الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

نبوءات الخيال العلمي: (التخاطر Telepathie)

كلمة ذات أصل يوناني، مُركّبة من مقطعين (الإدراك أو الشعور- Pathie) و(عن بعد- Tele)، بمعنى نقل الأفكار عقليًا دون استخدام أي من وسائل الاتصال سواء سمعية أو بصرية أو حركية.

الفكرة مجنونة بالطبع، فليس بالغريب أن يكون من أوائل من لفت الأنظار إليها.. المصابين بالفصام النفسـي، فهم يشتكون أحيانًا من وجود أطراف أخرى خارجية تزرع أفكارًا داخل عقولهم، أو.. تنتزعها.

فانتبه بعض الباحثين إلى سؤال:

– هل من إمكانية لأن يفعل الأصحاء ذلك؟

ظل ميدان التخاطر حكرًا على خدع الحواة والمدعين، حتى تدخلت العاصمة العتيقة (لندن) عام 1882م، بتشيد (جمعية البحوث الروحية)، فخرج من بين صفوفها الباحث (فريدرك مايرز)، الذي كان أول من استعار اللفظة اليونانية (تليباثي)، فصارت اللسان الناطق عن الفكرة إلى يومنا هذا.

تعرضت بحوث الجمعية لكثير من التشكك، فقد أثبتت التجربة -أكثر من مرة- إمكانية خداعهم، ولنا أقرب مثال في الشقيقات (كريري) الخمس:

(ماري، أليس، مود، كاثلين، إيميلي)؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر، ادعين امتلاك قدرات فوق نفسية، فأخضعتهن الجمعية للتجربة، بواسطة فريق على رأسه (ويليام باريت)، ذاك الفريق الذي تم خداعه.

بعد عدة سنوات، اعترفت الأخوات الخمسة بأن لهن طريقة خاصة في التخابر بالإشارة، أي أن الأمر بعيد تمامًا عن أي خوارقيات.

دعونا لا نلم الجمعية أو (باريت) كثيرًا، إذا علمنا أن نفس الحفرة، انزلق إليها من هو ألمع.

سير (آرثر كونان دويـل)، مبتكر شخصية المحقق (شـارلـوك هـولمـز)، رمـز
الذكاء والاستدلال المنطقي. انخدع -كذلك- بالقدرات المزعومة للأخوين (زانسينج)، وأعلن اقتناعه بها في أكثر من محفل، وبعد سنوات، انتاب الثنائي صحوة ضمير، وقررا الاعتراف -بأثر رجعي- على طريقة الشقيقات (كريري).

كيف انطلى ذلك على عبقري كـ (آرثر كونان دويل)؟

تقول مواطنته (أجاثا كريستي):

– إذا ضعفت النفس، استسلمت للخرافة.

طال روح (دويل) خدش كبير، بوفاة اثنين من أقرب المقربين (زوجته، ثم ابنه)، مما نتج عنه هذا الفصام الحاد بين.. المؤلف الذي تنتصـر قصصه للتشكك والاستدلال العقلي، وبين الإنسان الباحث عن العزاء في عالم الروحانيات.

من مقر الجمعية بـ(لندن) عاصمة الضباب، إلى حرم جامعة (ديوك) بولاية (كارولينا الشمالية) الأمريكية، تم تخصيص قطاع هناك، حمل لافتة: [معهد (راين) للخوارق النفسية]، تحت إدارة العالم (جوزيف بانكس راين).

من بين تلك الجدران خرجت بطاقات (زينر) الخمسة، نسبة إلى مبتكرها (كارل زينر)، وتعتبر من أشهر أدوات اختبار التخاطر إلى الآن.

عقب الحرب العالمية الثانية، نشبت أخرى ثالثة باردة بين القطبين المنتصـرين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

مشكلة الأخيرة، أنه نظام منغلق على نفسه بستار حديدي، مما جعله مادة خصبة للغموض والأساطير، فقيل عن السوفيت -ضمن ما قيل- أنهم دربوا فريقًا من الفائقين ذهنيًا، بغرض التجسس.

لنتخيل متخاطرًا ينتزع الأسرار من عقول قادتك، أو يجعل جنودك يديرون البنادق إلى صدور زملائهم!

الصورة المفزعة بما يكفى، كي يسعى الأمريكان إلى تدارك الأمر، ويبدأوا عام 1972م برنامجًا مماثلًا عُرف بـ (ستار جيت)، استمر لما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، حتى تم إيقافه عام 1995م، بتوصية من لجنة متخصصة محايدة جاء في حيثياتها:

«أن البرنامج يفتقد إلى الجدوى، صحيح أنه حقق نجاحات جعلتهم يبقون عليه كل تلك الفترة، لكن حتى هذه النجاحات أغلبها جاء بواسطة أفراد لديهم دراية سابقة بأرضية العملية، فمن المحتمل بشدة أنهم مخمنون محظوظون، وليس بالضرورة ذوو قدرات خارقة».

*******

ترتبط شخصية المتخاطر في ذهني بـ(جين) من سلسلة (الرجال إكس)، ومن قبلها -بالطبع- أستاذها (تشاليز إكسافير):

المتخاطر.. أسير الكرسي المتحرك.. ورغم ذلك لم تمنعه إعاقته من الصمود في وجه كل الجبهات، سواء العامة المعادين لأصحاب الطفرات، أو زميله القديم (ماجنيتو) الذي يملك –في المقابل- تعصبًا مماثلًا تجاه البشر العاديين.

لعل إنجاز (إكسافير) الأهم.. وقوفه مع المتحولين في وجه أنفسهم، بتعليمهم كيفية السيطرة على طفراتهم، والتعايش معها.

ظننت سابقـًا أن هذه الحبكة وليـدة عام 2000م فقـط، بانطلاق أول أجـزاء
السلسلة السينمائية (الرجال إكس)، ثم اتضح لي -لاحقًا- مدى القصور الشديد بمعلوماتي؛ لأن الجذور الحقيقية تعود إلى قبل ذلك بكثير.

تحديدًا إلى عام 1963م، عندما دشنتها شركة (مارفل) في صورتها الأولى.. كقصص مصورة، من بنات أفكار (ستان لي) و(جاك كيربي).

من كلاسيكيات (التخاطر) أيضًا.. ثاني روايات الإنجليزي (ويليام جولدنج)، التي حملت عنوان (الورثة)، ولا ننسى كذلك (السلان الذهبيين) في رواية الكندي (إيه. إي. فان فوجت)، المتخاطر المشوه في سلسلة (المؤسسة) لـ(إيزاك أسيموف).

أو (كارل جرير: القصة الغريبة لرجل مع الحاسة السادسة)، نعم هذا السطر الطويل هو العنوان الذي اختاره (لويس تريسي) لروايته، جدير بالذكر أن المميز في (كارل) بطل العمل، أن بإمكانه التخاطر مع البشر والحيوانات أيضًا.

عام 1981م، ربحت رواية (أطفال منتصف الليل) جائزة (البوكر)، التي ذهب فيها الهندي/البريطاني (سلمان رشدي) -نعم، مؤلف (آيات شيطانية)- أن مواليد منتصف ليل 15 أغسطس 1974م مرتبطون سويًا بحبل سري خفي:

إذ امتلكوا قدرة فطرية على التخاطر فيما بينهم، جدير بالذكر أن اختيار هذا التاريخ بالتحديد إلى كونه عيد استقلال (الهند)، فتنقل الرواية هموم هذا الجيل، وسط الهجرات والحروب الداخلية التي حلت بوطنهم.

توجد حبكة مشتركة بين أغلب قصص الفائقين ذهنيًا، تتعلق بالمعاناة التي تسببها الموهبة لأصحابها، وفي المقابل، المعاداة الغريزية من البشر العاديين تجاه الاثنين.

تشبه المسألة -إلى حد كبير- ما ناقشه (ويلز) في قصة (مدينة العميان)، حول:

– «إذا نزل مبصـر بمدينة كاملة من المكفوفين، هل هذا سيغدو ملكًا بالضرورة؟!»

انحازت القصة لوجهة نظر مناقضة تمامًا؛ فالتميز عن المجموع يجعلك بمثابة “آخر” من وجهة نظرهم، طرف “غريب” يستدعي التوجس، بل -وأحيانًا- التعصب ضده، وهو ما يتطور إلى نوع من الاغتراب والعزلة الإجبارية بين الجهتين.

• من كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).