أول مرة.. أوروبا: (3) ألفونسو الثالث عشر

كتبت- مي مجدي.

هي لم تتركني فيزئيًا ولكنها تركتني روحيا لأننا تعرفنا علي شابين مغربيين في أثناء الجولة السياحية المجانية مع الشاب الإيطالي والتي انتهت في قصر أسبانيا، وهو عبارة عن قصر كبير مفتوح مصمم على طريقة نصف دائرة وكأنها شخص فاتح ذراعيه ليحضن الآخرين، فهذه أسبانيا ترحب بأصدقائها، يمتلئ القصر البحيرات الصغيرة والمناظر الجميلة وهو مكان مناسب جداً لالتقاط صورة تذكارية، كما ينتشر فيه عازفي الموسيقى المتجولين برفقة راقصي الفلامنكو، من الطبيعي أن تنجذب لأبناء وطنك وتشعر ناحيتهم بنوع من الحنين، والأهم أن معهم فقط تستطيع أن تتحدث بلهجتك المحلية بدون تفكير ما إذا كان كلامك مفهوم أم لا.

لا أستطيع أن أنكر أن صحبتهم لنا بعد انتهاء الجولة السياحية أعطتني إحساساً أكثر بالآمان والراحة النفسية، فمع العرب لا تحتاج لكثير من الجهد لشرح نفسك أو هويتك، تجولنا كثيراً وتحدث ثلاثتهم أكثر، بالنسبة لي لا أجد صعوبة في فهم اللهجة المغربية ولكن مع مغربي واحد أما عندما يتحدث ثلاثة مغاربة في وقت واحد فيبدو الأمر معقد للغاية أشبه بأصوات متداخلة ألتقط منها كلمة أو اثنين علي الأكثر.

في البداية حاولت متابعة الحوار ولكن مع الجهد الذي كان يتطلبه ذلك، قررت الاستمتاع بشعوري بالأمان لوجودي معهم فقط، مما ساعدني كثيرًا على تناسي النظرات المتفحصة التي أهلكتني بسبب حجابي طبعًا، اعتقدتُ أن هيئتي العامة لاتختلف عن أي فتاة في مثل عمري فقط مع طريقة اللبس المعتادة أضع حجابًا للرأس، فلماذا كل هذا التفحص!

ولكن الأمر بالنسبة لهم كان شيئًا آخر، كنت أعتقد أن الحجاب أصبح شيئًا معروفًا عالميًا وخاصة بعد لجوء الكثير من السوريين إلي البلاد الأوروبية وتحديداً لأن أغلب السوريات محجبات، كما يمكن أن تجدهم في كل المدن الأوروبية الكبرى، بالإضافة للعولمة وانتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلتنا نرى صور الناس من كل مكان في العالم، ولكن يبدو أن الواقع شيء مختلف.

بمرور الوقت أصبحت أكثر تقبلًا وتفهمًا للأمر، وفكرت أن ذلك يحدث بالمثل في بلادنا عندما تأتي سائحة أجنبية ترتدي أقل ما يستر الجسد وتجد كثير من الناس يفحصونها مستنكرين، بالنسبة لهم لا يفهمون لماذا أرتدي هذا الحجاب، كما لا يفهم الناس في بلادي لماذا لا تغطي هذه المرأة جسدها؟

ومن المواقف الطريفة تلك السيدة السبعينية، التي استوقفتني في سوبر ماركت في مدينة ملجا قبل ساعات من طائرة العودة للقاهرة، حيث اقتربت مني وأشارت لموضع الحجاب على رأسي وسألتني مستفهمة ماهذا؟ أو لماذا أرتديه؟

لم يكن عندي غضاضة لأشرح لها كل شيء وراء هذا الحجاب، ولكن الفكرة أنها لاتفهم الانجليزية وأنا لا أتحدث الإسبانية.

موقف آخر حدث في قرطبة كان أشد وطأة وإيلامًا على نفسي، عندما كنت أسير بالقرب من جامع قرطبة الكبير مرتدية نظارة شمسية احتماءًا من الشمس، تفحصتني عدداً من السائحات اللاتي ينتمين لمجموعة واحدة، يسيرون جماعات في خط مستقيم، وكانت أحدهم أشد فظاظة حيث ظلت تتفحصني بعيون وقحة تستشيط كراهية لمدة دقائق مما أثار ألماً في قلبي.

نعود لصحبة الأصدقاء المغاربة، بعد كثيرًا من المشي والكلام الذي لم أفهم أغلبه، وجدنا ضالتنا في مطعم مناسب لنأكل فيه نظام الأكل الأشهر في إسبانيا ” تاباس” وهو نظام يعتمد على المشروبات بشكل أساسي حيث تُقدم مجانًا مع أطباق متنوعة تختارها كيفما تشاء، وهذه الأطباق هي عبارة عن أطباق بحجم المقبلات تتنوع مابين المأكولات البحرية والبطاطس المقرمشة والأرز الأسباني والباذنجان المقلي وغيرها.

يتميز نظام “تاباس” أنه يناسب المجموعات فيأكل أكثر من شخص مع بعض من خلال الأطباق المتنوعة، كما أنه مناسب أكثر للحفلات والتجمعات، وهو لا يسمح لك بالشبع بقدر مايسمح لك بالاستمتاع بالطعام كجزء مفضل في اللقاءات الاجتماعية، طلبنا يومها مشروب الكوكاكولا مع أطباق متنوعة من الجمبري، والبطاطس المقرمشة وغيرها.

في اليوم الثاني في إشبيلية، استيقظت نشيطة جدًا ومبتهجة لأنني تعرفت علي المدينة عن قرب وكنت أعرف وجهتي بفضل الجولة السياحية المجانية، حددت المعالم التي سأزورها لاحقًا وكان على رأسها قصر إشبيلية الملكي الذي استطعت أن أجد له تذكرة فقط من خلال الحجز الالكتروني، أما كاتدرائية اشبيلية فلم أستطع زيارتها بسبب نفاد التذاكر.

اتفقت مع صديقتي المغربية أسماء أن نتناول الإفطار سويًا في أي كافيتريا لأن هذا سيكون آخر نشاط يجمعنا قبل أن تأخذ الحافلة التي ستقلها للبرتغال، أسبانيا لم تكن وجهة أسماء أبدًا، لم تجد تذاكر للحافلة فقررت البقاء لمدة يومين في إشبيلية حتى موعد رحيلها، وهذا كان من حسن حظي أنا، ياله من قدر!

تناولنا إفطاراً فرنسي الطابع مع القهوة الممزوجة باللبن والرغوة الكثيفة، التقطنا صورة جميلة جدًا، تلاقت فيها ابتسامتنا كما تلاقت أرواحنا، رحلت أسماء ولكنها تركت أثراُ في قلبي لايُمحي، تغلبت علي أشجاني وقررت الاستمتاع بمفردي ثم بدأت بزيارة فندق ألفونسو الثالث عشر أرقي وأفخم فنادق أسبانيا، والذي حكي لنا المرشد أن تكلفة الليلة الواحدة فيها تساوي حوالي 1500 يورو، كما أنه مكان إقامة الرؤساء والملوك منذ قديم الأزل، واللطيف في الأمر أنهم يسمحون للسائحين زيارة الاستقبال ومدخل الفندق والتقاط الصور التذكارية، وفي طريقي إليه مررت على مصنع توباكو وهو من الأقدم على مستوى العالم والذي تحول الآن إلى مبنى تابع لجامعة إشبيلية،

هذا الفندق مبهر جداً وفخم يجمع بين الطراز العربي والأوروبي في نفس الوقت، وجدت فيه الكثير من صور المشاهير وعلى رأسهم الأميرة ديانا والأمير تشارلز، وفي حضرة هذه الفخامة وددت لو التقطت صورة لتوثيق اللحظة، طلبت مساعدة امرأة مسنة ولكن الصورة كانت سيئة جدًا ومهزوزة، كررت المحاولة ولكن بنفس النتيجة، فشعرت بالحرج أن أطلب منها مرة آخري، وسلمت بأن التقط صور لنفسي لا أظهر فيها بالكامل ولكنها أفضل من اللاشيء، دعنا نسلم بأمر أنه من أسوء الأمور في السفر وحيدًا، أنك لا تجد من يلتقط لك صور مميزة لتوثق لحظاتك في المكان.

تجولت في الفندق، ثم توجهت لمكان يُدعي أرشيف الهند، وهو عبارة عن مكان مصمم لتوثيق رحلة كريستوفر كولومبوس لاكتشاف قارة أمريكا بتكليف من الملكة إيزابيلا.

يوثق المكان الأسطول البحري المكون من سبعة سفن وأسماء وصفات كل سفينة، كما يحكي عن المصاعب التي قابلت البحارة حتى استطاعوا تحقيق انتصار اكتشاف القارة الجديدة، المكان خافت الاضاءة وكأنك في قلب المحيط الهندي لتعيش تجربة الاكتشاف مع وجود صور مجسمة للرحلة وشرح صوتي يمكنك من التعرف علي وصف الصور التي أمامك، بالإضافة إلى مجسمات للسفن التي استخدموها في الأسطول البحري.

الرائع أن هذا المكان الرائع متاح للزيارة مجانًا، قضيت فيه مايزيد عن ساعتين، وكان لدي رغبة في البقاء مدة أطول ولكن كان علي أن أتواجد في قصر إشبيلية الملكي الذي حجزت تذكرته إلكترونيا في تمام الساعة الواحدة ظهرا، من الأمور اللافته أيضا والتي تعرفت عليها من خلال إقامتي في الفندق أن يوم الأثنين من كل أسبوع تُفتح أغلب الأماكن السياحية والأثرية مجانًا للزيارة ولكن في مواعيد بعينها، وبعضها بسبب الإزدحام لابد أن تحجز مكانك إلكترونيا قبل أن تصطف في طابور الدخول، استطعنا الاستفادة من هذا من خلال زيارة معلم يسمى “برج الذهب” لم أجد شيئًا مميزاً في هذا المكان ولا أفهم ما يرمز له بالتحديد ولكن من أعلي المبني تستطيع أن تستمتع بمنظر رائع لإشبيلية من أعلي.

عادة أنا شخصية تهتم جداً بالتفاصيل، وتحترم من يقدسها وفي فندق إقامتي في إشبيلية وجدت تفصيلتين أثروني جدًا، الأولي تلك اللوحة التي كتبت عليها أسماء كل المعالم السياحية الأساسية في المدينة، مع توضيح المجانية والآخري المدفوعة، كما كُتب سعر تذكرة دخول كل معلم منها، بالإضافة للإشارة إلى أي المعالم التي تنطبق عليها الزيارة المجانية يوم الاثنين وفي أية ساعات من اليوم، هذا باختصار كل ما أبحث عنه في مكان واحد.

التفصيلة الثانية ذلك الدولاب الخشبي في المطبخ الذي وُضعت عليه لوحة بعنوان “خذ ماتحتاج إليه” والقاعدة تقول أن كل ضيف في الفندق يترك الأكل أو المواد الغذائية الجافة التي لا يحتاج إليها عند مغادرته إذا أراد طبعا، فتجد في ذلك الدولاب مشروبات متنوعة مثل الشاي، القهوة، والكاكاو، بالاضافة إلي البيض، المكرونة الجافة وبعض المقرمشات وربما مخبوزات، أطعمة متنوعة في أغلب الظروف ستجد ما يناسبك فيها، والاستمتاع بالتجربة كاملة أخذت مايناسبني ووضعت ما لا أحتاج إليه حتى تستمر العملية.

علي بساطة الأمر إلا أنه يعني الكثير بالنسبة لي، ثقافة الاستغناء نفسها وقدرة الإنسان على التخلي عن الأشياء التي لا يحتاج إليها لأنها ربما تفسد أثناء التنقل بينما يحتاج إليها شخصاً آخر، ولتربية هذا النوع من الاستغناء وعدم التمسك بالأشياء التي قتل البعض، كما أنه نوع من التضامن الاجتماعي مع الآخرين، ربما هناك من نفدت أمواله ويحتاج لطعام، ربما الوقت متأخر ويشعر بالجوع والمحلات مغلقة، أحببت هذا النظام جداً الذي لم أجد له شبيهًا في أي من الفنادق التي أقمت فيها لاحقًا.

إلا أنه في صباح اليوم التالي كانت تنتظرني مفاجأة لم أخطط لها علي الإطلاق أربكت علي خططي، أحكي لكم عنها في الحلقة القادمة إن شاء الله.

(يتبع)

عن مي مجدي

أعشق الكتابة وكل الأشياء التي تجعلني قريبة من قلوب الناس.. كن عفوي دائمًا فالأمور أبسط مما تتخيل.