الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

من وحي رحلة: (الإسكندرية في عيون أسواني)- ياسين أحمد سعيد

محافظة تقع على حافة شمال مصر، تغدو الأكثر حضورًا في حياة مواطن يعيش في أقصى الجنوب.

بدا وكأنني أفقت على هذه  المفارقة فجأة مؤخرًا!

ألهمتني (عروس البحر المتوسط) -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- من خلال تجارب وفعاليات عديدة شرفت بالمشاركة فيها هناك. حتى الورشة التدريبية التي استهدفت (تنمية مهارات العاملين بالمبادرات الثقافية)،  وتسببت في تجرئي على البدء في مشروع كتيب (خط الثقافة المستقلة).

أقيمت –الورشة- في مدينتي (أسوان)، إلا أنها كانت بتنظيم وإشراف (مكتبة الإسكندرية)، في إطار برنامج تم تدشينه بالشراكة مع الاتحاد الأوربي، تحت مسمى (دعم التنوع الثقافي في مصر).

من المشاريع الأخرى التي تنتمي لنفس البرنامج:

– (شمال وجنوب).

تقوم فكرته على اختيار مائة شاب (80% ينتمون إلى تخصصات مختلفة من الفنون البصرية، 20% مؤلفين)، يتم تنظيم رحلة طويلة لهم سويًا إلى (الإسكندرية، القاهرة، الأقصر، أسوان)، على أن يعودوا –في النهاية- إلى نقطة البداية (مقر المكتبة)، بحيث يقضون أسبوعًا. يعكف كل مشارك على كتابة نص، أو إنتاج عمل فني، من وحي ما سبق.

استفدت من تجربة السفر برفقة كل هذا العدد من المبدعين، إلى أن (ذهبت السكرة.. وجاءت الفكرة)، حيث شارف الأسبوع الأخير على الانتهاء دون إفلاحي في إنجاز النص المطلوب. كانت الرحلة حافلة بالزخم، لدرجة عجزي التام عن الإمساك بخيط محدد يمكنني الكتابة عنه.

لست وحدي، بل وجدت عددًا ليس بالقليل من الرفاق يشاركونني نفس الحالة!

أدين بالشكر إلى الأديبة (مي خالد) –أحد المشرفين على فريق (الكتابة) بـ (شمال وجنوب)- أنها طمأنتنا، حيث أكدت –عن تجربة- على عدم التعارض بين خوضنا تجربة ملهمة، وعجزنا عن ترجمتها سريعًا إلى منتج أدبي. لا يعني هذا أن نتوقع استمرار نفس العجز إلى الأبد، ربما يمضي شهر، أو عام، أو خمسة، لكن الرحلة ستترك بصمتها في أعمال أدبية حتمًا.

تشككت وقتها في وجهة نظر تلك، تصورتها مجرد محاولة من الروائية الكبيرة لجبر الخاطر. أما الآن، أعلن اعتذاري لأستاذة (مي)، فما قالته تحقق بالحرف، فبعد عودتي إلى (أسوان) بشهور، بدأت تراكمات الرحلة داخلي –تدريجيًا- في الطفو على السطح،  وما تزال التداعيات مستمرة.

في البدء، طاردتني ذكرى حواراتي الطويلة من الفنان والمصور (أحمدسعيد السيد)، الذي تعرفت عليه –لأول مرة- خلال (شمال وجنوب)، لطالما حدثني شغفه بفكرة (المرايا + الانعكاس). أراني عددًا كبيرًا من أعماله الفنية التي تعتمد على هذه الثيمة.

ظلت كلماته تلح عليّ طويلًا، ففكرت في استيحاء قصة خيال علمي منها، إلا أنني خشيت من أن موضوع (المرايا) –تحديدًا- تم استهلاكه في عشرات الأفلام والقصص المماثلة، فما الجديد الذي عساني أضيفه؟

بعد الكثير من العصف الذهني، عثرت –أخيرًا- على إجابة للسؤال:

«الدمج بين ثيمة (انعكاس المرايا) + ظاهرة (ديجافو)».

قصة قصيرة سعدت جدًا بكتابتها، أقله تخلصت من مطاردة إلحاح الفكرة.

في مرحلة تالية، تسبب إنسان جميل من رفاق (شمال وجنوب)، في استلهامي أحد الشخصيات الرئيسية لـ(أمازون)، بعض مقاطع الحوار في الرواية، منقولة بالنص –تقريبًا- من بعض مشاكساتاتنا الحقيقية في الواقع وقتها. ما زلت على تواصل معه -بين الحين والآخر- حتى الآن.

كلانا يكن احترامًا كبيرًا للآخر، رغم الاختلافات الكبيرة بيننا (لعل هذا كان متعمدًا من منظمي المشروع، أعني تعمد اختيار شباب قادمين من خلفيات ثقافية وجغرافية شديدة التباين)، أزعم أن هذه الاختلافات جعلتني أرى ذاتي بشكل مختلف، أعرف عني أشياء انتبهت إليها لأول مرة، وهو ما انعكس على معالجتي لـ (أمازون) بطبيعة الحال.

هذه الرواية بالذات عزيزة على قلبي جدًا، لأنها تمس حلمًا –أجلته لفترة طويلة- بجمع شخصيات من إصداراتي السابقة (دائرة المجهول، الأمسية المظلمة، المنحوتة)،  ليخوضوا معًا مغامرة أخيرة، تدور أحداثها ما بين (الإسكندرية، القاهرة، مطروح، وغيرها).

**********

أول رحلاتي إلى (الإسكندرية) لم تكن أيام مشروع (شمال وجنوب)، بل تعود إلى حقبة باكرة، ليست من النوع الذي يُذكر في السيرة الذاتية المهنية (CV).

شاركت عام 2015م كأحد أربعة طلبة يمثلون محافظة (أسوان)، في نهائيات الـ..، احم، أشعر بالحرج من قولها، مسابقة الـ.. (الطالب المثالي).

لطالما كان شعوري مشوشًا صوب كلمة (مــثـالــيــة). أكرهها حينًا، وأتأسى على افتقادي إليها في أحيان أخرى.

عندما وصلت إلى (سبورتنج) –التي تستضيف النهائيات- تعرفت على مرشحي المحافظات الأخرى، حوالي تسعين فرد كان كل منهم (مثاليًا) على طريقته.

لطالما شعرت بالحنين إلى أيام ذوباني بينهم، إلى الصخب والحيوية التي تمتزج بصوت الأمواج القادم من بعيد.

إذ كان المعسكر على مرمى حجر من الكورنيش.

مر ما يزيد على 10 أعوام، بينما ما زلت أسأل نفسي بين الحين والآخر:

«أين هم الآن؟ هل لا يزالوا يذكرونني كما أذكرهم؟ هل مستمرون في هواياتهم، التي كانوا متألقين فيها حينذاك؟»

نتحدث عن حدث ينتمي إلى عام 2007م، أي ما قبل عصر (تبادل أرقام الموبايلات، وإضافة بعضنا البعض الفيس بوك)، لذلك لا سبيل إلى العثور على أحدهم حاليًا، إلا بمعجزة. فقررت اللجوء إلى المُسكّن الذي أملكه.. (الكتابة).

يقال: (اكتب عما تعرف)، لذلك، عندما قررت (منح نفسي أجازة من الخيال العلمي، ومحاولة تجربة دخول مجال «الأدب الاجتماعي»)، تساءلت:

«أي أجواء احتككت بها عن قرب، تصلح كنواة لمشروع نص واقعي طويل؟»

أول إجابة خطرت لي:

«رحلة الإسكندرية + مفهوم (المثالية)».

لدي الكثير مما أود الفضفضة به: عن سقوطي واتساخ قميصي، خلال الساعات الأولى من الوصول/ الطالبة «المثالية» التي استقبلتني بعدها بتعليق ساخر، قائلة: «ما كل هذه الشياكة؟»/الشد والجذب مع وكيل الوزارة: رئيس لجنة التحكيم/احتفائي بالبقاء حيًا بعد خوض رقصة الموت مع سيل سيارات الكورنيش.. مرتين (جيئة وذهابًا)/ القفز عاليًا وإمساك حافة السور، بغرض التزويغ، فذهلت من ملاحظتي المتأخرة أنهم يضعون  زجاج مهشم فوق أسوار  المنشآت الطلابية.

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).