكان، الزمان، الشخصيات، أسلوب السرد، زاوية التناول، إلخ) هذا في حد ذاته كفيل بتحويل النص إلى عمل لا يخلو من طزاجة.

حاولت أن أعتصر ذهني كي أضرب مثالًا لصديق، للأسف لم تسعفني الذاكرة بعمل أدبي، وإنما بالكاد تذكرت فيلمًا سينمائيًا. (قتل الطائر المحاكي). أرى أن ما منح الفيلم تفرده (اختيار سرد الأحداث من وجهة نظر أطفال). بينما لو تم سرد نفس القصة من وجهة الأب مثلًا، لما خرج الفيلم بنفس الجمال والبراءة العذبة.

نفس الشيء قد ينطبق على (حياة على باب ثلاجة)، إذا حذفنا طريقة السرد تلك، سنجد أنفسنا أمام قصة عن مريضة تعيش بصحبة ابنتها. نعم أخمن أنها ستظل حكاية لطيفة في كل الأحوال، لكن ليس بنفس المذاق المختلف.

بعد انتهاء معرض القاهرة الدولي للكتاب 2020م، تصادف أنني وصديقي اشترينا (حياة على باب ثلاجة)، فكان سهلًا أن أضرب مثلًا بأثر رجعي.

– هذا بالضبط يا عزيزي ما كنت أقصده.

لدي وجهة نظر أيضًا بأن مفهوم (الأدب الرومانسي) مقتصر –في الأغلب- على عاطفة عاطفية بين رجل وامرأة. بل وحتى الروايات الواقعية يتجه الكثير منها إلى الحديث إما عن خيانة زوجية أو حب من طرف واحد أو.. أو.. كأن الإنسانية انحصرت داخل هذا الإطار، فيندر أن نجد كم مماثل من الأعمال (سواء أدبية أو فنية أو غنائية) يتمحور بالكامل حول (صداقة، أخوة، زمالة، أبوة، أمومة، ارتبط عاطفي بمكان أو شيء).

أظنني وجدت ضالتي في (حياة على باب ثلاجة) كنموذج لعمل رومانسي وشاعري بمعنى الكلمة، يركز على علاقة (أم + ابنة).

أثناء القراءة، قفز إلى ذهني عدد من الزملاء –بالذات الزميلات- مرهفي الحس، الذين أظن بأن عيونهم قد تدمع إذا قرءوا هذا العمل.

تعد الرواية أولى ترجمات (هدى فضل)، التي تشرفت بمعرفتها من قبل كمحررة. فأهنئها على الخطوة الجديدة. والتي أعتقد أنني سأضرب مثالًا –كذلك- كنموذج لاختيار بداية ذكية، ينطبق عليها مقولة (ما خف وزنه، وغلا ثمنه). فعدد كلمات الرواية ربما لا يتخطى عشرة آلاف كلمة، اللغة سهلة بسيطة، وفي نفس الوقت.. طريقة سرد مبتكرة جدًا، حافلة بالعفوية الصادقة.

يمكن القول أن المؤلفة البريطانية استخدمت لغة عذبة كنهر جار، وأن المترجمة (هدى) حافظت –خلال ترجمتها- على انسياب النهر أمام عيني القارئ العربي، فلم تعترضني أي شوائب، باستثناء كلمات معدودة جدًا، على غرار (بريزنتيشن) أو (باربكيو). إلا أن هذا لا يتعرض مع معرفتي بأن هذه وجهة نظر أو اتجاه لبعض المترجمين، الذين يفضلون نقل بعض المصطلحات كما هي.

لكن -مجملًا- بداية موفقة جدًا، وفي انتظار أعمالها القادمة.

في الختام، أشيد –في العموم- باختيارات دار (العربي) للنشر والتوزيع في أعمالها المترجمة، سواء انتقاءهم لدول أجنبية لم نكن نعرف شيئًا عن ثقافتها/ آدابها، وحتى اختباراتهم للدول المعروفة مثل بريطانيا تنحاز إلى أعمال معاصرة مميزة مثل تلك. لكن رجائي الوحيد للدار.. أن تحاول توفير طبعات شعبية أرخص سعرًا، يمكنها الوصول إلى شرائح أوسع من القراء المصريين.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).