الثلاثاء , يوليو 16 2019

نبوءات الخيال العلمي: (الليزر)

استدار يطلق نحوها أشعة مسدسه الليزري، لكنه أخطأ إصابتها، فدارت حول نفسها، وأطلقت نحوه شعاعًا رفيعًا.

امتلأت نفسه بالحنق، وهو يخطئ في إصابة العشرات منها.

هتف (أكرم) غاضبًا:

ـ «لا يمكنني استخدام هذا السلاح السخيف، أريد سلاحًا عاديًا، لا يمكنني النجاح أبدًا، باستخدام هذا الشيء»

قالها، وألقى المسدس الليزري أرضًا.

*******

المشهد السابق ينتمي لسلسلة (ملف المستقبل) الشهيرة، التي حملت توقيع (د. نبيل فاروق)؛ فبعد أن أضاع (أكرم) مسدسه العادي في مملكة (لانتس) المفقودة، اضطر في إحدى اللحظات النادرة إلى استعمال نظير ليزري، وهو المعروف بكلاسيكيته وميله لكل ما هو قديم، وهو -في الواقع- أحد أبرز الأسباب التي جعلته البطل المفضل الأول في مراهقتي.

سؤالي حاليًا:

-«هل كان (أكرم) سيحب الأشعة، لو علم أنها اُستخدمت في الحروب منذ التاريخ السحيق، أي أنها سلاح كلاسيكي كذلك؟»

ينسب الإنجاز إلى أحد أعظم علماء اليونان القديمة؛ إنه الرجل الذي يُشاع اكتشافه لقانون الطفو أثناء استحمامه، فخرج عاريًا إلى الشارع.. يهتف «يوريكا.. يوريكا!».. أي (وجدتها).

نحن نتحدث بالتأكيد عن العالم (أرشميدس)، الذي هب -بعقليته العلمية الفذة- يدافع عن جزيرته الأم (سيراكوزة)؛ حيث فاجأ الجيوش الرومانية بسلاح قادم من عالم الخيال؛ فقد صنع مرايا ضخمة تركز أشعة الشمس على سفن العدو، وتحرقها.

فيما بعد، يُقال أن العلماء سعوا للتأكد -عمليًا- من هذه الرواية، فأعادوا تجربة الابتكار في زمننا المعاصر، وحققوا نجاحات محدودة بنسب متباينة.

لاحقًا، عادت الأسلحة المشابهة إلى رف الأدب، في مقدمتها رواية (المجسّم الزائدي والمهندس جاران) 1927م. بعد صدورها بعدة عقود، اعترف الفيزيائي الحاصل على نوبل (تشارلز تاونز) أنه استلهم منها الكثير في ابتكاراته بمجال الليزر، الرواية من تأليف الأديب الروسي (توليستوي).

ليس مؤلف (الأرض والسلام) و(أنا كارنينا)، بل (أليكس توليستوي) صاحب إسهامات الخيال العلمي الهامة، كـ(إيليتا)، التي تحولت لفيلم صامت شهير فيما بعد.

توغلت رواية (المجسّم) بشكل أكبر في مفهوم الليزر، أكبر حتى من سابقتها الأشهر عام 1889م (حرب العوالم)، تلك الحرب الذي يُقال أن (ويلز) مارس فيها نوعًا من النقد الذاتي، ضد النزعة الاستعمارية لبلاده:

– «بعد احتكارهم طويلًا للقدرة على (احتـلال أمـم أضعـف)، ماذا لو تبدلت موازين القوى، فجربوا -لأول مرة- مذاق الانسحاق أمام قوة عسكرية أكبر، قادمة من خارج الكوكب؟».

نقرأ ضمن أحداث الرواية، كيف دك الغزاة مدننا الأرضية -عمومًا- بمدافع إشعاعية!

اُستقبلت التفصيلة الأخيرة باستغراب؛ نظرًا لأنها تخاطب زمنًا لم تخترع فيه الدبابة حتى. كما أن قوانين (ماكسويل) تنفي تمامًا إمكانية وجود سلاح شبيه؛ حيث تنص على أن أي مصدر الضوء ينشـر إشعاعه في كل الاتجاهات، بترددات مختلفة غير مجانسة. النتيجة: استحالة تهجينه وإطلاقه في حزمة واحدة مكثفة كما في الرواية.

هكذا قضت فيزياء (نيـوتن) ونتائج (ماكسويل) على أي أمل في هذا الصدد،

خصوصًا تلك الأولى التي تربعت على عرش فهمنا للكون، واستمر تسيدها للمجال طوال قرنين كاملين أو يزيد.

بيد أن المملكة القديمة قوضتها جمهورية جديدة أعلنها العالم الألماني (ماكس بلانك)، ارتكزت على أن الضوء ليس مستمرًا كما اعتقد الإنجليزي (نيوتن)، بل يتكوّن من حزم متقطعة دقيقة أسماها (الكم)، ثم التقط مواطنه (أينشتاين) طرف الخيط، وأضاف افتراضه حول تكون الضوء من دفقات صغيرة أُطلق عليها فيما بعد (فوتون).

هكذا.. تم تفسير العديد من الظواهر التي شُلّت فيزياء (نيوتن) أمام تفسيرها. صحيح أن الأخيرة وضحت الكثير عن مبادئ الضوء، وحركة الكواكب والأجسام الكبيرة، لكن هشاشتها تظهر -بوضوح- عند محاولة تطبيـق نفـس القوانـين على حركة الأجسـام دون الذريـة؛ فلم تستطـع فـك

طلاسم العديد من الألغاز، مثل:

«تحول بعض المواد إلى نواقل فائقة عند تبريدها، أو إشعاع الغازات للضوء عند تسخينها، إلخ»

في هذا المضمار، اكتسحت فيزياء (أينشتاين) بنجاح.

الشاشة التي أشاهد فيها كلماتي الآن، بينما أنقر على لوحة المفاتيح، إضافة إلى ليزر الفارة، التلفاز، الخلايا الشمسية، كلها مكاسب نتاج إجابة (أينشتاين) عن سؤال واحد:

– «ما سبب انطلاق الإلكترونات من المعادن، عند تسليط الضوء عليها؟»

الإجابة أن المعدن يتكون من ذرات متقاربة تمرح بينها إلكترونات حرة، لولا أن هذه الإلكترونات لا تستطيع الفرار؛ تسجنها قوى التجاذب التي تملكها أنوية ذرات المعدن المتقاربة. حالة واحدة فقط تتمكن فيها من الهروب، ألا وهى عندما تحصل على قوة كافية فى صورة ضوء أو حرارة تسلط عليها.

هذه السطور هي ملخص ما نال عنه (أينشتـاين) جائزة (نوبـل)، نعم، نظرية (التأثير الكهروضوئي) وليس نظريته الأشهر (النسبية)؛ فقد سببت الثانية حالة طويلة من إنكار الأوساط العلمية، حتى ثبت صحة صحتها متأخرًا.

نفس نظرية التأثير الكهروضوئي، قادت إلى الإنجاز المبكر للعالم (ميمان) بإنتاج أول ليزر عام 1960م. تحققت نبوءة (ويلز) أخيرًا في صورة حزمة من شعاع متألق يخرج من ياقوت مُطعّم بالكروم، وهى العناصر التي استخدمها (ميمان)، قبل أن يتم اختراع ليزر (الهيليوم-نيون) بعدها بشهور قليلة.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)