منجمون في معاطف العلماء

المستقبل.

سعى الإنسان -منذ بدء الخليقة- بكل الطرق لاختلاس -ولو نظرة- إلي كنهه، من هنا لم يخلُ بلاط الممالك القديمة من شخصية هامة.. “المنجِّم”.. أو “العرّاف”.

استمرت رواسب عن هذه القناعات حتى العصـر الحديث، فيروي عن  (هتلر) أنه كان يعتقد في التنجيم بشدة.

أحد أشهر المتنبئين على مر التاريخ -إن لم يكن أشهرهم بالفعل- (ميشيل دي نوسترادام) (1503-1566)، أو كما تعرفه الكتب بالمرادف اللاتيني لاسمه (نوسترداموس).

بدأت رحلة حياته كطبيب فرنسي غريب الأطوار، يجوب البلدان سعيًا لمواجهة (الطاعون) الذي اجتاح أوربا، ماتت زوجته وأولاده أنفسهم أمام عينيه إثر الوباء، فانكب على العلوم الماورائية، ونظم نبوءاته على شكل أبيات شعرية قصيرة، جمعها في كتاب أسماه (قرون).

انبرى المعارضون للتشكيك فيه، وانقسموا ما بين مخمن أنها مجرد تفسير لرموز الكتاب المقدس التي يقال عنها (Bible Code)، وما بين قائل أن طبيعة النبوءات مبهمة بالأساس، وقابلة لأكثر من تفسير.

ومن ثم يلبسها الناس لكل الأحداث الكبرى التي تحدث حولهم، أو كما قيل على حد تعبير أحدهم: «يقومون بتفصيل الكلمات على اللحن».

لنأخذ على سبيل المثال نبوءته:

ستصدر من الجماهير المستعبدة أغاني وأناشيد وطلبات

بينما يلقى القبض على الأمراء واللوردات ويودعون في السجون

وهؤلاء سوف يُسلمون إلى أغبياء بدون رؤوس كصلوات مقدسة

البعض هام انبهارًا بهذه النبوءة الهلامية، وقال أنها تنطبق بالضبط على الثورة الفرنسية عام 1792م، في حين أننا لو دققنا النظر جيدًا، سنجد أن الجميع يستطيع قياسها على 90% من الثورات؛ فجميعها تبدر عن جماهير صاخبة بالتنديد والمطالب، ويلقى القبض على رموز النظام الفائت، ليتم التعامل معهم بأقصى درجات البطش.

استمر خلفاء (نوستراداموس) أمثال (إدجار كايس) وغيره، حتى قرر رجال الدين اتخاذ  موقف، قرروا رسم المستقبل -بدورهم- مع فارق وصفهم الصريح لنصوصهم -منذ البداية- بأنها مجرد “تخيلات”، وقد وجدوها مجالًا جيدًا للتعبير عن فكرهم، سواء بغرض التبشير أو التحذير:

ففي عام 1723م، طرح القس (صامويل مادن) كتابًا خياليًا أخذ شكل رسائل تحذيرية، مصدرها سفراء بريطانيا في المستقبل، بالتحديد في عامي 1997م و1998م، أي حاول المؤلف فيها استباق عصره بحوالي قرن ونصف، فأطلق عليه اسم “ذكريات القرن العشرين”، وطبعًا –بحكم عمله- ركز بالأساس على توقعاته للأحوال السياسية والدينية، ومدى المخاطر التي ستنال الغد إذا سيطر عليه الكاثوليكيون واليسوعيون.

شاركه التقاط الخيط، مواطنه وزميل مهنته (جوزيف جلانفيل)، الأسقف السابق لعصره، الذي وثق توقعاته حول مجتمعات المستقبل، وارتقى إلى هذه التوقعات بناءً على “مقدمات” و”نتائج”،  بمعنى أنها امتلكت حد أدنى من المنهجية العلمية، وتكررت مثل تلك الاجتهادات من غيره مرارًا، أقربها من جيرانه الفرنسيين، والذين –كما نعلم- حازوا كلمتهم الباكرة في المجال، بشقّيه:

– عبر (نوسترامادوس) كنموذج للاستبصار القائم على التنجيم.

– (لوي سباستيان مرسييه) لذاك النوع الآخر القائم على التخيل.

ففي عام 1770م سجّل الثاني ما أسماه (مذكرات العام ألفين وخمسمائة)، حقق الكتاب شعبية واسعة، لتنفد الطبعات الأولى سريعًا، بما أعتبره دليلًا على ظمأ المزاج الفرنسي -وقتها- للتفاؤل؛ فالكتاب ينحاز لتقديم تخيل رومانسي لباريس في المستقبل، وكيف صارت جنة للعدل والمساواة، بلا عبودية.. مرض.. فقر!

عاد نبض التغيير إلى الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس:

هناك أسس (هربرت جورج ويلز) لريادة أدب الخيال العلمي، وبث فيه رؤاه المستقبلية الثاقبة، وكأنما وجد ذلك غير كافٍ بعد فترة، فقرر الإسفار عن هذه الرؤى بشكل مباشر، وهو ما أثمر في النهاية عن سلسلة مقالات دورية مباشرة عام 1901م، كونت تصور لشكل العالم حتى عام 2000م، وبعد وفاة ويلز، أنشأ خلفاؤه الرابطة البريطانية لأدب الخيال العلمي (BSFA).

قرأت في موقع شبكة ANN الإخبارية، أن نفس الرابطة سارت على درب الريادة، فسبقت عصـرها باقتراح وزارة اختصاصها قائم على (استباق العصر)، تُدعى (وزارة المستقبل).

للأسف، لم تجد هذه الرؤية السديدة تقديرًا لدى الساسة، فاعتبروا أصحابهـا حالمين أكثر من اللازم، بناء عليه.. استمرت المحاولات فردية من قبل مؤلفي الخيال العلمي.

لاحظوا أننا هنا نتحدث عن التخيل العلمي من منظور أوسع، كمنهج وطريقة بحث، وليس فقط (أدب وفن)، فلو أردنا جذب بداية خيط الشق المنهجي، نجد أن الألماني (أوسيب ك. فليتشهتايم) عام 1949م، أول من جعل مصطلح (مستقبيليات) كأقرب ما يكون فرع علمي مستقل، منذ جعله عنوانًا لكتابه (التاريخ وعلم المستقبل).

ثم نعرج إلى الباحث (جاستون برجيه)، فهو أول من استخدم كلمة [استشراف (Prospective)]، وخرج بها من حيز المجهود الفردي، فأنشأ  سنة 1957م المركز الدولي للدراسات المستقبلية، والذي صدر عنه دورية هامة أطلقوا عليها (كراسات الاستشـراف)، ثم انتقلت العدوى
عبر المحيط، ليجنح الجنرال الأمريكي (هنري هـ أرنولد) إلى “عسكرة” الفكرة، وتأسيس مؤسسة [راند (RAND)]، كاختصار لـ(Research And Development).

توفر للرجل حماسة تجاه المبدأ من ناحية، ومن الناحية الأخرى، صلاحيات منصبه كقائد للقوات الجوية، علاوة على علاقته بشـركة (دوجلاس) للطائرات، فنشأ البرنامج في بدايته برعاية الأخيرة، بهدف التخطيط بعيد المدى للأسلحة المستقبلية.

ثم توسع نشاطها بعد ذلك كمؤسسة غير ربحية، تقدم استشـرافات رائدة ساهمت في تطوير برنامج الفضاء الأمريكي، الانترنت، الحوسبة، الذكاء الصناعي، مكافحة الإرهاب، كما لم يغفلوا القضايا المدنية التي تمس الأمن القومي كـ(العدالة القضائية، التعليم، الصحة).

فيما بعد، التقى (هنري هارولد) -فيما أصنفه أحد أهم الأحداث في تاريخ (راند)- بالعالم (تيودور فون كارمان)، صاحب الصولات والجولات في الفيزياء والرياضيات والطيران.

وجه الأول نصيحته إلى الثاني، بأن يغادر إلى العاصمة، ليعمل معهم. وكم كانت عين (هارولد) صائبة، نظرًا للدور الهام الذي قام به (كارمان)  في تقرير (نحو آفاق جديدة) الذي استطلع القدرات الأميريكية التكنولوجية، واحتياجاتها على المدى البعيد.

اقتنع الباحث المخضـرم، فترك عمله المرموق في معهد (نيويورك) التكنولوجي، ليستلم منصبه الجديد كمستشار للتنبؤ التكنولوجي بعيد المدى بالجيش، وهو المنصب الذي تطور ليأخذ شكل مركز بحثي كامل.. ومستديم.

بالتوازي مع النشاط الاستشـرافي وراء الأسلاك الشائكة للعسكريين، تأسست عام 1966م (جمعية مستقبل العالم) بشيكاغو، وتشتهر بمؤتمرها السنوي الذي يرتاده مستقبليون متخصصون في مختلف المجالات.

كما حقق هذا العلم نجاحات كبرى في الظهير الاجتماعي؛ فتمكنت كلية (أليس لويد) -قبل ثلاثين عامًا- من التنبؤ بتطور المجتمع الأمريكي، وخريطة للمشاكل الأسرية التي ستظهر هناك.

على نفس الصعيد، استطاعت جامعة (كورنيل) قبل عقدين رسم تصور للمستقبل الاجتماعي والبصمة السياسية للأقليات العرقية في أمريكا.

جاءت هذه التصورات دقيقة إلى حد كبير.

من العلامات الفارقة أيضًا، الباحث (ألفين توفلر)، صاحب الشهرة الواسعة لدينا في الوطن العربي، لدرجة أن نطق كلمة (المستقبليات) صار يذكرنا به مباشرة؛ ففي عام 1974م ترجمت دار (نهضة مصر) كتابه (صدمة المستقبل)، لينال رواجًا واسعًا لفت الأنظار العربية إلى اسم مؤلفه.

فعرفنا أكثر عن (توفلر)، الذي درس علي يديه قادة دول مثل الرئيس السوفيتي (جورباتشوف)، ورئيس الوزراء الماليزي (مهاتير محمد)، ونظيره الصيني (زهاو زيانج).

استمر عطاء الباحث الأمريكي، بإصدار عناوين أخرى هامة، بمساندة من زميلة المهنة وشريكة حياته (هايدي توفلر)، أبرزها (المستقبيلون)، (تعلم من أجل الغد)، (الموجة الثالثة)، وغيرها.

تحدث المفكر (خالد بكر) عن العنوان الأخير، فيصف أثره الفارق بقولته:

-«كان يتحدث عن إعادة النظر ببناء الأشياء. ففوجئ ذات يوم، بدخول جنرال أميركي عليه، ليبلغه بأنهم قد ترجموا كتابه وعمله كله إلى السياقات العسكرية. ثم استخدمه الجيش الأميركي في استقراء المستقبل وإعادة بناء القوة العسكرية. كتابه (المــوجة الثالثــة) هو الذي أخرج أمـيركا من عقـدة (فيتنام)».

*******

هذا الفيلم وقف أمام كاميراته (توم كروز)، وخلفها مخرج كـ(ستيفن سبيلبرج)، من الطبيعي إذن ينتج لنا عمل فني بروعة Report Minority،  خصوصًا مع الحبكة مستقاة من قصة للاستثنائي (فيليب ك. ديك)، وتتحدث بالأساس عن موضوع هذه الصفحات.. (استبصار المستقبل علميًا)، في الواقع، منذ أول حرف كتبته هنا، لا أستطيع أن أبعد عن ذهني (Minority Report)، كمرادف للثيمة.

يتناول الفيلم عالمًا بلا جرائم قتل.. يعود الفضل إلى ثلاثة من المتنبئين الصغار [البريكوجز (Precogs)]، الذين يتم الاحتفاظ بهم في حالة شبه سبات، وبناء على المسح المستمر لرؤاهم الذهنية، تتحرك الشـرطة المتخصصة فورًا للقبض على الجناة، قبل ارتكابهم الجريمة.

يفتح السيناريو أفق الأسئلة، أمام هذه النقطة تحديدًا، صحيح أن القتل اختفى من المدينة، لكن.. كيف نعاقب شخصًا على جريمة لم يرتكبها بعد؟

زار مفتش النيابة (كولن فاريل) قسم مكافحة (ما قبل الجريمة)، فضاق الضابط (توم كروز) من أسئلته المتشككة، فسأل مباشرة:

ـ «ما الذي تبحث عنه بالضبط؟»

ـ «شوائب».

وجود نبوءة واحدة خطأ أو مشكوك فيها، لهو كفيل بهدم النظام بأكمله.

لا أريد حرق الأحداث، إلا أن لحظة الاختيار في ختامها، أعتبرها بمثابة حبة كريز الفيلم بأكمله.

بخصوص الأعمال الأدبية الرائدة، في نفس المجال، يتصدرها -بلا ريب- سلسلة (المؤسسة) للرائد (إيزاك أسيموف)، التي اعترف -الاقتصادي الحاصل على نوبل- (بول كروجمان) أنه تأثر بها كثيرًا.

تتمحور الحبكة حول ابتكار (هاري سيلدون) لعلم جديد يعتمد على التحليل النفسـي/الاجتماعي/السياسي لسلوكيات الجماعات والأفراد، فيفاجئ أن كل حساباته تتوقع انهيار إمبراطورية المجرة بكاملها، لمدة ثلاثة آلاف عام. بالكاد، بعد الكثير من الأبحاث والخطط، وجد الباحث طريقة لتقليص فترة الاضمحلال إلى ألف سنة فقط.

سار على نفس الدرس.. إحدى حلقات مسلسل (The fringe).. حيث يواجه المحققون خصمًا مصابًا بتأخر عقلي منذ الميلاد، قبل إدخاله في تجارب لتنمية الذكاء، فحاز عبقرية فائقة في علم الاحتمالات، هذا رجل لا يدعي التنجيم.. أو النظر إلى المستقبل عبر بلورة..

اقتصـرت المسألة برمتها على إحصاءات، فتبدأ عملياته باختيار مسرح الجريمة، علاوة على حساب ردود فعل الضحية، ثم دفعها إلى المكان والزمان المرادين بالضبط، ليقلوا حتفهم بصورة طبيعية بريئة، أبسط مثال، كأن يستفزك -بملء إرادتك- لاتخاذ مسار ما، فيتقاطع طريقك مع سيارة تصدمك، يعلم هو –مسبقًا- توقيت مرورها.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).