خدعة (تحضير الأرواح)

من العراق، يكتب (حسين الحمداني).

في الحقيقة، قبل كتابة هذا المقال أخذت وقتي جيدًا حتى يخرج بشكل متكامل وبسيط، وبصراحة تامة، الأشياء التي سيتم ذكرها داخل هذا المقال هي أشياء سمعت بها من قبل فعلًا، لكن ما لم تسمعه مطلقـًا هي الردود المقنعة من أصحـاب العلم على هذه الأشـياء.

في الفترة الأخيرة، ركز أهل العلم اهتماماتهم على أشياء وظواهر غريبة تثير فزع الناس واعتبرها البعض حقيقية، والآخرون اعتبروها أسـاطير، لكن مع الزمن بدأت الناس تروج لبعض الظواهر عن طريق كتابة القصص والأفلام والروايـات فقط لترسيخ الفكرة وثبات صدقها ونيل الشهرة من قبل كاتبها من ضمن هذه الأشيـاء.

-جلسات تحضير الأرواح:

واحدة من أشهر خرافات العصر القديم، يقـال أنها واحدة من طرق التواصل مع الأرواح عن طريق استحضار روح الميـت والاتصـال بها عن طريق التخاطر العقلي أو الروحي، انتشرت هذه الظاهرة في العام 1700م بعد ظهور الرجل المستذئب والسحرة والمشعوذيين ومصاصي الدماء، وربما يكون تاريخ هؤلاء أقدم من هذه الجلسـات لكن هذه الظاهرة معلقة في الهواء بين الرفض والقبول بين المحبين للخداع أنفسهم وبين أصحاب الرأي الصادق.

-جلسـات التحضير الأرواح فى الماضي:

عادة ما يكون المستحضر واحد من السحرة آنذاك يجلس متربع القدمين ثم يأتي الزبون الفقير – الجاهل بالشيء- ويطلب منه استحضار روح أحد أقربائه حتى يطمئن على حاله أو الاستفسار عن شيء ما.

بعدها يقوم الساحر بأخذ بعض التفاصيل التي يستعمل فيها ذكائه الحاد بعد حين، ليقنع الزبون بالردود التي يريد سماعها.

يختلق الساحر أحداث وتفاصيل أثناء استحضار الروح ويمثل الرعشة الجسدية والهدوء الساكن في ذهنه، ثم يقول “إنه هنا “، سله وأنا سوف أسمعه وأجيبك بما يقول، هكذا سار السيناريو. ومن شدة جهل الناس تهاوي على عتبة باب السحرة ومستحضري الأرواح، نبلاء وأمراء وسحرة مبتدئين وحتى أفقر الفقراء، مما أدى إلى دفع هذا الظاهرة لتبرز على سطح التاريخ والأحداث.

-جلسـات التحضير الأرواح فى الوقت الحالي:

من باب التطور والخروج من القالب التقليدي لمثل هذه الأمور. جلسات التحضير أصحبت سلعة رائجة في سوق ضعفاء النفوس والذين يحبون بعث الطمأنينة في نفوسهم عن طريق كلام الدجالين والمنجمين، جلسات التحضير مع دخول التسعينات باتت تستلزم من شخص إلى خمسة أشخاص يجلسون بطريقة دائرية أو مربعة حسب شكل الطاولة التي يجلسون عليها ثم تتشابك أيديهم من باب بث الطاقة الروحية بينهم، غالبـا يكون اثنان من هؤلاء الخمسة أشخاص؛ ساحر يعمل اللازم، ورجل دين يقوم بتحصين الحاضرين.

وهذا أيضا جزء من أجزاء المبالغة بالأمر، المهم بنفس المظهر الطبيعي للاستحضار الروح والساحر أو المستحضر يتمتم بعض الكلام الغير مفهوم حتى يطمئن الناس أنه يقوم بعمله على أكمل وجه، ثم صمت:

“يا أيتها الروح النقية، يا أيتها الروح النقية يا روح فلان، هل أنتِ في المكان؟ اخبرينا إذا حان الأوان؟”

الطريقة المعروفة من الإشارات الروحية لوجودها هي إسقاط شيء من التحف أو صورة معلقة أو إطفاء الشموع إن وجدت في الجلسة، طبعًا أجواء كهذا تضفي على الحاضرين شيء من الخوف والقلق ويبدأوا بالرعشة الجسدية والتمتمة بما يحفظون من تحصينات دينية.

-بين الشهرة والصدمة (تجربة جون إدوارد):

للتعريف عن جون إدوراد، هو وسيط روحاني ويعد أيضا من أفضل ممن يستعملون التخاطر، هذا الشخص أثار جدل واسع في عام 2003-2004 قام بتجربة جرئية جدًا، وهي قراءة أفكار المشاهدين والحاضرين داخل الأستوديو حتى يثبت صحة ما يفعله.

أخذ ما يقارب مدة الربع ساعة فقط حتى استطاع قراءة ما يدور في ذهن الجمهور، وكانت المفاجاة، أنه بدأ يسأل الناس عن ما يفكرون به من مشاريع زواج وارتباطات، وأيضا علاقات خاصة.

جانب آخر من مفاجآته أنه قام بتأصيل أصول كل شخص، مثلًا: أنت ابن فلان وفلان وفلان، ويرجع نسبك وأصلك إلى الملك فلان أو الملكة فلانة.

وهكذا ظل الناس فاغري الفاه، أمور كهذه جعلت “جون” أشبه بنجوم هوليوود وربما أكثر شهرة، لأنه بمعلوماته هذه يشكل خطر على البشرية فيجب التودد له، أول تجربة تخاطر مع الأرواح قام بها على الهواء أثارت ضجة وجدل المنتديات والصحف، لأنه قام باستحضـار روح أحد أقرباء الحاضرين في الأستوديو.

أحد حلقات برنامجه الشهير:

 

-الحقيقة خلف جون إدوارد:

في الواقع، روح الشخص الذي أراد استحضاره لم تحضر ولم تتواصل قط مع جون دهشة عارمة وذهول بالغ التعابير:

– “كيف لوسيط متمكن يفشل في استحضار روح شخص عادي؟!”

قام بالتقليل من حدة الأمر بحجة عدم التركيز أو الروح غير مارة بالمحيط الكوني وعدد من الأعذار والحجج التافهة.

كيف يعرف أفكار الحاضرين داخل الأستوديو ؟

حسنًا هذا سؤال جيد، لاحظ عزيزي القارئ أنه يطلب من الحضور جلب شجرة العائلة معهم،
ومن هذا المنطلق يقوم بإجراء أبحاثه وتحضير جمل مفيدة تساعده على خلق جو من الروحانية والمصداقية لديه.

وفي نهاية مطاف جون إدوارد وبعد تعرضه للفضيحة الكبيرة توقف عن العمل، وكان آخر ظهور تلفزيوني عالمي له في برنامج (أوبرا وينفري) حيث أفصح به عن جميع أسرار المهنة.

-كلمة من الكاتب:

أحب أن أبدأ كلامي باقتباس من الرائع الراحل أنيس منصور حيث قال:

“إذا كنت تصدق كل ماتقرا، لا تقرأ”.

مواقع السوشال ميديا والكتب التجارية التي تروج لهذه الأمور ما يملكون من غرض سوى شهرة ونفوذ، وأحيانا جني المال، لاحظ عزيزي القارئ أن العلم مهما تطور ومهما وصل إليه  من درجات من التفوق الإبداعي، إلى أنه وقف حائر واستعصى عليه أمران، الموت والروح، فالروح هي السر الإلهي الأعظم الذي طالما سعي العلم لكشفه، لكنهم فشلوا، أما الموت فهو بحث عميق جدًا، يفتح لك ألف باب وباب، ولن تحصل على إجابة مقنعة، فمن الآخر تناسى السمع عن هذه الأمور وعش حياتك.

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.