الأربعاء , نوفمبر 20 2019

(معروض للبيع): قصة رعب قصيرة- أحمد مسعد

كخيول جامحة في سباق أسطوري، راحت عجلات سيارة الأجرة تتسابق على الطَّريق، متعجلة الوصول إلى منزلنا الجديد.

بعدما مررت برفقة أسرتي عبر العديد مِنَ الطُّرق والأحياء.. أطلت علينا أخيرًا مجموعة مِنَ البنايات القديمة، التي ربما يعود تاريخ البعض منها إلى النصف الأوّل مِنَ القرن العشرين، والبعض الآخر ربما لَمْ يتعدَّ عمره الأربعين عامًا.. حسنًا، ها نحن ذا قد وصلنا إلى منطقة سرايا القبة.

{رُبما الأمر ليس بذاك السوء}

دار ذلك الخاطر ببالي، وقد روحت أعبأ صدري بعبق المكان، بينما أنا مُطلة برأسي خارج نافذة السَّيارة أتطلع إلى مشهد السَّماء المكشوفة، تزينه بنايات عتيقة الطِّراز ازدان طلاؤها بحبات التَّراب مشكلة لوحة خطها الزَّمن بحكاياته.

اشرأب رأس الشَّمس شرقًا، مُرسلًا سرية مِن خيوط النُّور، فاصطبغت أسطح المنازل بقبسٍ من اللون البرتقالي، فـ…

– “يكفي تطلعًا إلى الخارج وأهبطي إلى مقعدكِ.”

كانت تلك أمي تحثني بأن أكف عن التحديق بالشَّوارع كالمجنونة وقد أضافت:

– “شارفنا على الوصول.”

هدّأ السَّائق من روع العجلات الأربعة للسيارة، وحدث أبي قائلًا:

-“من أينّ يا أستاذ؟ّ”

لوهلة بدأ والدي وكأنّه لَم يُنصت لسؤال السَّائق، قبل أن يرد:

-“أعتقد أنّه الشَّارع الأوّل بعد المنعطف.. شارع (——)”

قد أبدو مجنونة، لكنني أكاد أجزم أني لمحتُ السَّائق يرتعش عندما أتى والدي على ذكر ذلك الشَّارع.. ولم ينطق السَّائق بأية كلمة إلى أن وصلنا.

استغرق الأمر بضع دقائق، حتى وصلنا إلى المنزل المنشود، في الشارع المنشود.. شكر أبي السَّائق.. ثمّ حاسبه وهبط مِنَ السَّيارة، فتبعته والدتي ثمّ أنا، وانهمك والدي في فك لجام حقائبنا فوق السَّيارة، بينما وقفت متطلعة إلى منزلنا الجديد بعينين تجمعان بين التوجس والفضول، فوجدتا بناء من ستّة طوابق، يبدو من حالته كونه لا يتجاوز الثلاثين حولًا. يقف سامقًا أصفرًا باهتًا لونه يخيف الناظرين، يبدو مدخله وكأنما لم يخطوه بشرٌ منذ سنين.

لم يستوقفني بيتنا الجديد كثيرًا، بقدر ما استوقفتني البناية المقابلة له.

كان منزلًا رمادي اللون.. أو ربما أصبح رماديًا من أثر الزمن، يحتوي على ثلاثة طوابق، يصل ارتفاع الطابق من أربعة إلى خمسة أمتار، كان من تلك البنايات القديمة، الشَّاسعة بشكلٍ جنوني.. دققت النظر أكثر، فوقع نظري على لوحة خشبية صبغها الزَّمن بالأصفر والبني، بجوار مدخل البناية وقد كُتب عليها.. {معروض للبيع}!!.

– “تعالي وساعدِينا على حمل الحقائب.”

قطع نداء أبي تأملاتي، فأسرعت أحمل الحقائب معه، حتى نصعد بها إلى شقّتنا الجديد، وقد تنبهت أن سيارة الأجرة وسائقها قد فرا دون أن ألحظ.

*****

كنتُ أشعر بعيونهم تطل علينا، بينما كنا نرتقي سلالم المنزل، مُحمليِن بالحقائب، لكني رغم الظَّلام استشعرت نظراتهم تخترقني من خلف الأبواب، وسمعتهم بوضوح يتهامسون في أمرنا.. نحن..السُّكان الجدد.

وأخيرًا وصلنا إلى الطَّابق الثَّالث، إلى شقّتنا الجديد.

أرخينا الحقائب عن أكتافنا، ثمّ أخرج والدّي من جيب بنطاله مفتاحًا لامعًا، ثمّ قام بإيلاجه داخل (كالون) باب الشَّقة، وبحركتين دائريتين بمعصمها.. انفتح الباب.

– “(شقّة )” Welcome to

نطق بها أبي مبتسمًا في مرحٍ غير اعتيادي، محاولًا التقليل من حدة المواجهة بالشقة الجديدة.

فتبسمت أنا وأمي، ثمّ عبرنا إلى الداخل، مستنشقين بعض الكيلوجرامات من الأتربة التي غطت الشَّقة بالكامل.

فنظرت أمي إلى أبي، وقد ضاقت عيناها، وراحت تسعل محاولة البوح بكلماتها:

– “كح.. كح.. إنها تحتاج إلى أشهر مِنَ التَّنظيف.”

رد أبي والابتسامة لا تفارق شفتيه:

– “إذن فلنبدأ مُنذ اللحظة في التَّنظيف.”

لم أرَ والدي من قبل على هذا القدر من الحماس إلا لمامًا، لكني أعرف السبب.. إنه يحاول أن يبث في قلوبنا الأمل والسعادة، بعد أن بُيعَ منزلنا القديم ودُمرت أحوال الأسرة المادية.

بالفعل كان يومًا مرهقًا مع الكثير من التَّنظيف.. لكن في نهاية اليوم ارتحنا جميعًا.

 *****

كنت واقفةً أمام باب قصر، أتطلع إليه في ثبات دون أن تبدو على وجهي أي تعبيرات، وقد رُحت أنظر إلى نفسي، بينما أخطو بتؤدة إلى داخل القصر.. ثمّ تسارعت الأحداث ودارت وماجت بيّ الدنيا عبر العديد من الدَّهاليز والأروقة، حتى وقفت في النِّهاية أمام طاولة خشبية تراصت عليها العديد مِنَ السَّكاكين الدَّامية مُتباينة الأشكال والأحجام.. وقد جلس عليها شخص انكب يأكل من طبق أمامه كالكلاب.

للحظة توقف الرجل عن الأكل.. وللحظة أخرى رفع الرجل رأسه عن الطَّبق، فاصطدمتُ بوجهه المدرج نصفه بالدِّماء  وقد كشر عن أسنانه، فانحدرت بعض قطرات الدَّم عن أنيابه ساقطة على الطَّبق الملئ بقطع اللحم النِّيئ.

كان مشهدًا مروعًا بحق.. أثار فيّ أعلى درجات الاشمئزاز.

فجأة.. طرقت أذني أصوات بعيدة وكأنها قادمة من أقاصي الكَّون.

( إني مظلومة… بل أنتِ كاذبة، رأيته بأم عيني)

ضحك آكل اللحوم الجالس أمامي في شراسة، ثم تبخر.. وتموج المكان من حولي لتختلط كل الموجودات ببعضها البعض.. فتتحول إلى دوامة كبيرة انسحبت بداخلها كعودٍ من المعكرونة.. واختفيت..

*****

بحثت عن الراحة لكني لَم أحظَ بها.. لم أعتد يومًا النّوم خارج فراشي حيث كبرت وترعرعت.. لكني في تلك الليلة نمت بعمقٍ من فرطِ التعب، نمت بعمقٍ حتى ثلاث ساعات كاملة، امتلأت فيها رأسي بالكوابيس قبل أن أستيقظ على صوت أحدهم يتشاجر.

( إني مظلومة… بل أنتِ كاذبة، رأيته بأم عيني).

كانت أصوات شجار لزوجين يتجادلان في أمر ما.. لكن.. من أين يأتي الصّوت؟ تساءلت ثمّ انتبهت إلى مصدر الصّوت.. إنه قادم مِنَ الخارج.. من ناحية الشّرفة.. تحديدًا من ذلك المنزل المعروض للبيع!

أزحت الغطاء عن جسدي بتكاسل.. وخطوت مغلقة العينين.. منتفخة الخدين.. في اتجاه الشّرفة ثمّ أشرعت ضلفتيها.. وتقدمتُ بداخلها.. قبل أن أتوقف، فأشعر بنسمات البرد تداعب جفني.. فأزيحهما لأعلى بتثاقلٍ.. ناظرًا إلى العالم من حولي وقد غامت الدّنيا في عيني.

(كيف تفسرين ظلال الأشخاص المتسللين إلى شقّتنا كلّ يوم؟.. لا أعرف، صدقني لا أعرف).

ببطء بدأت الرؤية تغدو أوضح.. وتتّضح أكثر.. فأكثر. واخترقت عيناي ظلام الليل السَّاقط على العالم من حولي.. متطلعةً إلى الظِّلال المتعاركة خلف إحدى النَّوافذ بالطابق الثّالث من البناية المقابلة لنا.. وأصبحت أسمع بوضوحٍ صوت السُّكون المحيط بي تقطعه صرخات الجدّال بين الطَّرفين المتنازعين.

(سوف أقتلكِ.. صدقني أنا بريئة).

ملمس النَّسمات الباردة على وجهي، كملمس الطَّلقات في أجساد شهداء الحروب.. قاسٍ لكنه مغلفٌ بلذة غير مفهومة.. ساعد على استيقاظ حواسي بالكامل فبدأت أنتبه إلى مُجريات الحديث وقد بدأت علامات التعجب بأخذ مواقعها داخل عقلي.

(أرجوك صدقني)؟

في أجزاء قليلة من الثّانية، تدّفقت الدِّماء إلى عقلي دفعةً واحدة.. وبدأت حواسي بنقل الصورة الكاملة للأحداث إلى عقلي، وتحليلها بشكل كامل.. لأستوعب أخيرًا أنني أقف الآن وسط شرفة شقّتنا.. أتطلع إلى ظلال لزوجين يتشاجران خلف النَّافذة الزُّجاجية المقابلة لي.. وقد رفع الزَّوج يده اليُمنى، لأعلى حاملًا سكينًا حادًا ينتوي تمزيق زوجته به.. بينما تتوسل الزَّوجة إليه ألا يقتلها.

تجمدتُ في مكاني غير قادرٍ على الحراك.. أتابع المشهد وعيناي تصرخ من هول ما ترى.

( اقتلها.. اقتلها..) من أين يأتي هذا الصوت؟؟

(سأقتلكِ، نعم سأقتلكِ.. لا لا لااااااااااااااا..)

أغرقت دماء الزوجة زجاج النَّافذة من الدَّاخل.. ورأيت ظلها يهوي وقد اخترقته سكين الزَّوج.

اختلجت كلّ عضلة في جسدّي.. بينما راحت حنجرتي تصرخ دون صوت.. ليس لدهشتي أو لرعبي من ما رأيت.. بل لأنني رأيت الشَّيطان!!

رأيت ظله.. في زاوية المشهد.. وقد أمددت العدد من الخيوط من أطراف مخالبه.. منتهيةً بأطراف الزَّوج وكأنه واحدة من دمي الماريونيت.. قبل أن أشعر بظل الشَّيطان يستدير ناظرًا تجاهي.. وقد التمعت دائرتين من اللون الأحمر وسط وجهه مخترقتين زجاج النَّافذة.

في تلك اللحظة غمر الظَّلام الظِّلال المتحركة أمامي، لتتحرر قيودي، وتعود إليّ القدرة على الصُّراخ.. الصُّراخ كفتاة صغيرة يلتهمها الذِّئب.. هذا فقط ما أذكر.. لم أشعر بعدها بشيء، لم أشعر سوى بوعيي يتخلى عني.. وبألم في رأسي أثر اصطدامها بالأرض.

وفي اليوم التالي، أستيقظ لأجد نفسي على سريري.. ملتحفًا بغطائي.. وكأن شيئًا لم يكن.. هنا.. خطر في بالي كون ما رأيته ليس سوى حلم.. حلم مزعج ليس إلا..

*****

حالما تناولت فطوري، كُنت قد نسيت ليلة البارحة وكأنها لَم تكن.. وقررت في لحظة حماسية أن أصول وأجول قليلًا داخل منطقتي وحياتي الجديدة .. وبالفعل.. دقائق قليلة.. وكُنت واقفةً أسفل المنزل .

كُنت قد استأذنت أبي الذهاب في جولة عبر شوارع الحي لاستكشافه.. فرحب والدي بالفكرة بصدرٍ رحب على غير عادته.. وابتسامة عريضة تملأ وجهه..

وقفت أمام باب منزلنا، وجُلتُ النَّظر في المنازل والأشخاص من حولي.. فوقع ناظري على مدخل المنزل الواقع قبالة منزلي الجديد.. فتدفقت ذكريات الأمس بمشاعر الرُّعب فيها كالدِّماء في عروقي.

ثبت نظري على المنزل جيدًا هذه المرة ورحت أسجل تفاصيل المبنى داخل عقلي.. لَم أُركز في المرة السَّابقة على كون المنزل مظلمًا مهجورًا من الداخلِ.. فذهبت ببصري إلى الأعلى، فاصطدمت بنوافذ خربة محطمة، حتى تلك النَّافذة المطلة على غرفتي، كان زجاج ضلفتيها متربًا مدمرًا.

لَم يرمش لي جفن آن ذاك.. ولَم أُظهر أي تعبير قد يدل على التعجب ممّا رأيت.. فقد قررت أن أعتبر ما شاهدت ليلة البارحة.. مجرد هلاوس فتاة أرهقتها مهام التَّنظيف.

هبط بنظري حيث مدخل المنزل مجددًا.. فأرتد إلى شبكيتي ضوء النَّهار حاملًا مشهدًا ارتعت له.

فلقد كان يقف هناك.. خلف قضبان الباب.. كمتهمٍ في قفص الاتهام.. طفل صغير في منتصف العقد الأول من العمر.. أبيض الوجه والبشرة كقطعة ثلج.. وقد قُلعت مقلتاه من محجريهما ليحل محلهما ثقبان سوداوان.. كُنت أنظر إليه بينما هو ثابت كتمثال من الشمع.. يعبر النَّاس ذهابـًا وإيابًا مارين من خلال نظراتي إليه دون أن يلحظه أحد.. وكأنه غير موجود سوى في عقلي.

مد يده خارج قضبان البوابة، وهو يبسط كفيه وأصابعه الصّغيرة.. ثمّ يضمها ويعود ليبسطها في حركة مستمرة.. لأسمع صوته يناديني دون أن يُحرك شفتيه.

“تعالي.. تعالي وأنضمي إليّ”

وقفت فاغرة فاهي.. واسعة الحدّقتين، أراقبه يدعوني إلى التقدم، وقد اعتصرتني الصدمة.

قبل أن يفصل بيني وبينه أحد المارة، فيختفي كمّا هي عادة الأشباح، عند ذلك الحد، قررت أن أعود أدراجي، وأن أتنازل عن فكرة التَّجول في ذلك الحي المشئوم.

*****

سرت بقية اليوم بشكل طبيعي.. لكني لَم أستطع النَّوم في تلك الليلة.. فقد ظل شبح الطِّفل يطارد خيالاتي طوال اليوم.

لذلك قررت قضاء ليلتي في القراءة.. وقد رحت أصارع النَّوم، حتى انتصر عليّ بالكامل.. وبدأت أفقد تركيزي و تحكمي في جفني رويدًا، رويدًا.. قبل أن أهوي برأسي على السَّرير كطائرةٍ حربية.. أسقطتها صواريخ الأعداء..

*****

رحتُ أحوم كشبحٍ قرب سقف غرفة ما.. ناظرًا إلى رجل يحمل في ثنايا يده مقبضًا لسكينً ضخم وحاد.. بينما تجثو على الأرض ثلاث فتيات صغيرات تباينت أعمارهن. بالإضافة إلى امرأة تبدو في عقدها الرابع تجثو جوارهن.

كان مشهدًا غريبًا.. ذكرني ذلك الرَّجل الواقف مع سكينة، بهيئة الجزار الذي يستعد لذبح أربع بهائم وقد قام بتقييدهن تحسبن لرفساتهن .

وبينما كان ذلك الجزار يبتسم كمجنون.. هبط بشفرة سلاحه بجوار رقبة المرأة الجاثية على الأرض.. فشهقت لدى معرفتي ما ينتوي ذلك المعتوه فعله.. إنه ينوي ذبحهن كدجاجات.

انفلتت صرخة من داخلي لكنني لَم اسمعها.. بحثت عن يدي حتى احجب عني ذلك المشهد.. لكني لَم أجدهما.. كُنت مجرد عين طافية في الهواء.. حاولت إغلاق بصري لكني لَم أجد لي جفنين.

لَم يكن هناك مفر من مشاهدته بينما يخترق سكينه جلد المرأة.. ثمّ لحم رقبتها.. لتنبثق الدِّماء من شرايين الضَّحية الذَّبيحة فتتناثر في جميع الجهات.. على الأرض.. وعلى سكين الجزار ووجهه فتتشكل بركة كبيرة من اللون الأحمر القاني.. بينما هو-الجزار- مستمرٌ في نحرها، وكأنما يُقطع شريحة من اللحم.. صعودًا ونزولاً بسكينة يمر على رقبتها.. قبل أن يتوقف عن استكمال ما بدأ.. وقد انفصل نصف رأس الضَّحية عن جسدها.. حتى ينتقل إلى الفتيات الثّلاث.

لَم أكن أرى سوى دمائهن المتناثر في كل اتجاه.. ولَم أكن أسمع سوى أصوات صرخاتهن بينما ارتمت المرأة التي ذبحت على الأرض تشخر كبهيمة مذبوحة، تنفصل روحها عن جسدها.. وقد راحت الدِّماء تتدفق بغزارة من رقبتها.

طُفت أُحدق به لدقائق مرت عليّ كساعات، بينما يقوم بذبحهن واحدة تلو الأخرى.. غير مبالٍ بصرخاتهن.. غير مبالٍ بالدماء التي أغرقت جسده.. لا يبالي فقط سوى بحمرة الدِّماء التي تشعره بالسَّعادة.. لا يبالي سوى برؤيته لأعينهن المحدّقة بالموت، وألسنتهن المّمتدة خارج أفواههن .. لا يبالي سوى بسماع أصوات شخيرهن يتوقف الواحدة تلو الأخرى.

بعد أن انتهى من عمله الفني.. ألقى السِّكين جانبًا.. وبدأ يضحك.. بصوت عالٍ ثمّ أعلى.. يضحك بانتشاء كمن تعاطى لتوه أجود أنواع المخدّرات.. ثم صاح ودماؤهن تقطر من جوانب فمه:

–      “قتلتهن.. قتلتهن.. قتلتهن..”

أردت التقيؤ لكن من أينّ لي بمعدة أو فم.. ألا يفترض أن ينتهي ذلك الكابوس عند ذلك الحد؟ تساءلت بمقت لكن سرعان ما واتتني الإجابة.. فلقد بدأ الظَّلام يزحف على حواف المشهد الدَّامي أمامي.. حتى غرق كلّ شيء بالكامل في ثنايا الظَّلام.

فتحت عيني على اتساعهما، حيث وجدتني منسدح الظَّهر.. على سريري.. وجوار رأسي كتابي.

*****

(قتلتهن.. قتلتهن.. قتلتهن..)

رغم استيقاظي، لا زالت غمغمات ذلك السَّفاح تداعب طبلة أذني.. قادمة من ذلك الرُّكن القصي مِنَ الكون.. لتتردّد في جميع أرجاء غرفتي.. لَم أحتج إلى الكثير مِنَ (المفهومية) حتّى أستنتج من أي جهة يصدر.

(قتلتهن)

لكن هل أملك الجرأة الكافية كي أنظر؟؟

لَم أتصور في نفسي تلك الشَّجاعة والصَّلابة.

لَم أتصور أن أظل ثابتةً قادرةً على الحراك بعد كلّ ما رأيت.. خلال يوم كامل مضى.

لَم أتصور أن انهض متوجةً إلى الشُّرفة بإرادة مسلوبة.. كمن ندهته النداهة.

أشرعت ضلفتي الشُّرفة لأطلّ بحدّقتي على الجواب أمامي.. على يباب لَم تطأه قدم أنسي منذ عقود.. اندفعت خطوتين إلى الدَّاخل، وجُلتُ النَّظر في النَّوافذ المُحطمة، والضُلف المهشمة باحثةً عن الصَّوت الهامس.. فوقع بصري على نافذةٍ لغرفةٍ في الطَّابق الثَّاني.. يجلس أسفلها منزويًا على نفسه، ظل أسود لرجل ينظر بجمرتين من نار إلى سكين في يده.. سكين أعرفها جيدًا.

بحركة مفاجئة، أشاح الرَّجل بعينيه الحمراوين عن السِّكين.. موجهًا إياها خلالي.. فتثقبني المفاجأة.. لأستعيد السَّيطرة على جسدي من جديد، فأتراجع إلى الخلف مرتاعة..

لأتجه بحدّقتي بحركة مباشرة نحو النَّافذة المقابلة لشرفتي.. حيث الزُّجاج المُحطم، يطلّ من خلاله ذات الوجه الصَّغير، الذي أطلّ عليّ صباحًا من خلف بوابة ذاك المنزل المشئوم.. ثمّ يمدّ قبضتيه الصغيرتين ناحيتي داعيًا إياي التقدم.

(تعاليِ)

قبل أن تنبثق آلاف الحشرات من كلّ مكان، مغلفة جدران البيت مِنَ الدَّاخل والخارج بالكامل.. ثمّ تنتشر أكثر مغطيةً وجه الفتي بالكامل.. قبل أن تغطي كلّ شئ.. بينما كُنتُ أرتعش كورقة وسط الرِّياح.. وقد اختلج وجهي من شدة التَّقزز وانكمش.. على الأخص، عندما بدأت الحشرات في تسلق ساقي صعودًا إلى باقي جسدي.. فرفعت يدي لأعلى ورحت أصرخ.. وأصر.. (استيقظي.. استيقظي)

لوهلة تبخرت الحشرات.. ولأخرى اختفى المنزل والشُّرفة، قبل أن يحل الضوء محل الظَّلام.. ويأخذ وجه أمي محل وجه الشَّبح الصَّغير.. فأجد نفسي مستلقيةً على سريري في غرفتي..

*****

أقنعت نفسي في ذلك اليوم، أنّ كلّ ما رأيت وما حصل ليس سوى هلاوس بفعل كاريزما المكان الجديد في نفسي، ورعب نابع من أعماقي تجاه ذلك المنزل قبالة منزلنا، لكن في ذلك اليوم حصل شيء ما، جعل الخوف يعود أضعاف ما كان في قلبي.

ذهبتُ في جولة لشراء بعض الحاجيات المنزلية، دون أن أحاول النَّظر إلى المنزل المعروض للبيع.. وبينما كُنت أرتقي درجات السُلم صاعدةً إلى شقّتنا.. اصطدمت بجسدٍ هَرِم لرجلٍ عجوز على طريق الصعود.. فنظرت إليه متعجبةً وقُلت:

– “هل تسمح بـ..؟”

قاطعني:

-“هل نادوكِ؟”

-!!!

تعجبت قوله فاستطرد:

-“إياكِ أن تروحي يا بُنيتي.. لا تتبعي درب من ذهبوا قبلكِ ولَم يعودوا.. أحذري.. أغلقي أذنيكِ.. وغمي عينيكِ.”

ردّد كلماته ثمّ عاد من حيث أتى.. إلى داخل شقّته المفتوح بابها.. وتركني محتارة.. ينقبض صدري بقوة.. لا أفقه ما يدور حولي.

(يتبع)

عن لأبعد مدى