من وحي رحلة: (حميثرة)- مختار سعد شحاتة

دعني آخذك عزيزي القارئ معي إلى واحد من الأماكن التي كررتها في أكثر من عمل أدبي، وحين حضرت نفسي لكتابة المقال، سألت نفسي:

«لماذا يحضر هذا المكان بهذا الشكل في ثلاثة أعمال روائية متتالية، آخرها مسودة رواية (جواو نيلسون) –تحت الطبع؟

ولماذا يعلق هذا المكان في داخلي؟!

وكيف لم يرضِ شغفي بالمكان مجرد الكتابة عنه مرة أو مرتين لأتيح له مساحة أوسع في المرة الثالثة، بل يصبح بطلًا هامًا داخل الرواية؟!».

المكان هو (جبل حميثرة)، حيث مرقد إمام الشاذولية  القطب (أبو الحسن الشاذولي)، وبعيدًا عن الكم الهائل من الحكايات التي سمعتها والكرامات التي حدثني بها عشرات المريدين الذين قابلتهم في أكثر من رحلة إلى حميثرة، إلا أنني كنتُ أعود دائمًا إلى المقولة الأكثر انتشارًا، والتي رددها المريدون:

«في حميثرة سوف ترى».

وهي المنقولة عن القطب على لسان مولاه وخادمه حين سأله في أمر ما حول الرحلة والجبل في حميثرة.

كنتُ محظوظًا بزيارتي الأولى لحميثرة، والتي تصادفت وقت الانتهاء من رواية (تغريبة بني صابر)، والتي يدور واحد من مشاهدها في ظلال الجبل وساحة المسجد الشاذولي هناك.

لذلك قررت السفر لرؤية المكان، بصحبة صديقين أحدهما من أهل أسوان والآخر غير مصري، قررنا الذهاب عبر طريق (أسوان-حميثرة) الجديد، والذي تديره القوات المسلحة نظرًا لتقاطعه مع قطاعات خاصة بالجيش، ويتعدى طوله 200كم قبل الوصول إلى وادي حميثرة ومسجد الشيخ.

وقدر صديقنا من أسوان المسافة بسيارته حوالي الساعتين ونصف الساعة، واستبشرنا خيرًا؛ إذ كُنا تحركنا في تمام الثالثة عصرًا وسنصل هناك قبل السادسة، أي أننا سنتمتع بمشهد الغروب فوق حميثرة كما وعدنا صديقنا الأسواني.

منعتنا القوات الموجودة في مدخل الطريق من أسوان إلى وادي حميثرة بحجة أننا بصحبة أجنبي، ويلزمنا تصاريح أمنية خاصة لعبوره معنا باعتبار المنطقة خاضعة لزمام القوات المسلحة، وخوفًا على حياة الرجل، وذلك بعد أن كُنا خرجنا من أسوان 40كم باتجاه الجنوب الشرقي.

وهو ما اضطرنا إلى العودة مرة أخرى، وهكذا بقدر ما فقدنا 80كم من الـ(200) كم المطلوبين للوصول إلى وادي حميثرة باعتبار وقود السيارة، وحاولنا الرجوع والاكتفاء بذلك، لكن أصر صديقنا الأسواني قائلًا:

ـ «ما دمنا خرجنا في زيارة الشيخ، لا بُد نتمها، ونتوكل على الله».

توكلنا على الله، وانطلقنا نحو الشمال إلى مدينة إدفو، وهناك اكتشفنا أن وقود السيارة لن يكفي في طريق العودة، وقررنا ملأ خزان الوقود، وهُنا بدأت مغامرة أخرى في ليل الصعيد في ظل أزمة البترول الطاحنة وقتها، ورحنا ثلاث ساعات نتجول بين أحياء وقرى تابعة لمدينة إدفو أملًا في الحصول على (بنزين 92)، وأخيرًا وجدناه، بعد أن كُنا فقدنا خلال ذلك مخزون الوقود للرحلة، واقتربت الساعة من التاسعة مساء.

طلبت من صديقي العودة إلى أسوان، وللحقيقة قلت متهكمًا:

ـ «الشيخ لا يسمح على ما يبدو بزيارتنا له».

أصر صديقي على استكمال الرحلة، لكن بعد أن نتناول طعامًا خفيفًا للعشاء، وهو الذي كُنا نعده  للرحلة، في النهاية وجدنا (قهوة بلدي) في قرية تبعد 18 كم عن مدينة إدفو، وجلسنا فيها نتناول طعامنا وسط دهشة الجالسين جميعًا من هؤلاء الأغراب الثلاثة الذين حطوا فجأة على قريتهم الساكنة الهادئة.

وللحقيقة كانت تلك المرة الأولى التي أشعر فيها في حياتي بمعنى أن تكون مُراقَـبًا، وهو ما وترني بشكل ما وجعلني عصبيًا، إذ راحت أسئلة (القهوجي) بطريقة المفتش (كرومبو) تنهال علينا، وهو ما كان طبيعيًا جدًا في تلك الفترة التاريخية في مصر وما يحدث فيها من مهازل إعلامية، حتى أنني لتخفيف التوتر قررت السخرية من الموقف، وقلت للصديقين معي:

ـ «يبدو أن الشيخ أبلغ عنا الشرطة، وسيتم القبض علينا بتهمة أكل ساندويتشات الكبدة والرومي في القرية».

تجاوزنا الحادية عشرة ليلًا حين أفقت على صوت سرينة عالية جدًا يطلقها قائد سيارة في الاتجاه المقابل لا أدري سببها، لكن فيما بعد عرفت السبب، إذ لاحظت أن صديقي خلف مقود السيارة ينام لتعبه الشديد وإرهاقه، بل أقسم غير حانث أنه نام تمامًا حين كانت السيارة تتخطى سرعتها 120 كم للساعة، وهو ما أرعب صديقنا الأجنبي، فراح يُصر على أن نتوقف وننام في السيارة حتى يرتاح الصديق.

وبعد مناوشات، قرر صديقي التوقف في مفترق الطرق بين حميثرة ورأس سدر، في بقعة عجيبة تتوسطها زاوية مصلى، ومرقد أخبرنا صديقنا أنه يخص أحد أشهر تلامذة ومريدي الشيخ وهو (سيدي سالم)، وقررنا الاستراحة، ثم المتابعة الـ180كم، حتى نصل وادي حميثرة.

كان أعظم ما حدث لنا في تلك الرحلة إلى حميثرة هذا التوقف، عند (كشك) خشبي يقدم الشاي الساخن وبعض البسكويت وخدمة أخبار الجزيرة عبر تلفاز 14بوصة، توقفت إلى جواره عربة نقل تحمل جملًا، جلس قائدها وآخر معه ادعى أنه (تاجر جِمال) من الأقصر، وجلس للاستراحة قبل مواصلته الطريق نحو قبائل العبابدة في شلاتين، ومرة أخرى يتقمص التاجر والسائق وصاحب (الكشك) الصغير سنًا -حوالي 20 سنة- دور المفتش (كرومبو)، ثُم تتغير دفة الحديث تمامًا بعد أن يعرفوا وجهتنا، فيبتسم التاجر قائلًا عبارته التي حفرت في ذهني ولن تموت:

ـ «ما دمتم في ضيافة سيدي الشاذلي، لازم توصلوا بالسلامة وترجعوا بالسلامة في حماية سيدي أبو الحسن».

بالفعل، وصلنا تمام الثانية إلى ساحة حميثرة.

♦ المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن لأبعد مدى