خياليون جدد: من الورق إلى وساط أخرى

تمتد جذور التزاوج بين (الشاشة + الخيال العلمي/ الفانتازيا) إلى زمن السينما الصامتة ذاتها.

يكفي القول أن الفيلم الفرنسي (رحلة إلى القمر) ظهر إلى الوجود عام 1901م، أخرجه وشارك في كتابته (جورج ميلييس)، من وحى روايتيّ (من الأرض إلى القمر) لـ جولي فيرن و(أوائل الرجال على القمر) لـ هربرت جورج ويلز.

تلاه عام 1927م الأيقونة السينمائية الألمانية (متروبوليس) من سيناريو وإخراج (فريتز لانج)، استلهمها أيضًـا من نص أدبي يحمـل نفس الاسـم، بقلم (ثيا فون هاربو).

كشف الناقد (حمادة هزاع) أن مصر لم تكن بعيدة عن اللحاق بتلك الريادة، بواسطة نفس الشخصية المشار إليها في الفصل الأول: (محمود خليل راشد). حيث لم يكتفِ بالكتابة، دشن عام 1934م ما يمكن اعتباره أول فيلم عربي فانتازي (الساحر الصغير).

نتحدث في هذا الفصل عن الأعمال الأدبية المعاصرة (فانتازيا، خيال علمي، رعب) التي نجحت في شق طريقها إلى وسائط فنية أخرى (قصص مصورة، مسلسل، فيلم، إلخ).

بمجرد أن نفتح هذا الموضوع، يخطر للأذهان مباشرة: رواية د. مصطفى محمود (العنكبوت) الصادرة عام 1965م، التي تحولت –بعد ثمانية سنوات- إلى مسلسل، من إخراج (يحيى العلمي)، بطولة (محمود المليجي)، (عزت العلايلي).

تلاها سهرة تلفزيونية حملت (الماسات الخضراء)، مستوحاة عن أحد النصوص القصيرة داخل المجموعة القصصية (الماسات الزيتونية)، لـ (نهاد شريف).

العامل المشترك بين كلا العملين: أنهما يتحدثان عن رجلين يجريان تجارب علمية سرًا. لكن نوع التجارب ذاتها كان مبتكرًا للغاية لدى كلاهما. (لا أريد التحدث بتفاصيل أكثر كي لا أحرق الأحداث، يمكنكم قراءة النص الأدبي، وغالبًا ستستمع عزيزي القارئ). لكن بخصوص المسلسل أو السهرة التلفزيونية، فربما لو شاهد الجيل الحالي مثل هذه الأعمال، سيراها بدائية إلى حد ما، بل لعله لن يستطع إكمالها.

لكن بالنسبة إليّ –كأحد أبناء الجيل الذي تربى عليها- لا زلت أذكر مثلًا رعبي إبان رؤية مشهد (البانيو) في (الماسات الخضراء)، بالإضافة إلى النهاية القوية والمفتوحة لـ (العنكبوت).

حاز (نهاد شريف) نصيبًا آخر في وصول أعماله إلى الشاشة، يتمثل في قيام المخرج الكبير (كمال الشيخ) بتحول رواية (قاهر الزمن) إلى فيلم بنفس العنوان عام 1987م، بطولة (نور الشريف).

لن نبالغ لو أقررنا بأن أحمد خالد توفيق حقق كل ما يمكن لكاتب تحقيقه:

– أجيال كاملة تربت على أعماله، من المحيط إلى الخليج.

– مجموع النسخ المباعة قد يقدر بالملايين.

– الحصول على جائزة ليست بالهينة: (مثل إيكاروس) حصدت أفضل رواية عربية في معرض الشارقة 2016م.

– كتب العديد من قصص الكوميكس، نشرت في مجلات (باسم)، بالإضافة ملحق (صبيان وبنات) الذي كان يصدر برفقة عدد جريدة أخبار اليوم، بل تحولت شخصية (رفعت اسماعيل) ذاتها إلى قصص مصورة، مثل (ميسيا) و(أسطورة المرأة الأفعى).

الحلم الوحيد الذي لم يتحقق، صرح بيه د. أحمد خالد في عدد من لقاءاته التفزيونية:

– أن يرى أعماله على الشاشة (مسلسل أو فيلم).

للأسف، يشاء القدر أن يرحل  الكاتب العظيم عن عالمنا، قبل أن يرى مسلسل (زودياك) الذي عرض في الموسم الرمضاني عام 2019م، المستوحى عن روايته (حظك اليوم). ثم جاء الخبر الفارق في وقت لاحق من نفس العام، عندما أعلنت شركة (نتفلكس) العالمية عن إنتاج مسلسل مستوحى من السلسلة الأشهر (ما وراء الطبيعة). سيشرف على خروجه إلى النور: المخرج (عمرو سلامة) إلى جوار السيناريست والمنتج (محمد حفظي)، تم إسناد دور البطولة إلى (أحمد أمين)، وينتظر أن يتم تصويره في نوفمبر الجاري.

– لماذا تأخرت هذه الخطوة؟

أشار د. أحمد خالد توفيق –في أحد حواراته التلفزيونية- إلى ظهور منتج أو مخرج بين الحين والآخر، لا يلبث المشروع أن يمر بتعديلات من هذا أو ذاك، فتجد نفسك في النهاية أمام عمل مختلف تمامًا عن الذي كتبته.

أضاف (توفيــق) التعثــر إلى سببًـا آخــر: يتعلـق باستقراره في (طنطا)، بينما كي يمضي المرء قدمًا في هذا المجال بالذات، لابد أن تعيش داخل دائرة الفرص.. داخل العاصمة.

لا شك أن (الإقامة في الأقاليم) تعرقل بالفعل، لكن الحياة بـ (القاهرة) وحدها لا تكفل النجاح بالضرورة، بدليل إقدام دكتور (نبيل) فعل ذلك، ورغم هذا لم يقطع شوطًا واسعًا في مجال السينما أو التليفزيون، باستثناء فيلم (الرهينة) ومسلسل (العميـل 1001)، بالإضــافة إلى تحـويل (رجل المستحيل) إلى مسلسل إذاعي.

المفارقة الأكبر -بالنسبة إليّ-  أن د. نبيل ود. أحمد خالد لم يوفقا كثيرًا في هذا الدرب، مع أنهما الرعيل الأول والأشهر في روايات مصرية للجيب، بعكس الجيل الثاني المتمثل في (تامر إبراهيم) و(محمد سليمان عبد المالك).

لا أعنى أبدًا بأن الأخيران لا يستحقان، بل بذلا مجهودًا وتفرغًا جعلهما جديران بما وصلا إليه حاليًا، كما أنهما –على أي حال- كتبا سيناريوهات خصيصًا للدراما أو السينما، لم تعرض لهما أعمال مقتبسة عن نصوص نشروها في روايات مصرية للجيب، مما يجعل مسلسلاتهم وأفلامهم خارج نطاق ما نستهدفه في هذا الفصل، حتى وإن كان بعضها قريب من الفانتازيا أو الرعب مثل مشاركتهما –سويًا- ضمن فريق كتابة مسلسل (أبواب الخوف).

جدير بالذكـر أنني أصنـف ذاك المسلسل باعتبـاره أفضل مسلسل رعب عربي، والأكثر تماسكًا. يليه بمسافة (كفر دلهاب) و(الكبريت الأحمر جـ 1).

أما بالنسبة للفانتازيا، فقد كانت –بدرجة أو بأخرى- عنصرًا حاضرًا داخل الثلاثية الناجحة للسيناريست (محمد أمين راضي): (نيران صديقة)، (السبع وصايا)، (العهد).

على الجانب الآخر، قدم (عمرو سلامة) أفكارًا فانتازية جديدة على السينما المصرية، من خلال فيلميه: (زي النهاردة) و(مصور قتيل). مع التأكيد على أن كلاهما ليسا مستوحين عن نص أدبي، بينما ينطبق هذا المعيار على (الفيل الأزرق) مثلًا.

صدر الجزء الأول عام 2014م، بطولة (كريم عبد العزيز)، إخراج (مروان حامد). حقق الفيلم إيرادات بلغت 35 مليون جنيهًا، بينما قفزت إيرادات الجزء الثاني الذي أنتج عام 2019م، إلى 102 مليون جنيه، وهو رقم جدير بلفت الأنظار حتى مع مراعاة آثار تعويم الجنيه وارتفاع سعر تذكرة السينما. لذلك، لم يكن غريبًا أن يعلن فريق العمل عن نيتهم إنتاج جزء ثالث.

حازت خشبة (المسرح) نصيبًا من النصوص الأدبية المرعبة، أبرزها رواية (نصف ميت) للروائي (حسن الجندي)، التي قدمتها فرقة (كواليس) بالمنيا.

تحدثنا خلال الفصول السابقة عن نصوص أدبية وجدت طريقها إلى الشاشة، لكن –على سبيل إكمال الصورة- رأيت من الضروري الحديث الأعمال التي حدث لها العكس: «سيناريو تحوَّل إلى رواية».

مر (محمود عبد العزيز أبو العلا) بنفس المسار، عندما كتب سيناريو رعب كوميدي (14 مجاورة 12). صادفه سوء حظ في إيجاد شركة تتبنى المشروع، فأعاد معالجته لاحقًا في هيئة رواية، صدرت عام 2018م عن دار (زيرو وان) للنشر والتوزيع.

**********

حصل الكاتب المغربي (عبد الصمد الغزواني) عام 2009م على المركز الأول في مسابقة (نبيل فاروق) للخيال العلمي عن قصة (كهف حر). قبل أن يتعاون مع مواطنه المبرمج والسينمائي (أحمد اكشيكش)، أنتجا فيلميّ خيال علمي قصيرين: أولهما: (008) عام 2014م. الثاني: (سلسلة حمادي / الحلقة الأولى: وليدة) عام 2015م.

كما نرى، كلها اجتهادات محمودة، حتى وإن لم تكن الأولى من نوعها، حيث ذكرنا سابقًا خلال هذا الفصـل عـدد من نصـوص الخيـال العلمـي التي تحولت إلى (أفلام، مسلسلات، قصص مصورة).

إلى أن قرر الثنائي عام 2019م إلى التفكير خارج الصندوق، والذهاب بأحد نصوص الخيال العلمي إلى وسيط مختلف تمامًا.

بعد مرور عشرة أعوام من فوز (كهف حر) بالجـائزة، تعـاون كلاهمـا  في تحويلهـا إلى (تطبيــق موبايل) يصفه صانعوه بأنه:

– أول قصة تفاعلية ثلاثية الأبعاد في تاريخ الخيال العلمي العربي.

*********

• نُشر المقال السابق كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).