الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

منذر القباني جـ 2: النظر بتعالي إلى (أدب الخيال) يعكس سطحية بعض النقاد

روائي وطبيب سعودي، من أبرز أعماله: ثلاثية (فرسان وكهنة). التي خصصنا لها النصف الأول من الحوار، ثم ننتقل الآن إلى دردشة أكثر توسعًا -في مواضيع أخرى- مع الكاتب (منذر السعودي)، عن..

• كيف كانت بداياتك الأدبية؟

البداية كانت مع القراءة لا شك..

كنت كثير القراءة، تنوعت قراءاتي بين الأدب – سواء العربي أو العالمي- والتاريخ والعلوم، لذلك.. تجد أن رواياتي (خاصة الخمس الأوائل) كانت متأثرة بالجانبين (التاريخي والعلمي) خاصة ثلاثية (فرسان وكهنة). وهذا تأثرًا بقراءاتي التي بدأتها منذ الصغر، وهي مستمرة إلى الآن في ذات السياق المتنوع بين الأدب والتاريخ والفكر والفلسفة وبعض المواضيع الأخرى المعرفية.

طبعًا كانت هناك محاولات كتابية متنوعة، لكنها –بصراحة- لم تكن ناضجة، كتبت بعض القصص القصيرة، حاولت أن أكتب رواية في المرحلة الدراسية، لكنها لم تسفر عن شيء ذي قيمة.

في أوائل الثلاثينيات، اكتملت أول محاولة أدبية جادة لي، التي أسفرت عن رواية (حكومة الظل).. ربما لأن حصيلتي من القراءات الكثيرة وقتها، كونت مخزون أتاح لي كتابة رواية أعتد بها.

• المؤلفين الذين تأثرت بهم في طفولتك؟

تأثرت بكل من قرأت لهم. سواء روائيين أو كتاب غير روائيين.

من أكثر من تأثرت بهم في العالم العربي تحديدًا: (نجيب محفوظ)، (توفيق الحكيم).

قوة أسلوب عباس محمود العقاد، ونضجه الفكري، وقدرته على التحليل.

طه حسين في سلاسته.

بالنسبة للأدب العالمي: (أمبرتو إيكو). الذي يعد الأب الروحي للتشويق الفكري، من خلال روايتيه الشهيرتين (اسم الوردة) و(بندول فوكو).

كذلك أعجبني الأسلوب التشويقي لـ (أجاثا كريستي) وسير (آرثر كونان دويل)، ولاحقًا (دان براون).

• تأثير الفترة التي قضيتها في كندا عليك، سواء على المستوى الشخصي، أو على كتاباتك؟

كانت فترة مثمرة، رغم أنني انشغلت خلالها بالطب. لم يكن لدي وقت للقراءة أو الكتابة صراحةً.

كل جهدي انكب على نيل البورد الكندي في مجال الجراحة. لكنها أفادتني بالتعرف على ثقافات مختلفة، كندا تحتوى على مهاجرين من كل أنحاء الأرض، عندما يقابل الإنسان بشرًا من كل بقاع الأرض، يثمر ذلك –بلا شك- إثراء معرفي. لعل هذا أحد الأسباب التي جعلت أعمالي ليست محلية، بمعنى أن أحداثها تدور في بقاع كثيرة من العالم، شخصياتها متنوعة، ليس جميعًا عربية أو مسلمة مثلًا، مما يصب في إيماني بأننا نعيش في قرية صغيرة.

لم يعد من يعيش في القاهرة، معنيًا بمشاكل القاهرة وحسب. ومن يعيش في الرياض، لم يعد معنيًا بمشاكل الرياض فحسب. وهكذا.

أصبح العالم متصلًا لدرجة أنه: إذا سعل شخص في أمريكا، قد يصاب شخص في ماليزيا بالبرد.

بالتالي.. هذا الانفتاح على العالم، وجد نفسه حاضرًا في أعمالي.

• كيفية التوفيق بين الطب والأدب؟

المسألة تتعلق بـ (إدارة الوقت).

السؤال الحقيقي: ماذا يفعل الإنسان في أوقات فراغه التي -بالتأكيد- نملكها جميعًا؟

فالوقت يكفي لممارسة عملي الطب، بينما  أوقات فراغي أكرسها بين الأسرة وبين هوايتي للكتابة.

بالتأكيد هناك مؤلفين لديهم طقوس، وأوقات محددة للكتابة أو القراءة بين الساعة كذا وكذا.

أما من ناحيتي، لا توجد لدي طقوس، أنا كاتب مزاجي في الحقيقة، عندما أشعر برغبة في الكتابة.. أستغل وقت الفراغ عندي كي أكتب، سواء كنت في المنزل، أو أجازة، أو في المكتب.

• رأيك في انطباعات بعض القراء: أن ثنائية (حكومة الظل) كانت محاولة متأثرة أكثر من اللازم بعوالم (دان براون)؟

إلى حد ما كانت متأثرة بـ (دان براون)، بالأسلوب التشويقي والمؤامراتي.

حاولت أن أضيف نكهة إضافية (التنقل بين الماضي والحاضر، الطابع الفكري الموجود في الثنائية، …). ربما يكون هذا مختلفًا بعض الشيء عن دان براون، لكن.. نعم.. هناك كتابات كثيرة في الصحف تحدثت عن هذه التشابه بين الثنائية وبين أعمال (دان براون). لدرجة أنهم –كما تعلم- كثيرون أطلقوا عليّ (دان براون العرب). لم يعجبني اللقب شخصيًا. أراه جائرًا، في النهاية- كل كاتب يمثل نفسه، ولسنا بحاجة في العالم العربي أن نتشبه بكتاب أجانب، حتى لو كانوا ناجحين.

لكنني أقدر من أطلق هذا الوصف، أعتبره من (باب محبة)، يريدون القول بأن أسلوبي يشبه كاتب آخر مشهور جدًا.

فيما بعد، كنت حريصًا أن أطور من نفسي ومن أدواتي بشكل كبير، كي أزيح هذا التشابه جانبًا، وأظن أنني نجحت بحمد الله، بدءًا من (فرسان وكهنة) وحتى (صيد الساحرات).

• إلى أي مدى تعكس روايتك الأخيرة (صائد الساحرات) انطباعاتك الحقيقية عن الوسط الأدبي؟

روايتي الأخيرة (صائد الساحرات) هي رواية ساخرة، رغم أنها رواية تدخل ضمن الأدب البوليسي، هي –في ذات الوقت- تتطرق للمشهد الأدبي في العالم العربي بشكل عام، والمشهد السعودي بشكل خاص. وكيف ينظر إلى الأدب البوليسي على أنه أدب دوني، مع أن الأدب الخيالي (سواء تشويقي أو بوليسي أو خيال علمي) يتطلب خيال واسع وقدرة غير سهلة على الحبك، فمن السهل أن تكتب عن شيء قائم، بينما من الصعب تخيل شيء غير موجود.

كانت الرواية تنظر بشكل ساخر للوسط الثقافي وعلاقته بالأدب البوليسي. نعم هي نظرة ساخرة إن جاز التعبير، لكنها أظنها صادقة وليست بعيدة عن الحقيقة.

• ما هو أفضل أعمالك من وجهة نظرك؟ أو الذي يعبر عنك أكثر من غيره؟

أحب جميع أعمالي، لا أستطيع القول أن عمل ما يمثلني أكثر من غيره.

لكن في النهاية، لكن في النهاية (العمل الأدبي) عمل خيالي. ليس سيرة ذاتية، نعم، ربما قد تتأثر بحياتي الشخصية، أو بأشخاص أعرفهم.

لكن في النهاية عمل خيالي، فيه كثير من الخيال، وإن مزج بالواقع.

وجميعها –في الحقيقة- أحبها بنفس القدر.

يعاني الوطن العربي من فجوة كبيرة بيننا وبين الغرب، فيما يخص أدب الخيال العلمي والفانتازيا؟ كيف السبيل إلى تقليل هذه الفجوة من وجهة نظرك؟

لا شك أن هناك فجوة كبيرة بين العرب والغرب في أدب الخيال بشكل عام، سواء (فانتازيا، بوليسي، رعب، خيال علمي، إلخ). جزء من تلك المشكلة يرجع إلى أننا شعوب تعاني شحًا في الخيال. خصوصًا أن هذه الأعمال تحتاج إلى خيال خصب. فنجد أن إبداعنا محدود في العالم العربي، ليس فقط على الصعيد الأدبي، بل على كافة الأصعدة (العلمي، الثقافي، الفلسفي، إلخ). توجد فجوة كبيرة بينا وبين الغرب.

الخيال هو الأساس. أينشتاين لديه مقولة ربما يعرفها الكثيرون:

– الخيال أعظم من المعرفة. لأن المعرفة المحدودة، بينما الخيال ليس له حدود.

نحن بحاجة إلى تنمية الخيال لدى شبابنا وأطفالنا، وليس على تكبيل الخيال. أما فيما يتعلق بالأدب بشكل خاص، نحن نحتاج إلى الاحتفاء بالأعمال الخيالية، نضعها في الصدارة. لكن مع الأسف أرى أن بعض مثقفينا ينظرون إليها نظرة دونية، وهذا انعكاس إلى تأخرهم وتخلفهم هم، وليس انعكاس لأدب الخيال.

ففي كل أنحاء العالم، يلاقي أدب الخيال احتفاءًا وتقديرًا واسعًا.

في المعتاد، يندر وصول روايات الخيال العلمي والفانتازيا إلى قائمة (الأكثر مبيعًا) في المكتبات العربية، عدا روايات قليلة التي كسرت هذا الحاجز، فكيف استقلبت النجاح الذي حققته رواياتك الخمسة الأولى في هذا الصدد؟

أعتقد أن القارئ العربي يبحث عن كل ما هو جديد.

لست وحدي من أستطاع الوصول إلى قائمة الأكثر بعيدًا من خلال أدب الخيال. هناك المرحوم أحمد خالد توفيق، والكاتب السعودي إبراهيم عباس.

الأدب الخيالي المكتوب بشكل جيد، يلاقي رواج في العالم العربي، بل وفي العالم أجمع، إذ يدغدغ رغبة القارئ في استكشاف كل ما هو مجهول، والتطرق إلى آفاق جديدة أوسع من الواقع الذي نعيشه.

بالتالي، الأدب الخيالي -عندما يكتب بشكل جيد- لا أرى أن نجاحه يشكل مفاجأة، بل يعتبر حينذاك أمرًا طبيعيًا.

• خلال محطاتك الأدبية السابقة: انتقلت ما بين ألوان أدبية مختلفة (المغامرات التشويقية- الخيال العلمي الممتزج بالتاريخ- الرواية البوليسية)، هل ستستمر في انتهاج عدم التخصص؟ أم أن هناك لونًا أدبيًا تود أن تتوقف عنده أكثر من غيره؟

بشكل عام، لا أحب التركيز في قالب أدبي واحد، كي لا أصاب بالملل.

ومع ذلك، هناك طابع عام يغلب على أعمالي.. هو (التشويق الفكري).

بمعنى: الأدب الذي يجمع بين التشويق والإثارة، وفي نفس الوقت.. يقدم طرحًا فكريًا أو ثقافيًا.

هذا الأمر منذ بدايتي في حكومة الظل، بل أن بعض من كتب عن هذه العمل وعني في تلك الفكرة، اعتبروا أن هذه الرواية (مولد التشويق الفكري في العالم العربي). فبشكل ما، أعتبر عراب هذا القالب الأدبي.

لذلك قد تجد لي أعمالًا بوليسية، خيال علمي، خيالية، بل وعمل اجتماعي مثل (زوجة واحدة لا تكفي، زوج واحد كثير).

التنوع أراه جيدًا، لكن الطابع العام الذي يمتاز به (منذر قباني) هو التشويق الفكري بحسب اعتقادي.

• أبرز التغييرات التي طرأت على الوسط الأدبي السعودي في السنوات الأخيرة؟

المشهد الأدبي السعودي تغير بشكل كبير خلال السنوات العشرة الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بالرواية (غير الاجتماعية) إن جاز التعبير، سواء كانت الخيال العلمي، البوليسية، إلخ.

ظهر عدد كبير من الكتاب الذين تطرقوا إلى هذه المواضيع، وبرزوا فيها.

استطاعت الرواية أن تتطور بشكل كبير، وتخرج عن الرواية الاجتماعية الصرفة، وهذا تقدم محمود. هذا –طبعًا- بجانب أن الرواية الاجتماعية شهدت تطورًا جيدًا، وظهرت أسماء برزت على صعيد العالم العربي، بل ونالت جوائز مرموقة بشكل كبير.

• هل تؤمن بوجود خطوط حمراء في الكتابة، يضعها المؤلف لنفسه؟

لا أؤمن بالخطوط الحمراء في الكتابة.

أرى أن المبدع يجب أن يخرج ما لديه بدون رقيب، هو من الممكن أن يكون رقيبًا لنفسه.

الأدب -والإبداع بشكل عام- لا يفترض أن يكون حوله خطوطًا حمراء، وإلا لم يعد إبداعًا.  أصبح مكبلًا. ونعم نعلم أن الإبداع يصعب عليه العيش وسط جو من التكبيل.

في وقت سابق، منعت الرقابة رواية (حوجن)؟ كيف ترى فكرة وجود رقابة من الأساس؟

أنا طبعًا غير الرقابة. نحن في زمن يصعب –عمليًا- أن تتوفر فيه رقابة.

أي شخص يستطيع أن ينزل عمل يريده من خلال الانترنت، حتى لو كان ممنوعًا.

بالتالي لم يعد للرقابة معنى في ظل الانفتاح العالمي الذي نعيشه، وأنا ضد الرقابة عمومًا.

الإنسان هو الذي يحدد لنفسه ماذا يقرأ وماذا لا يقرأ. لا يحتاج إلى جهة أخرى كي تخبره (ما الذي يقرأه، ما الذي لا يفترض أن يقرأه، ما الذي يشكل خطرًا عليه). أعتقد أن هذه وصاية لم تعد مقبولة في هذا الزمن.

وكأن بعض النقاد يربطون بين الملل والعمق. حيث يتعاملون أي رواية شيقة على أنها سطحية أو أدب خفيف يصلح للتسلية فحسب. كيف ترى مثل هذه الآراء؟

مع الأسف، هذه النظرة تعكس مدى سطحية بعض النقاد، لا أقول جميعهم، لكن بعضهم. بالعكس، أسهل شيء أن تكتب كلام غير مفهوم، وتتظاهر من خلاله بأنه يحمل عمقًا. بينما العمق الحقيقي هو الذي يأتي بشكل واضح، عندما يطالع القارئ عملًا عميقًا، بلغة سلسة.  هذه هي المقدرة والتمكن الحقيقي.

وهذا لا يجيده الكثيرون في العالم ككل، على سبيل المثال (أمبرتو إيكو)، الذي أعتبره فيلسوفًا وأديبًا رائعًا، كتب عدة روايات عميقة تحتوى على فكرة أخاذ، وفي نفس الوقت.. لغتها جميلة وسلسلة.. مثل (اسم الوردة، مقبرة براج، بندول فوكو).

لن نذهب بعيدًا، أعمال (نجيب محفوظ) كانت تحتوى على عمق كبير، بينما اللغة بسيطة وسهلة، لذلك كان يقرأها الجميع.

نفس الشيء ينطبق على (طه حسين).. و(توفيق الحكيم)..

بالتالي.. أنا ضد فكرة: ضرورة استخدام لغة صعبة كي تعكس عمقًا.

لا، ليس بالضرورة، قد تكون لغة سهلة، وتحوى عمقًا. وقد تكون اللغة مستعصية على الفهم، بينما هي في قمة السطحية.

ما الخطوة التي أخدتها في مشوارك الأدبي، و لو عاد بك الزمن إلى الوراء، كنت لترغب في عدم أخدها؟

لكي أكون صادقًا معك، لم أندم على خطوة في مشواري الأدبي.

مقتنع غاية الاقتناع بما قدمته، ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لفعلت ما فعلته.

ربما الشيء الوحيد الذي ندمت عليها:

– أول ناشر تعاملت معه في الطبعة الأولى من الرواية الأولى (حكومة الظل). كان ناشرًا.. دعني أقول: لم يلب طموحاتي. وهو بعد ذلك لم يعد له وجود، اختفى وأغلق أبوابه.

الحمد لله انتقلت إلى ناشر آخر (الدار العربية للعلوم ناشرون)، انتقلت إليهم منذ الطبعة الثانية لـ (حكومة الظل)، ثم بقية أعمالي.. ما عدا الرواية الأخيرة.

حالفني الحظ بأنني تعاملت لاحقًا مع ناشرين جيدين.

هذه هي الخطوة التي قد أكون ندمت عليها، ولو عاد بي الزمن، لما ذهبت إلى هذا الناشر –الذي لا أود ذكر اسمه-، وعلى أي حال اختفي وأغلق أبوابه حاليًا.

ورغم أخطاء الطبعة الأولى، وعدم تلبية ذاك الناشر للأمور المتفق عليها، نجحت (حكومة الظل) رغم ذلك.

إنما بشكل عام، أنا سعيد وراضٍ عن مشواري ككل، ولا يوجد شيء أساسي  يجعلني أقول (أنني أخطأت في هذه الخطوة، أو ندمت عليها).

كنت موفقًا منذ العمل الأول، وهذا بفضل الله سبحانه وتعالي، ثم بفضل تشجيع القراء.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).