الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

نبوءات الخيال العلمي: (التحريك عن بعد Psychokinesis )

تنتمي (كاري) إلى نمط (الطفلة الخجولة/المنطوية)، التي تعاني من الناحيتين: تزمت والدتها الديني في المنزل، وسخرية زملائها في المدرسة، تلك السخرية التي بلغت لدرجة الإهانة خلال حفل التخرج، فهبطت عدالة السماء كما هو معتاد في الدراما، بأن اكتشف الفتاة قدراتها الكامنة في التحريك عن بعد. ثأرت بواسطتها من الجميع.

بعد هذا كله، لا عجب أن تصنع (كاري) شهرة الكاتب (ستيفن كينج)، عندما قدمها عام 1974م، كأول أعماله الروائية، والتي لم تلبث أن وجدت طريقها إلى السينما مرتين: الأولى عام 1976م، من بطولة (سيسي سباسيك) في دور (كاري)، و(بيبر لوري) في دور أمها المتزمتة دينيًا.

بالإضافة إلى مشاركة المحبوب (جون ترافولتا)، أما الثانية فتأخرت حتى العقد الثاني من الألفية الجديدة، أو لنكن دقيقين عام 2013م، وقام ببطولته (كلوي موريتز) بديلًا عن (سيسي)، و(جوليان مور) في دور الأم.

غدت (كاري) أحد أشهر الاستحضارات الأدبية والسينمائية معًا، لشخصية (المحرك عن بعد).

سبقتها عام 1911م القصة القصيرة (الرجل الذي يفعل المعجزات) للرائد (هربرت جورج ويلز). تحولت إلى فيلم بنفس الاسم في منتصف الثلاثينيات، ثم أعيد معالجة نفس الفكرة في (بروس الخارق) من إنتاج وإخراج (توم شادياك).

مؤخرًا في 2014م تم عرض فيلم (لوسي)، والذي نال اهتمامًا خاصًا منا -كمصريين- لمشاركة النجم (عمرو واكد)، وقام بدور ضابط شرطة، يبحث في أمر امرأة -(سكارليت جوهانسون)- تناولت جرعات من مواد كيمائية، مكنتها من استخدام 100% من طاقة عقلها، من بين القدرات التي اكتسبتها (التحريك عن بعد).

أما عن المحركين في عالم الواقع، فلعل أوفرهم صيتًا.. الإسرائيلي (يوري جيلر)، الذي اعتاد ثني الملاعق بقوته الذهنية فقط، وتنقل بعرضه الشيق ذاك من قناة تلفازية إلى أخرى، حتى تغير كل شيء عندما لبى دعوة المذيع (جوني كارسون) سنة 1973م، إذ فوجئ بأن مضيفه بدّل الملاعق، فانكسـرت الأسطورة لأول مرة، وعجز (جيلر) عن ثنيها.

نفس الشـيء ينطبق على زملائه، في الحقيقة، أيدينا تعجز عن الإمساك بتجارب موثقة سواء في التحريك أو غيره، فلا يتبقى سوى قائمة طويلة من نصابين افتضح أمرهم، أو تجارب تمت في بيئة قابلة للشك، مما يفتح الباب أمام احتمالات استخدام الخدع أو خفة اليد.

حتى مصطلح (السايكوكاينيت) ذاته، ابتكره الباحث (مايكل ثالبورن) 1982م، خصيصًا من أجل صبيين أبهراه بما ادعياه من قوى تحريك عن بعد، أحد هذين الطفلين هو (ستيف شو)، الذي أكمل المسيرة بعدما كبر، وصار ساحرًا شهيرًا من الذين يعرضون فقراتهم في التلفاز.

يوجد فيديو قديم شهير على الإنترنت، للروسية (نينا جولاجينا)، تستعرض قدراتها في التحريك، لكنه كالعادة أيضًا تعرض للتشكيك والانتقادات.

باختصار، يغرد الخيال العلمي وحيدًا في هذا المجال، بينما يسير العلم ببطء شديد في هذا المضمار؛ حيث يعترف بأنواع محدودة فقط من الإدراك الفائق للحس، هي تلك التي تتم عن طريق وسيط رقمي، على غرار التخاطر مع

جهاز كمبيوتر، وهو من يتولي التحريك، أو نقل الأفكار إلى عقل بشرى آخر.

أما فيما عدا ذلك، يرفع الفيزيائيين لافتة (المستحيل) أمام مبدأ (التحريك عن بعد) مجملًا، بحكم أنه يتعارض مع عدد من القواعد الثابتة من وجهة نظرهم، مثل (قانون الثاني من الديناميكا الحرارية)، و(مبدأ بقاء الطاقة) و(التربيع العكسي)،… إلخ.

ليس الفيزيائيون فقط، هناك الثعلب (جيمس راندي)  الذي اقترح على المذيع (كارلسون) تبديل معالق (جيلر)، قبل أن يقـدم فيـديو وثائقي بعنوان (أسرار الوسطاء) يفند فيه تلك القضايا الشابهة.

ولم يكتفِ بذلك، بل رفع من سقف التحدي، بأن رصد جائزة قدرها مليون دولار، لمن يدعى قدرات فائقة للحس، ويقبل اختبارها تحت ظروف من الملاحظة المشددة، تحت إشراف المؤسسة التي تحمل اسمه.. (مؤسسة راندي التعليمية).

حتى الآن، لم يفز أحد بالتحدي.

للأمانة، ليس الجميع نصابين، بل قد يقع أحدنا ضحية خداع عقله، وليس أدل على ذلك من قصة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عن حصان أشيع امتلاكه قدرات فائقة في الرياضيات، يطلقون عليه (هانز الذكي)، فمهما طرحت عليه من أسئلة جمع وطرح وقسمة، ستجده يكرر الدق على الأرض بحوافره بما يساوي رقم الإجابة الصحيحة.

بلغت دقة إجاباته حوالي 90%، لتضاعف من تعجب الجميع سواء عامة أو متخصصين، بما فيهم صاحب الحصان نفسه، حتى قرر أحد الباحثين تعديل بيئة التجربة مرارًا، فلاحظ أن دقة (هانز) تتراجع، كلما سألوه بمعزل عن صاحبه، فاتضحت الحقيقة أخيرًا.

(هانز) موهوب وعبقري فعلًا، لكن.. ليس في الرياضيات، بل في قراءة الوجوه، حيث اعتاد النقر بحافره، حتى يلاحظ تغيرًا على ملامح صاحبه، فور الوصول للإجابة الصحيحة، وهكذا يتوقف فورًا.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).