الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

من ملفات الجرائم: (بيلا كيش)

عكف علي النظر من النافذة من خلال منظاره المقرب الصغير..

كانت تلك هوايته المفضلة مراقبة النجوم والتطلع إلي السماء المظلمة المرصعة المزينة بتلك الكريات الضوئية الصغيرة، التي يعرف أنها في الحقيقة أجرام ضخمة مخيفة.. لكنها لم تكن مخيفة أكثر منه هو أو حتى مثله!

لقد كان يعرف أنه مخيف، وكان يعرف أنه غير عادي.. وكثيرًا ما كان يشعر بالخوف من نفسه.. لكن بقدر ما هو مخيف بقدر ما هو ذكي وعبقري ولا يشق له غبار!

إنه لم يترك غبارًا خلفه أصلًا من قبل، ولا ينوي الإقدام علي ذلك الآن.. فكل جرائمه تنتهي بصوت مكتوم وصرخة مختنقة مكبوتة ثم لا شيء بعد ذلك.. صمت أبدي مطبق!

كان المنزل ساكنًا تمامًا من حوله، والقرية أيضًا كانت كذلك.. إنه ليس بمفرده تماما في البيت لكن رفيقته في البيت، خامته، كانت من النوع الهادئ المنطوي، الذي يستطيع أن يبقي 24 ساعة متواصلة جالسًا صامتًا، كقرمة الخشب، إلا إذا طلب منها أحدهم الكلام أو أمرها بتأدية خدمة ما..

لذلك كانت السيدة جاكوبيك خير من يصلح للخدمة وتدبير أمور منزل كهذا لا توجد به سيده.. ويقيم فيه سيد مثل السيد بيلا المتوحد الغامض!

لم يكن السيد متوحدًا غامضًا جدًا، بل كانت له مغامراته العاطفية هو الآخر، شأنه شأن معظم أقرانه من الرجال.. وكانت خيانة زوجته الجميلة ثم هجرانها له دافعًا ومبررًا له للإقدام علي التعرف بسيدات وآنسات جميلات كان يغيرهن بسرعة سهولة مثلما يغير جواربه!

الكثيرات كن يحضرن لبيته وهي متأنقات ومتحليات بجواهرهن وحليهن الثمينة وفي قمة زينتهن وجاذبيتهن الأنثوية، وكانت مهمة السيدة جاكوبيك تنحصر في فتح الباب لهن، وتقديم واجبات الخدمة المنزلية المعتادة، ثم تصعد إلي غرفتها وتغلق بابها على نفسها، تاركة السيد وضيفته يتولي كلا منهما إلقاء شباكه على الأخر أو إيقاعه فيها إن تمكن من ذلك!

لم تكن مدبرة المنزل الصموتة تسأل الكثير من الأسئلة.. وكان هذا يبدو حسن في عيني مخدومها الذي يكره أن يتدخل أحد في شئونه!

وفي تلك الليلة، وبعد أن تنـاول السـيد عشـاءً خفيفًا، صعد إلي غرفته ليتابع النجوم، التي صار صديقا مقربا لها، تاركا خادمته الهادئة الطباع تقوم علي ترتيب المطبخ وغسل الأطباق وإنهاء رتق القليل من الثياب، كنوع من التسلية وقطع الوقت، ريثما تواتيها الرغبة في النوم.. فتذهب إلي غرفتها لتخلد لنوم عميق حتى فجر اليوم التالي!

لكن تلك الليلة كانت تتضمن عملًا إضافيًا صغيرا.. استقبال إحداهن!

كان السيد بيلا قد أوقف السيدة جاكو على أن هناك إحدى (قريباته) قادمة من مدينة (كالبوشفار) لزيارته وستمكث عنده بضعة أيام..

طبعًا كانت مدبرة المنزل المحنكة على علم بجلية الأمر، وكانت تعرف نوعية القرابة التي تربط سيدها بقريبته المعدومة تلك، وتعرف أنها ليست –غالبا- قريبته من الأساس.. بل هي واحدة من عشيقاته الكثيرات اللائي لا حصر لهن واللائي يحضرن لزيارته في المنزل هنا دومًا ويتم تقديمهن إليها على أنهن (قريبات) أو (صديقات للأسرة)..

الله يعلم أية أسرة يقصد، فهي لم تري له أسرة سوى زوجته التي هجرته وهربت مع عشيقها منذ سنوات!

لكن أي من كل تـلك التفاصيـل لم يكـن يمثـل أهمية في نظر السيدة الأريبة..

فهي كانت تعرف كيف تغلق فمها جيدًا، وتحتفظ بآرائها فيما يحدث حولها لنفسها!

حتى اختفاء أولئك الزائرات المقيمات مؤقتا في البيت بشكل مفاجئ لم يكن يثير أي علامات استفهام في رأس السيدة المغلق جيدًا..

كان يكفي أن تسأل مخدومها:

– أين ذهبت السيدة أجيكا (أو أي يكن اسم الزائرة في كل مرة ) يا سيدي؟!

فيجيبها بثقة وهدوء:

– لقد غادرت يا سيدة جاكوبيك.. عادت لقريتها!

عندئذ كان الأمر برمته ينتهي وتكف عن التفكير فيه تمامًا.. وحتى تأتي الزائرة التالية وتختفي هي الأخرى بطريقة سريعة غامضة!

لكن ما شأنها هي بالأمر.. طبعا لا علاقة لها بالأمر ولا يعنيها في شيء أن يكون سيدها زئر نساء.. فكل الرجال كذلك وما الغريب في الأمر؟!

*******

لم يكن هناك شيء غريب، في نظر السيدة جاكو علي الأقل، وعندما دق جرس المنزل منذرًا بقدوم ضيف في تلك الساعة المبكرة من المساء.. توقعت الخادمة العتيدة ما ستجده أمامها بالضبط.. سيدة أخري لطيفة جميلة في أوساط العمر تعتمر قبعة أنيقة عالية مزينة بالريش، وتتحلي بصنوف المجوهرات البراقة، وتجمل وجهها بالأصباغ النسوية النفاذة الرائحة، وتسأل عن السيد صاحب المنزل.. وقد كان!

كل ما تخيلته مدبرة المنزل أنطبق تماما علي الواقفة لدي الباب تحت مظلة كبيرة منشورة، فقد كانت تمطر رذاذا خفيفا في تلك الأمسية، عدا أمر واحد.. فلم تكن جميلة بل دميمة للغاية ولها سحنة قبيحة شاحبة وسمت يوحي بعنز عجوز..

لكن كمية المجوهرات التي ارتدتها ووزعتها بترتيب علي عنقها النحيل ومعصميها وفي شحمتي أذنيها وفوق ردائها المزين ببروش ماسي كبير، كانت كافية لتطفي نور الشمس.. إن كانت هناك شمس مشرقة ساعتها!

وقفت السيدة هناك في الظل الذي يلقيه الباب وسألت بصوت رقيق كالنسيم:

– هل السيد موجود؟!

أومأت المدبرة برأسها فورًا ثم تنحت جانبا وهي تشير للسيدة بالتفضل بالدخول.. وقبل أن تضع الزائرة قدمها الأخرى بداخل البيت كان السيد بيلا يهبط السلم بسرعة وعلي وجهه ابتسامة ترحيب لطيفة أضاءت وجهه وأسرع نحو ضيفته، التي مدت إليه يدها، وتقبل يدها الممدودة إليه وأمسكها ثم أنحني فوقها وقبلها برقة وأناقة وهتف:

– مرحبا بالسيدة آدا!

فبادلته السيدة الابتسام وهي تغض بصرها متظاهرة بالخفر والحياء:

– مرحبا سيد هوفمان يسعدني المرور بمنزلك اللطيف!

لقد شرفتي منزلي الصغير المتواضع سيدتي!

أشار السيد إلي خادمته بلطف فتركتهما وغادرت المكان.. وكانت تعرف الدور المطلوب منها تأديته الآن بالضبط.. ستذهب لإحضار المرطبات وبعض الكعك والشراب ثم ستقدمها وتذهب بعدها إلي غرفتها لتنام..

وفي الصباح ستصحو وتبدأ القيام بأعمالها اليومية لكن السيدة آدا، إن كانت قد سمعت الاسم بشكل صحيح، ستكون غالبا قد غادرت.. ولكن من يكون السيد هوفمان هذا؟!

********

وبمجرد أن ذهبت الخادمة دعا السيد بيلا زائرته اللطيفة السيدة آدا للجلوس.. وسرعان ما حضر واجب الضيافة الثقيل، من شراب وكعك وعصائر متنوعة، محمولًا علي ذراعي مدبرة المنزل فوق صينية ثمينة براقة..

وضعت جاكوبيك الصينية بما عليها فوق خوان من الزان الروماني الصلب، وغادرت المكان بصمت.. ابتسم سيد البيت لزائرته المتأنقة وقال وهو يرمقها بنظرة خاصة:

– تبدين رائعة يا سيدتي الليدي!

كانت يستخدم وصف (الليدي) مع كل ضيفاته وزائراته باعتباره لقب غربي، محبب يثير فيهن غريزة الأريحية والظهور بمظهر سيدات المجتمع المتفتحات، وليس بنات القرى والمدن الصغيرة المنغلقات الجاهلات، لكن آدا أبدت خجلا، لا تحسه في الحقيقة، من نظرة مضيفها العزيز لها كما اعتقدت، مع أن نظرته في الحقيقة لم تكن مركزة عليها هي على وجه الإطلاق، بل علي القلادة الثمينة التي لفت بها جيدها كحبل المشنقة..

ويبدو أن هذه المرأة البائسة تملك مزية التنبؤ بما سيصير إليه حالها عما قريب!

فتح بيلا حوارًا مهمًا مع زائرته وشرح لها ظروفه،

التي سبق أن أطلعها علي بعض منها في الخطابات القليلة التي تبادلاها قبل أن تقدم علي القيام بزيارته في عرينه، ووضح لها أنه أرمل بدون أولاد ويبحث عن الحب والاستقرار والأمان..

سعدت الزائرة بتصريحه المهم هذا، وباعتبارها أرملة بدورها فهي تتطلع إلي نفس تلك الأشياء عينها التي يبحث عنها السيد المحترم.. أي الحب والاستقرار والأمان!

وبدا أن آمال السيد والسيدة المهذبة قد تلاقت، وأنهما تقابلا في منتصف القنطرة بالضبط، وما عليهما سوي أن يعبرا بقيتها متشابكي الأيدي.. كان حلم الزواج العذب قد بدأ يرفرف، كراية وردية في حلم جميل، واعدا إياها بتحقيق قريب لكافة آمالها..

ولأن حسن النية كان متوفرا من جهة الطرفين، كما صار واضحًا، فقد دعا السيد بيلا زائرته إلي تفقد مكتبته الخاصة!

لم تكن آدا بغافلة عما قد تمثله تلك الدعوة من خطورة، وما قد ينجم عنها من أفكار سيئة عنها قد تُزرع في ذهن (زوج المستقبل) وقد تجد صعوبة بالغة في اقتلاعها منه فيما بعد حينما يصيران زوجان بقوة القانون.. لكنها لم تري علي وجهه أي علامات علي سوء تصرف قد يقدم عليه نحوها، ولم يبدو علي الرجل أصلا أنه من هذا النوع!

لذلك لم تستغرق عملية الحسم واتخاذ القرار من الأرملة الطروب سوي دقيقة ونصف فقط أبدت بعدها استعدادها الكامل لأن تذهب برفقة السيد هوفمان لرؤية مكتبته وتفقد مجموعاته الخاصة من الكتب والمخطوطات النادرة وأعداد بالغة القدم من مجلات وصحف توقفت عن الصدور منذ أحقاب.. ولم تأتي السيدة آدا بكل هذه التصورات عما ستراه في مكتبة مضيفها من أم رأسها، بل كان هذه جزأ من إدعاءاته التي غمرها بها في الرسائل القليلة التي تبادلاها معًا..

والتي كانت كلها زائفة والحمد لله!

أفرغت الضيفة جرعة من مشروب البرتقال في جوفها ثم مدت يدها إلي هوفمان، كما يفترض، سامحة له بأن يقودها إلي الطابق الثاني حيث توجد مكتبته الخاصة!

وبينما هما يصعدان الدرج معا كانت جاكوبيك، التي يعتقد سيدها أنها سقطت نائمة في جوف الأرض منذ ساعة علي الأقل، تتنصت علي أصوات أقدامهما التي تدب بخفة علي السلم وجبينها مقطب.. فهي لم تكن ترضي عن تلك الأفعال، ولعلها لو وجدت عملا مناسبا في مكان لآخر، لرحبت بمغادرة منزل السيد بيلاكيس علي الفور.. فهي لا تحب أن تقضي بقية عمرها في بيت ترتكب فيه الخطيئة بشكل دائم!

لكن الحقيقة أن السيدة جاكو بيك المسكينة كان رأسها الصغير أعجز من أن يتوصل لنوعية الخطيئة الحقيقية التي تجري علي قدم وساق في ذلك البيت، عدا ما تتصوره فعلًا.. ولو فعلت لكانت قد هربت إلي أقصي مكان في الكون بعيدًا عن منزل سيدها الموبوء باللعنة!

********

فتح لها الباب وأصر علي أن تتقدمه إلي الداخل.. ففعلت برشاقة والابتسامة لا تفارق وجهها.. دخلت السيدة آدا إلي مكتبة السيد هوفمان، الذي لم تكن تعرف اسمه الحقيقي، لتجد نفسها وسط أغرب مكتبة يمكن أن تقع عليها عين إنسان.. كان هناك عدة رفوف خشبية مثبتة إلي الحائط، ومناضد صغيرة هنا وهناك كلها ملئي بالكتب والمخطوطات، بعضها له أحجام ضخمة وأشكال شريرة للغاية..

كان محتوي تلك الكتب مجهولًا للسيدة، لكن نظرة واحدة إلي أغلفتها الثقيلة، حيث كان لبعض تلك الكتب المهولة أغلفة جلدية كبيرة ومخيفة، وما تحويه من رموز غريبة وأوجه شيطانية وخربشات بلغات لا يبدو أن أحدًا يمكن أن يفهمها في الكون، كافيا لبث الرعب في نفس الأرملة الجريئة.. لكن كل هذا كان قبل أن تقع عينها علي القوارير!

صفوف وراء صفوف من قوارير زجاجية شفافة تسبح فيها مخلوقات صغيرة وسط سوائل رقراقة..

سحالي صغيرة وفئران ميتة تسبح في قواريرها المقفلة وتعوم في سوائل حفظ ملونة مخيفة المنظر.. ورغم أن كافة تلك القوارير كانت محكمة الإغلاق إلا أن آدا شعرت وكأن كل تلك الميتات الجامدة العائمة في زجاجاتها مرشحة لأن تهب من موتها فجأة وتندفع مغادرة محابسها لتلتصق بوجهها هي بالتحديد!

أجفلت آدا لدي تخيلها ذلك المنظر المخيف.. تراجعت إلي الخلف لتجد نفسها تصطدم بمضيفها علي الفور.. أبدت اعتذارها لكنها لم تجد الوقت الكافي لاستكماله لأنه أطبق عليها فجأة!

طوقها بذراعيها فخافت وطاف بعقلها رؤية مفزعة، وإن لم يكن كثيرا، عما ينوي أن يفعله بها.. لكن كافة ما تصورته كان أقل بشاعة من الحقيقة بمراحل!

حاولت التملص منه مبدية الحجل والإحراج.. لكنه أحكم قبضتيه حولها وزاد من ضغط ذراعيه اللتين تطوقانها.. ثم أحاط عنقها النحيل بيديه وبدأ في خنقها!

أصابها رعب مهول وأخذت تحاول دفعه بعيدًا.. لكنها فشلت في تحقيق ذلك.. ارتدت إلي الخلف تحت تأثير قوته لكنه لم يفلتها واستمر في خنقها بشراسة.. حاولت إبعاده عنها، مدت يديها تدافع عن نفسها، وفشلت في تخليص عنقها من بين يديه الفولاذيتين.. فلجأت إلي خربشته في يديه وذراعيه، وحتى وجهه تمكنت من الوصول إليه، أنشبت أظافرها الطويلة المطلية فيه.. لكن كل تلك الدفاعات اليائسة لم تجد نفعا أمام وحشيته وشراسته التي فاقت كل حد كان يمكن لها أن تتصوره في حياتها..

بدأت تفقد قوتها ووعيها فسقطت أرضا وأسقطت في طريقها منضدة محملة بالكتب والمخطوطات الثقيلة الوزن فسقطت علي الأرض محدثة صوتا مدويا.. كان كافيًا لإيقاظ جثة متحللة لكنه لم يكن كافلإيقاظ مدبرة المنزل التي تغط في نومها..

أخيرًا فقدت آدا وعيها.. وتمددت فوق الأرض الصلبة العارية بلا حراك وفوقها وقف قاتلها بيدين ملوثتين بدمها غير المسفوح وبقلب بارد هادئ تمامًا!

لم تكن تلك أول مرة يفعلها.. ولن تكون فالمزيد والمزيد من القتل ينتظره حتى يوقفه القانون أو توقفه السماء!

من عل رمق قتيلته الساكنة بدون أدني إحساس بالشفقة أو الندم.. ثم جلس بجوارها يتأملها بهدوء.. لم يكن وجهها ولا بدنها مدار تأمله بل حليها البراقة وثيابها الأنيقة الباهظة الثمن!

لماذا تأتي كل هؤلاء النسوة وهن يرتدين مثقالًا من الجواهر والذهب ويغطين أنفسهن بالمساحيق والثياب الثمينة؟! أتراهن يشعرن أنهن يذهبن إلي حتفهن بين يديه.. فيأتين متبرجات مستعدات للانتقال إلي العالم الآخر وهن في قمة زينتهن وأناقتهن؟!

سؤال محير.. لكن ما جدوى الإجابة عليه وهو قد سقط علي كنز صغير من المال؟!

جردها من حليها تمامًا.. القلادة، والسوار الماسي، القرط والخواتم التي تزين أصابعها، ثم البروش الكبير فوق ردائها.. ثم بدأ يعدها للانتقال إلي مثواها الأخير والذي لن يكن سوي قعر برميل!

خلع عنها ثيابها وقرر أن يحتفظ بتلك القطع الغالية لعلها تصلح كهدية زفاف فيما لو فكر في الزواج مرة أخرى.. أما القطع التي قد تثير الريبة فقد قرر أن يحرقها كما يفعل بثياب ضحاياه عادة..

وفي النهاية جر الجسد، الذي تجرد من حياته ومن ممتلكاته وحتى من كرامته وحرمته نفسها، إلي حيث ينتظره القبر المفتوح الفريد.. كان برميل آخر من براميله العزيز يوجد بالقرب منتظرًا نصيبه من القرابين كما نالت البراميل الأخرى أنصبتها المحددة لها منذ زمن.. ورفع الجسد القليل الوزن ثم ألقاه في البرميل، ثم عمل علي تعديل وضع الجثة، بحيث لا تعيق أطرافها إغلاق غطاء البرميل بعد صب الكحول فوقها.. وعندما صارت آدا في وضع ممتاز لكي تتلقي هبة التحنيط والحفظ النجسة، أخذ قاتلها يصب الكحول فوقها بكرم شديد.. حتى غطاها السائل العديم اللون وتحولت إلي مجرد جيفة محفوظة في قارورة ضخمة، علي شكل برميل، حتى بدت محاكية ومشابهة لتلك القوارض والزواحف المحبوسة في القوارير.. والتي كانت تخاف أن تقفز علي وجهها منذ بضع دقائق!

فلكم ينتهي الإنسان أحيانا إلي مصير لم يخطط له أبدا.. ولم يكن حتى ليخطر علي باله!

********

أشرقت شمس الصباح علي تلك البقعة الهادئة من الريف الهنغاري وغمرت طرقات (زينكوتا) بضيائها الوهاج..

وفي منزل السيد بيلا كيش أعدت مديرة المنزل الإفطار لمخدومها ووقفت بقربه وهو يتناوله، فلعله يحتاج أي خدمة علي المائدة.. كانت السيدة جاكوبيك صامتة هادئة كعادتها، لكن جوفها كان يضطرم رغبة في المعرفة.. فقد كان لديها فضـول قوي لمعـرفة ما حـدث بين سيـدها وبين الضيقة المتأنقة التي هبطت عليه ليلة أمس!

ورغم وقفتها الرزينة لاحظ المخدوم، الذي كان له نصيب وافر من الذكاء، أن خادمته تريد أن تقول شيئا وربما ستموت إن لم تقله:

– ماذا تريدين يا ماريشكا؟!

ترددت مدبرة المنزل قليلًا وانفرجت شفتاها أخيرا متسائلة بخجل:

– هل.. هل السيدة آدا نائمة بالطابق العلوي يا سيدي؟!

نظر إليه سيدها نظرة عميقة لم ترها على وجهه من قبل، ولا تدري لم أخافتها جدًا، حتى أنها وجدت نفسها تعتذر مبررة:

– عذرًا سيدي.. لكنني كنت أسأل لأعد لها الإفطار وأحمله لها في الفراش إن أمرتني بذلك يا سيدي.. سيدي؟!

كانت تلك أول مرة تكرر فيها ماريشكا جاكوبيك كلمة (سيدي) مرتين في سطر واحد.

لكن السيد كيش أراد حسم تلك المناقشة وإنهاؤها فورًا:

– لقد رحلت السيدة آدا يا سيدة جاكوبيك!

ارتفع حاجبي المرأة الكثيفين معبرين عن دهشتها الشديدة لكنها لم تعلق.. فأكمل السيد مفسرًا:

– كنت أنوي التقدم للزواج بها.. لكننا لم نتفق في بعض الأمور فرحلت عائدة إلي قريتها وانتهي الأمر الآن؟!

لاذت الخادمة بالصمت فكرر السيد منتزعًا منها الإجابة بقوة الوضع القائم:

– ألم ينتهي الأمر بهذه الطريقة يا ماريشكا العزيزة؟!

أخيرا نطقت المرأة فقالت في تأكيد وشبه وعد:

– نعم يا سيدي.. أنتهي تمامًا كما أظن!

(تمت)

********

• من ملفات جرائم القاتل المتسلسل جرائم القاتل المتسلسل الهنغاري بيلا كيش (1877- مجهول).

• صفحة الفيسبوك: حكايات غريبة.. قصص منال عبد الحميد.

*******

عن منال عبد الحميد

كاتبة مصرية، من رواياتها الفانتازية: رواية (ستيغماتا)، ثلاثية (أنهار بابل).