معضلات (سفر الزمن) من وجهة نظر السينما

ملأ مسافرو الزمن أعينهم بالمنظر من حولهم؛ أرض ممتدة.. أشجار.. ديناصورات.. راودهم فضول عارم للتقدم، لكن القوانين واضحة؛ يجب ألا يحتكوا ببيئة الماضي قدر الإمكان. فجأة وقع المحظور، وهوت قدم أحدهم دون أن ينتبه، لتسحق.. فراشة.

مجرد فراشة صغيرة!

بعد العودة إلى عصرهم، اكتشفوا أن العالم بأكمله تغير، طريقة نطق الكلام، طابع المباني، نتائج الانتخابات،… إلخ.

هذا هو ملخص قصة (صوت الرعد) لـ(راد برادبوري)، التي نشـرها مطلع الخمسينيات. نسي العالم اسم القصة، بينما حُفِر في الذاكرة مصطلح (تأثير الفراشة)، ليظل مرادفًا لـ«الأحداث الصغيرة، التي تؤدي إلى  تغييرات كبيرة».

من أشهر الأفلام التي تعرضت لهذه النقطة:

– ثلاثية (العودة إلى المستقبل).

عُرض الجزء الأول عام 1985م، فتعرفنا خلاله على الشخصية الرئيسية (مارت مكفلاي)، الصبي الذي يعاني من المشاكل في كل مكان، من مديرته الصارمة في المدرسة، علاوة على أبويه المتشاكسين في المنزل، فلا يجد السلام سوى بصحبة الباحث اللطيف (إيميت بروان). ونتيجة خطأ بحت، يستقل الفتى سيارة مضيفه (الديلورين Delorean)، فيكتشف قدرتها على نقل قائدها خمسة عشـر عامًا إلى الخلف.

التقى (مارت) بأبويه إبان فترة مراهقتهما، غير أن تطورًا دراميًا طرأ، بأن وقعت الأم في حب الابن، وهو ما يفتح الطريق أمام احتمالات كارثية:

ماذا لو لم تتزوج والدته بالأب؟ هذا يعني أن (مارت) لن يوجد في المستقبل، وبالتالي لن تحدث الرحلة، وهكذا لن يلتقي بوالدته، مما يجعل الزمن يعود لمساره الأصلي، فتتزوج والده، وهكذا.

أعتبر السلسلة نموذجًا لأفلام الخيال العلمي خفيفة الظل، التي يذكرها الكثيرون من جيلي حتى الآن.

تعد (المدمر) بمثابة ثلاثية سينمائية أخرى تستشرف مستقبلًا بعيدًا، سيطرت فيه الآلات على العالم، وكاد أن يستتب لها الأمر تمامًا، لولا مقاومة شرسة من القائد (جون كونر) ورجاله. فأرسلت الربوتات قاتلًا آليًا إلى الماضي، لاغتيال والدة البطل قبل زواجها، بالتالي. يُمحى وجود خصمهم -تلقائيًا- من المستقبل. هذا القاتل المعدني يذكره أغلبنا، بعباراته التي صارت ماركة مسجلة: (Hasta la vista baby) و(I’m back).

نعني -بالتأكيد- عمدة كاليفورنيا (أرنولد شوارزنجر)، في أحد أهم أدواره.

استمر تأثيرات الفراشة حتى عام 2004م، عندما قدم (إيرك بريس) فيلمًا حول نفس الفكرة، وبنفس الاسم، تشارك في كتابته وإخراجه مع (جي ماكي جروبر)، بينما أسندت البطولة إلى النجم (أشتون كوشنر)، الذي جسّد دور طفل أصيب باضطرابات نفسية نتيجة طفولته المعقدة، وبطريقة عجيبة تحولت دفاتره القديمة عندما كبر، إلى ما يشبه آلة زمن، نقلته إلى الماضي، فحاول تغيير الأحداث التي دمرت صباه، ليتضح أن كل تغيير -مهما كان بسيطًا- يؤدي لتحول غير متوقع في الحاضر كذلك.

أستعين مرة أخرى بترشيحات د. (محمد الدواخلي) عندما حدثني عن فيلم تسعيناتي يُدعى (12 قردًا)، (تكرر تناوله عام 2015م، كمسلسل متعدد مواسم)، جنح -كلاهما- إلى تصور مغاير، قائم على أن:

«خط الزمن يصوب نفسه، لدرجة أن محاولاتك تغييره، تصبح -في حد ذاتها- سببًا في الرجوع للمسار الأصلي».

الآن، نترك الفراشات لحالها، وننتقل إلى عُقد درامية أخرى؛ إذ يفترض أن الزمن يسير عادة إلى الأمام في خط مستقيم، فماذا لو تحرك في شكل دائرة تعيد نفسها؟!

هذه هي الفكرة التي طرحها فيلم Groundhog Day ، عن الإذاعي (فيل) الذي كاد أن يجن، فتفاصيل اليوم تتكرر نفسها مرة بعد مرة، ليتم تناول هذه الأزمة بشكل كوميدي.

تجربة أخرى شدتني شخصيًا، تحمل اسم (شفرة المصدر)، الموضوع هنا يتعلق بالجندي (كولتير) الذي يستيقظ ليجد نفسه في عالم برزخي، أو -للدقة- مكان مظلم ومغلق إلا من شاشة، يلقنه العسكريون من خلالها تفاصيل مهمة غريبة:

«سنزرع وعيك في جسد راكب قطار، ومطلوب منك اكتشاف الإرهابي الذي قام بتفجيرٍ هناك. أمامك (8) دقائق بالضبط، لا يهم إن فشلت، سنعيد التجربة مجددًا مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، إلخ، من ثم تستطيع تقصـي الركاب فردًا فردًا».

من خلال التكرار، تمكن (كولتير) من تذكر ماضيه الشخصـي أيضًا؛ إنه (كولتير ستيفينس).. قائد مروحية أصيب في أفغانستان، ويغرق حاليًا في غيبوبة بجسد نصف ممزق، فاستغله الباحثون في برنامج أمني يدعى (شفرة المصدر)، يمنح العقول نوعًا مُقيدًا من السفر إلى الماضي.

أعجبتني معالجة الفيلم، نجح بالنسبة إليّ في التحلي بطعم مختلف، كما لفت نظري بشكل خاص أداء الممثل (جيفري رايت) في دور البروفسور (رتليدج) مصمم البرنامج. في نفس الوقت، إعجابي بالبطل الرئيسي (جيك جلينهال) أمر مفروغ منه.

كل ما سبق في كفة، وفيلم (عبر النجوم Interstellar) في كفة أخرى؛ إذ لم يكتفِ بتقديم صورة بصـرية مميزة، بالإضافة إلى حبكة متقنة؛ عن عبور ثقب في الفضاء، ضمن رحلة بحث عن كوكب آخر صالح للحياة.

صدق أو لا تصدق: ساهم (إنترستيلر) في إهداء العلم سبقًا جديدًا!

فقد استعان مخرج الفيلم (كريستوفر نولان) بالفيزيائي المرموق (كيپ ثورن)، يطلب تعاونه مع فريق المؤثرات؛ فهو الأقدر على إنتاج صورة واقعية لما تكون عليه الثقوب السوداء. نلاحظ أن (ثورن) نفسه -أيضًا- لم يتعامل مع الثقوب إلا من منظور رياضي، لذا تشوق هو الآخر لمشاهدة النتائج بعينيه، لا بالأرقام.

بعد معالجة الحاسب لـ(800) تيرابايت من البيانات، أثمر المجهود عن الشكل النهائي الذي رأيناه في الفيلم. كان الظن السائد -سابقًا- أن الثقب يأخذ شكل قرص أسود حوله هالة. للمفاجأة، أثبت الفيلم وجود أخطاء بذاك التصور، مما جعل الفيزيائيين يُصحّحون معلوماتهم.

للمرة الألف لا يكف الفنانون والأدباء، عن استباق العلماء!

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)