الثلاثاء , يوليو 16 2019

من وحي رحلة: (سيرة الدم والرمل)- مصطفى الشيمي

أسوان مدينة يحبّها المرء عندما يراها من اللحظة الأولى، لكنني ذهبتُ إليها مجبرًا، مرتديًّا الزيّ العسكري. تفزعني فكرة التجربة. عكفت في غاري/مكتبي مدة كبيرة، هناك أقرأ وأكتب وأصلي، لم أعد أرى الناس كثيرًا. على أية هيئة صاروا يا ترى؟ كيف يتحدثون؟ كيف سأتحدث معهم؟

شعور خفيف بفقدان القدرة على التوازن انتابني عندما دخلت وحدتي العسكرية، رأيت بعض الجنود يحاولون قتل ثعبان/حية/أفعى، في نظرة خاطفة أحاول أن أمسك بكل شيء، أرى الحيّة تتدلى من غصن الشجرة، وأرى الأفعى معلقة على نصل رمح، وأرى الثعبان يتسلل إلى جلدي، كان ضروريًا أن أكون شخصًا آخر، أن أدعي ذلك، أن أخفي حقيقتي وأرتدي جلد الإنسان الوحشيّ.

مع مرور الأيام اكتملت الصور في رأسي، حدث ذلك أثناء نومي، فقد رأيت يدًا تمتد لتقتلع ضرسي الأيسر التالف، ومع الضرس تتقطع خيوط الدم التي تشده إلى فمي، وينتابني شعور بأنني قد مت، وعندما أستيقظ أتحسس جسدي مفزوعًا، وأسمع صوتًا ينفجر في رأسي: «إن آلام سكرة الموت تضاهي انتزاع ضرس تالف»، وأرى من بعدها صور روايتي الجديدة بكل ما فيها من تفاصيل: المدن، البشر، الآلهة. لم أكن أصدق أن هذه التجربة ستنتج نصًا يسأل عن حقيقة النفس البشرية؟ وما المدينة التي نستحقها؟ وما الآلهة التي تشبهنا في كل الأساطير والأديان القديمة؟

مثل الممسوس بدأت الكتابة، وبدأت تتبع الأبطال. ذهبتُ إلى قرية أبو الريش، فوق الجبل، تلك التي رأيتها من نافذة القطار. صعدت إليها. مشيت بين البيوت الصغيرة الباهتة، ورأيت أحد أبطال النص – نجم الدين- هناك، يجلس في بيت جده وسط الدراويش، بينما يلفظ جده النفس الأخير.

إلى أين يذهب هذا الطفل؟ جاء والده أيوب وأخذه إلى الإسكندرية، حيث يعيش هناك، وكان عليّ أن أعد حقيبة سفري أيضًا.

كيف يمكنني أن أسافر إلى هناك؟

أردتُ أن أرى البحرّ، فالبحر يعرفني وأزعم أننا مخلوقان من ماء مالح واحد، لكن الصحراء التي تسكن عيني منعتني عن ذلك، صحيح أنني فعلت ذلك بعد أداء خدمتي العسكرية، وأثناء كتابة النص أيضًا، فقد استمرت الكتابة عامين من أغسطس 2014م، إلى أكتوبر 2016م، وربما قبل ذلك كانت ثمة كتابة على هيئة هوامش، شخابيط، أصوات. عندما سافرت إلى الإسكندرية لم أرَ فيها غير الصحراء، لكنها صحراء مختلفة، فكان المكتوب في النص يصف بقايا الرمال التي علقت بروحي.

تنظر إلى البحر بشرود. تتذكر الصغير فجأة، فتسأل: «لماذا تكره هذه المدينة؟»، فيجيب «لأنني أحبّ الصحراء»، ولم يعرف لماذا سُمي هذا المكان بمحطة الرمل. لا رمل هنا، لا شمس أسوان، ولا جبال. و

بدأ يتذكر أسوان، ويحس بلفحة الشوق إليها، و(كاتي) ترى الصحراء تتشكل أمام بصرها. خيول كثيرة تعدو فوق الرمل، على رأس هذه الخيول (بيسيفالوس). خيل أسود يضرب الأرض ضربًا. ويعدو مثل الريح. في صحراء طروادة. المدينة التي لا تقهر. هناك حيث قُتل (هيكتور).

هناك حيث بكى (آخيل)، وهناك حيث زارهما (ألكسندر) وتبرك بهما. ماذا تكون الإسكندرية لو لم تكن هي روح (ألكسندر) وجسده؟

مات (ألكسندر) وحنطوه هنا، وبعدها اختفى جثمان الملك العظيم. صار هو إياها، إلهًا خالدًا كما أراد دومًا.

وفي مقطع آخر، فإن:

الإسكندرية طروادة أخرى، ملحمة تهب الإنسان البائس الأمل. رجل يسافر من بساتين الزيتون في اليونان حتى قصور الهند. يمتلك الشرق: مصر، بلاد فارس، وسط آسيا. يهزم الفيلة. يدهسها.

يحتضن الموت في المعارك ولا يموت. لأن الآلهة لا تموت. الإسكندرية هي توق الإنسان الفاني إلى الخلود.

عرفها الرجل الذي هزم الموت.

من كان (ألكسندر)؟ ابن (فيليب) البشري؟

أم ابن (زيوس)؟

أم ابن (آمون) كما قال كهنة معبد سيوة؟

ربما لم يكن أحدًا. كان حلمًا، طيفًا، أو كأس ماء. والعالم محض صحراء يا صغيري. هكذا قالت الأم لابنها الصغير.

على هذه الصورة كانت التجربة تفرض سطوتها على الحكاية، لأنها سرها الأعظم، ولم أفعل غير تتبع الأبطال في رحلتهم.

أعود في أجازة إلى البيت، في نجع حمادي، فأذهب إلى قرى شرق النيل، وأرى بطل النص الثاني، الغريب، ابن الصياد الذي يلعب بقطعة من الطين ويشكلها على صورة ليلى التي فقدها. غرقت في النيل، وغرق عشيقها الصغير خالد، حتى والد الغريب، الصياد، الذي يعوم مثل سمكة، غرق أيضًا، وكان النيل يبدو في عيني فاتنًا، لكنه –لمن أمعن النظر- ليس سوى مقبرة كبيرة، والبلاد بأكملها ليست سوى مقبرة.

نحن ميتون هنا، هذه الفكرة هي التي سكنت رأس الغريب، فصار يمشي مثل ميت، يريد فقط أن يجد المعراج للسماوات حتى يسكن هناك. البحث عن مسكن آمن، البحث عن مدينة فاضلة، هو هاجس الأبطال الأعظم، وهاجسي الأعظم في الكواليس، فأنا محاصر في منطقة من العالم بين أناس لا أعرفهم، أناس يسخرون من كتبي وأوراقي، ما فائدة الكتب؟

وماذا تكتب؟

وما فائدة ما تكتب؟

كنت أبدو في أعينهم مثل مسخ، وكانوا يبدون في عيني مثل مسخ، وكنت أعرف أنهم يخافون ما يجهلون، وأنهم يحاربون ما يخافون، وكنت في دائرة الحرب مركزها، تلك الحرب التي افتتحت بها النص بصوت الله في التوراة: «حرب هي حياة الإنسان على الأرض»، وإذا كانت الأرض كلها كذلك، فأين هي المدينة التي قد نجد فيها الملاذ الآمن؟

كان عليّ أن أبحث عنها رغم اليأس من وجودها، فبدت الإسكندرية في كثير من الأحيان مثل (ملاذ للموتى)، وبدت أسوان تشبهها أيضًا «السماء لونها أزرق كأنها بحر. إسكندرية تطل من روح السماء. والسحب تجري فيها كأنها سفن. كأنها زبد. والشمس شعلة نار للعارفين».

في هذه الحرب كانت ظلال الحروب الكبرى في المنطقة تغيم على حروب الأبطال الصغرى، ابتداء من حروب ألكسندر إلى الحرب العالمية الثانية، وثورة يوليو، ومذبحة الأرمن، وحرب العراق، وثورة يناير.

ولم يكن مفهومًا تمامًا الحكمة من وراء هذه الحرب، لكنها منطقية تمامًا في سياق رغبات وشهوات الأبطال، غرائزهم التي تحكمهم، الندوب التي تركتها عليهم المنطقة العربية.

من أجل كتابة النص والبحث عن المدينة الفاضلة سافرت إلى أسوان، نجع حمادي، القاهرة، الإسكندرية. تتبعت الأبطال في جميع الأزقة والشوارع التي مشوا فيها.

رأيت البناية التي تقطن فيها (كاتي) و(نجم الدين)، ورأيت أين يسكن القواد الأحدب في ميت عقبة مع السيدة العجوز (أم علاء)،

وكيف انتقل إلى بيت دعارة في الشيخ زايد،

وكيف يسرق الغرباء في الزقاق الجانبي الضيق من شارع حدائق المعادي أو فايدة كامل، ورأيت أين يسكن البابلي في درب البهلوان، ومشيت مع الدرويش الغريب في الشوارع تائهًا حتى ذهب إلى مقام زين العابدين، وظللت أدور مع الدراويش منتشيًا بهذا الضياع الأبدي، منفى الإنسان في الأرض.

كنت سكيرًا تمامًا مع الغريب، ومع الأحدب في بارات شبرا، هناك حيث قابلت الرجل الكهنة الذي قاده إلى العلاقة بين عالم القوادة وعالم السياسة، حيث لا فرق كبير بينهما «يمكن للقواد أن يمسك بالعملة ويلقيها في الهواء ويتلقفها، ولا يموت مشنوقًا على غصن شجرة.

القواد تلميذ طيب للساسة والملوك. القواد يمسك بالحقيقة، وللحقيقة ألف ظل». ومع القواد دخلت إلى شارع بني قيدار أو مملكة النساء.

تجولت في الشوارع مع الجميع لكنني رأيت العالم بالكامل ملك يميني، من الأعلى، التاريخ والأسطورة والواقع، تتضافر هذه الخيوط جميعًا مع بعضها بعضًا، أرى المسيح يمشي برفقة يهوذا معًا، يصعد المسيح فوق الصليب فلا يبقى غير تلك الروح الشيطانية التي تشبهنا.

يغني أبطال النص جميعًا باسم يهوذا، ويرثون طفولتهم الضائعة في أغنية «خمسة عشر رجلًا ماتوا من أجل صندوق»، وفي الصندوق ثلاثين قطعة فضة، فقط لا غير.

ـ «ثلاثون قطعة فضة. لماذا؟»

ـ «عدد كاف ليغري المرء»

ـ «لأي شيء؟»

ـ «أي شيء»

كانت هذه الرحلة لمحاولة فهم الإنسان وجوهره، ولسوء حظي فإنني لم أصل إلى الصورة التي أريدها، كان جلد الإنسان مثل الأفعى، ومن بين الوجوه الكثيرة التي يبدلها كان (يهوذا) هو الباقي دومًا. وفي هذه الرحلة كنت أحاول فهم السلطة أيضًا، وأمسكت بعملة مفقودة ملقاة في الشارع، ووجدتها في حوار قصير بين الأحدب والكهنة بينما يتجولان معًا في ظلام ليل شبرا:

ـ «ما رمز السطوة؟»

ـ «المرأة»

ـ «بل العصفورة يا ولد»

ـ «لأنها تعرف كل شيء؟»

ـ «بل .. لأنها تغني»

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن لأبعد مدى