الثلاثاء , يوليو 16 2019

نبوءات الخيال العلمي: (الرجل الخفي)

اختلف رواة الأساطير الإغريقية حول كيفية قتل (ميدوسا)، غير أن البعض أرجع الفضل إلى (قبعة التخفى) التي استعارها (فرساوس) من الآلهة، ونجح بواسطها في التسلل –بسهولة- إلى مخدع المرأة المسخ، وذبحها.

نلاحظ عمومًا أن فكرة الاختفاء -في حد ذاتها- فرضت نفسها على البشـر منذ القدم، فظهرت كعنصـر مشترك في الكثير من الأساطير والحكايات الشعبية.

بدءًا من مؤلفات الأخوان (جريم) الألمانية، إلى أسطورة (الملك آرثر) البريطانية، فحكاية الـ(kakuremino) بصيغتها اليابانية، ومن ثم استمرت معنا نفس الثيمة إلى قصص أكثر معاصرة، لعلنا نذكر جميعًا ملحمة (ملك الخواتم) لـ (تولكين)، وكيف يوفر خاتم (سورون) إمكانية الاحتجاب التام لمن يرتديه، لدينا أيضًا (عباءة التخفي) التي طالما مكّنت (هاري بوتر) من التجول بحرية -ليلًا- في أروقة (هوجورتس).

جميعها قصص فانتازية كما تلاحظون؛ نظرًا لأن العلماء ظلوا على رفضهم الصارم للفكرة، بقولهم:

-«(الاحتجـاب عن الأعـين) مستحيل، ويخـالف كل قوانيـن البصـريات المعروفة».

لكننا نعرف جميعًا عن التمرد الذي يجري في دماء أهل الخيال العلمي، فتصدر (بيج ميتشل) كأحد أوائل هؤلاء المتمردين، وتناول الثيمة في أحد قصص القصيرة، أعقبه (صمويل ديلاني) بأن جعلها عنصر حيوي في حبكة روايته (دلجرين).

أما فور سماع  لفظـة (الاختفـاء عن الأنظـار) عمومًا، تستحضـرها الأذهـان -مباشرة- رواية (الرجل الخفي) لـ(هربرت جورج ويلز).

ظهر العمل -في بدايته- كحلقات مسلسلة على صفحات جريدة (بيرسون) الأسبوعية، إلى تم جمعها ونشرها عام 1897م.

الشخصية الرئيسية:

«طالب الطب (جريفين)، الذي يهجر تخصصه ويتحول إلى علم البصـريات، فتقوده بحوثه إلى إمكانية تغيير معامل انكسار الضوء، فلا يمتص أو ينعكس عن الجسم، وبالتالي يصير خفيًا».

أسمح لنفسي بالادعاء.. أن الرواية إعادة اجترار لنفس مغزى معضلة (خاتم جايجس) الشهيرة، والتي سبق وأن طرحها (أفلاطون) منذ نحو 23 قرنًا.

بطل المعضلة هو (جايجس) الفقير المعروف بأمانته بين كل أهل (ليديا)، ثم تنقلب حياته 180 درجة، عندما يكتشف خاتمًا يمنح صاحبه القدرة على الاختفاء، فيتمكن بواسطته من إغواء الملكة، ثم قتل زوجها، وهكذا تتوج كملك جديد على (ليديا).

وردت الحكاية ضمن كتاب (الجمهورية) لأفلاطون، وترمي بالأساس إلى أن التزامنا الأخلاقي قد لا يرجع -بالضـرورة- إلى وازع ذاتي، فربما كان مجرد قشرة خارجية لا أكثر، لو أردنا التأكد.. يجب الانتظار حتى نوضع في اختبار مستتر عن أعين البشر.

استمرت قصة (جايجس) -لقرون- في إلقاء ظلالها على أعمال لاحقة، منها ملحمة (تولكين) الكبرى، التي استخدمت نفس تفصيلة (الخاتم + الاختفاء)، وأزعم نفس الشيء أيضًا بالنسبة لـ(الرجل الخفي) لـ(ويلز)؛ فنجد بطلها (جريفين) يسطو ويسرق وينتقم، اعتمادًا –بشكل أساسي- على قدراته الجديدة. في ذات الوقت، نفس هذه القدرات هي ما أثارت ذعر الكل، وجعلته مطاردًا من الجميع.

*******

اكتشف العالم (ميشيل فراداي) -تجريبيًا- سنة1821م، أن الحقول الكهربية تنتج حولها مجالًا مغناطيسيًا والعكس، مما جعل الرجل محط أنظار المجتمع العلمي بأكمله، بل وتلقى معمله زيارة من شخصية سياسية فوق العادة، من صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا شخصيًا، التي سألته:

ـ «وما فائدة هذا الاكتشاف الجديد؟»

يقال أن (فاراداي) أجاب ببساطة:

ـ «وما فائدة طفل رضيع جديد يا سيدتي؟!»

قرأت عن الموقف ضمن كتاب (رومانسية العلم)، ليشـرح مؤلفه (كارل ساجان) مقصد (فاراداي) حول أن:

«النظريات البحتة تمر بمرحلة نمو -تمامًا- كالإنسان، يلزمها وقت كي تنجلي أهميتها، وما سيبنى عليها من تطبيقات».

للحق.. راقتني إجابة (فراداي) جدًا؛ إذ وجدتها تحتمل استخدامات أوسع من أن يتم حصرها على النظريات العلمية، فيمكن استعمالها أيضًا -على سبيل المثال- كرد على السؤال الأبدي المستفز إياه:

-«ما فائدة رواية كذا؟»

على الجانب الآخر، استوقفني السؤال المدهش للملكة ذاته، وجعلني أتذكر نصيحة سير (آرثر كلارك) الشهيرة:

-«على الساسة أن يقرؤوا كتب الخيال العلمي، وليس كتب رعاة البقر والقصص البوليسية».

فيما بعد، خرج من رحم بريطانيا العظمى باحث آخر، يكاد ينافس نجومية مواطنه (فاراداي)، نعني ها هنا المتألق (جيمس كلارك ماكسويل).

يعبر العالم الأمريكي (ميشيو كاكو) عن الفرق بين الاثنين، بما معناه:

«امتلك فاراداى غريزة ممتازة للتجريب، لكن من دون تدريب منتظم على الإطلاق، أما ماكسويل فكان أميل للرياضة البحتة، لاحظوا أننا نتحدث عن أستاذ للرياضيات، تعلم في كامبريدج، أي نفس المكان الذي تبوأه نيوتن منذ قرنين مضيا». أكمل (ماكسويل) من حيث توقفت تجارب زميله، فتساءل:

«طالما أن المجالات الكهربية يمكن أن تنقلب إلى حقول مغناطيسية، والعكس صحيح، فماذا  لو انطلق الاثنان في نفس الوقت، بشكل متعامد مستمر فوق بعضهما البعض، بحيث تصير أشبه بتموجات النهر؟»

عندما قاس سرعة الناتج وجده يُقارب سرعة الضوء، فصدم عندما قاده التسلسل المنطقي إلى الفرضية التالية:

«ماذا لو كان الضوء نفسه موجات كهرومغناطيسية؟!»

تسببت بحوث (ماكسويل) في إزاحة الغطاء عن بئر أسرار الضوء، فقدمت تفسيرًا بسيطًا ومباشرًا للعلاقة بين المواد وشفافيتها تجاه الضوء، الغازات -مثلًا- توجد بين جزيئاها مسافات بينية كبيرة، وهذا ما يجعلها غير مرئية.

أما السوائل فالمسافات البينية متوسطة، لذلك هي شفافة.

أما الأجسام الصلبة فذراتها شبه لصيقة، بلا مسافات بينية تُذكر، وبالتالي يعجز الضوء عن المرور بينها، مما يمنحها سمتها (المعتم).

يبدو كلام (ماكسويل) منطقيًا تمامًا، لولا وجود بعض الاستثناءات.. كالزجاج مثلًا، ما الذي يجعله شفافًا مع أنه صلب؟!

قيل أن السبب يرجع لاصطفاف ذراته في شكل شبكي مكعب، وهذا ما يسمح بوجود مسافات بينية منتظمة داخلها، لذلك يكون الزجاج شفافًا.

كلام جميل مُجملا، لكنه لم يكن كافيًا -بكل أسف- لتحقيق النبوءة الفانتازية -حينها- بقدرتنا على الاختفاء، إذ لا نستطيع ترتيب أجسادنا في شكل بللوري مثل الزجاج.

إذن.. يكمن الحل فيما تناوله (ميشيو كاكو) خلال كتابه (فيزياء المستحيل)، ألا هو (أشباه المادة).

ظهرت أشبـاه المــادة لأول مـرة عام 1967م في مقـال للفيـزيـائي الروسـي (فيكتور فيسلاجو)، ويمكن تعريفها –اختصارًا- بأنها.. مواد لها صفات بصرية خارقة للطبيعة، تصنع بدس دقائق مادة صغيرة ضمن أخرى، بحيث تجبر الضوء على الانحناء حولها، وبالتالي؛ التحكم في معامل انكسارها.

في جامعة (ديوك)، وضع الباحثون دوائر كهربية صغيرة ضمن شرائط من النحاس، بحيث تم ترتيبها في شكل دوائر مسطحة.

بسّط (كاكو) المسألة، بقوله:

«فكر في الطريقة التي ينحني فيها النهر حول صخرة، بما أن النهر سيلتف بسرعة حول الصخرة، فإن وجود هذه الصخرة سيختفي تحت الماء».

جرب العلماء هذه النظـرية على (10) حلقـات من الليف الزجاجي، مغطـاة بعناصر نحاسية، فنجحوا في تغيير معامل كسرها للضوء، وصارت غير مرئية إلا من ظل بسيط تبقى.

نبسط معنى (انكسار الضوء) بأن أشعة الأخير سرعتها ثابتة في الفضاء، لكنها تتباطأ وتنحني فور مرورها بوسط مائي أو زجاجي، ثم تستمر في خط مستقيم داخل المادة الجديدة.

أراد العلماء كسر هذه القاعدة بجعل مسار الأشعة يتغير في كل نقطة، بحيث يتلوى -داخل الوسط- كدودة قز.

كما نعلم، يزداد انكسار الضوء كلما زادت كثافة الوسط، إذ أن أشعته ذات سرعة ثابتة في الفراغ (تساوى واحد)، إلا أنها تتباطأ قليلًا عندما تدخل في أوساط أخرى، فيتم حساب معامل انكسار الوسط من خلال النسبة بين سرعته في الفراغ إلى سرعته في ذاك الوسط، فتساوي في الهواء -مثلًا- (1.003) والزجاج (1.5).

ما يريده الباحثون هو الوصول إلى معامل انكسار سالب. ظل علماء البصـريات ينادون أن هذا مناقض لكل قوانينهم، ثم اضطروا إلى إعادة صياغة هذه القوانين عندما نجح الفيزيائيين بالفعل في كسرها على مستوى الضوء الميكروي، أي تبقى -فقط- مسألة تطويرها على مستوى الضوء المرئي.

وهكذا يمكننا أن نحصل على طاقية إخفاء عصـرية، وهو ما أنجزه فيه فريق من معهد (بروكلي)، تصدر خبره مجلة (تايم) الأمريكية تحت عنوان أفضل خمسين اختراعًا عام 2008م، ونقلته عنها مجلة العلم في عددها الشهري- يناير 2009م.

طور الفريق مادتين محايدتين تستطيعان عكس الضـوء أو امتصـاصه، حيث تجعل شعاع الضوء ينكسر للاتجاه العكسي.

الأولى تستخدم شبكة من طبقات معدنية رفيعة، أما الأخرى فبها أسلاك فضية رفيعة، مما نتج عنه زي له حد أدنى من الإخفاء.

تأتي التكنولوجيا النانوية لتعطينا أفضلية كبرى في السباق؛ إذ تمكن بواسطتها الفيزيائي (كوستاس سوكوليس) وآخرون من تكوين مادة سمكها (100) نانو متر، صاغها من طبقة فضة + فلوريد مغنطيسيوم، تعلوها أخرى من الفضة.

هذه المادة نجحت في الوصول إلى معامل انكسار (–6) للضوء الأحمر.  كما أعلنت مجموعة أخرى من معهد (كالفورنيا) التكنولوجي عام 2007م،  أنهم أنتجوا أحد الأشكال الأخرى من شبه المادة، ذات معامل انكسار سالب تجاه الأخضر والأزرق هذه المرة.

عمومًا في كل الأحوال، تواجه عباءات الإخفاء مشكلة كبيرة، هي أن مستخدمها  لن يرى شيئًا، أنسينا أن العين ترى من خلال الضوء الساقط عليها، أي عندما يتم إحناء الضوء حولك، ستغدو أعمى عن كل ما حولك.

مشكلة أخرى ملحة.. هي أن أغلب الأردية التي نتحدث عنها غير مرنة، وبالتالي سيصعب استخدامها عمليًا.

للمزيد من الشرح.. يمكنكم الرجوع إلى كتاب (فيـزياء المستحيـل) للمبهـر (ميشيو كاكو)؛ فهو المرجع الأول استمددت منه أغلبية المعلومات أعلاه، بخلاف أنه كتاب شيق ومفيد ككل.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)