الإثنين , سبتمبر 16 2019

مراجعة رواية (قربان): وجوه وأسئلة مختلفة عن (الألم)

كتبت: ياسمين سامي.

لعل الميزة الأولى لهذه الرواية أنها جعلتني أعود لقراءة روايات الخيال العلمى.

في طفولتي تعلقت لسنوات بسلسلة (ملف المستقبل) وكبرت وأنا ممتنة لتلك السلسلة، حاولت أن أعود لقراءة الفانتازيا والخيال العلمي من خلال أكثر من رواية مصرية، وفى كل مرة يصدمني البناء الهش والقصة الساذجة التي يستسهل الكاتب تشكيل أحداثها. فانتهى منها وأنا مغتمة من الوقت الذي أهدرته فيها واشتاق لتجربة تقترب من (ملف المستقبل).

اقتنعت كأغلبية القراء بأن كتب الرعب والفانتازيا والخيال العلمى ما هى إلا كتب للتسلية تصلح للمراهقة فقط، هذه النظرة المختزلة لتلك النوعية من الكتب قد شارك في صنعها عدة أسباب لسننا في صدد الحديث عنها الآن.

حتى ما كان من محاولات تُحترم في الآونة الاخيرة وظهور مجموعة من الأدباء المصريين بدءوا في علاج هذه الصورة لدى القارئ واحترام عقليته بخلق أحداث مترابطة منطقية والاهم من ذلك «مبتكرة».

كانت قربان واحدة من تلك المحاولات التي احترمت عقلي.

تآلفت سريعًا مع الرواية وأبطالها، أسلوب السرد اتسم بالسلاسة والغموض المثير للأعصاب (أعطانا الكاتب مجموعة من الخيوط المعقدة وتركنا مع رحلة إيجاد الطرف الصحيح للخروج من المتاهة).

قلت كاتب لأنني لم أشعر أبدًا أنهما كاتبان، لقد امتزجوا تمامًا حتى أنني عجزت عن معرفة من كتب ماذا!

تناقش الرواية أكثر من مفهوم جدلي:

هل الواحد من أجل الكل؟ أم أن الواحد جزأ من الكل؟

هل كون الإنسان يعانى من مرض عضال، هو سبب كاف لان نعتبره في تعداد الموتى بل ونرسله لموت أسرع؟

لا اعرف لماذا أمام فكرة التضحية هذه، وجدتني أمام مشهد قتل الحصان الذي يمرض لأنه أصبح بلا فائدة، فإذا اعتبرنا الحصان كائن لا يعقل، فماذا عن الكائنات العاقلة التي تملك حق اختيار مصيرها؟

عاد بي التفكير في كل الحروب التي أثبتت أنانية الإنسان الذي يظن  أن من حقه أن يعيش على تضحية الآخر: من أين يأتيه الغرور في إعطاء حق الحياة لنفسه وسلبها من الآخرين، ودون سؤالهم أحيانًا!

متى تصبح التضحية ذات قيمة ومتى تصبح مجرد حماقة؟

إلى أى مدى يمكن أن يصل عنف الإنسان نحو أخيه، إذا ما وضعت حياته في الكفة الأخرى؟

هل أمام غريزة البقاء تنهار كل الاعتبارات الأخرى؟

عند الانتهاء من الرواية كنت أمام ارتباك عظيم بسبب جملة متيم التي شرح فيها أن الروبونباتات (ليست عدوانية لم تسعى من البداية للقتل أو اكتساح الأرض لكنهم جُبلوا على نشر طاقات تساعد على التوحش).

كانت أمامى أسئلة كثيرة:

طالما أن الروبونبات ليس عدوانيًا، فلماذا قتلوا صهيب وأولفى؟

هنا أجابت الرواية بان قتل صهيب كان لبث الرعب وقتل أولفى من أجل سباق فردى.

طيب لماذا قتلوا ناديا وخان؟

هنا رجعت للرواية لأكتشف أن مازن هو من قتلهم.

مازن يتبع الشركة، فهل هو من تنكر في صورة الروبونبات وقتل صهيب وناديا؟

هذا ما لم افهمه خصوصًا أن مع نهاية الرواية اتضح أن مازن والروبوتات جى 2، جى 3 بإمكانهم التنكر في أي صورة!

إن كان مازن هو من ارتكب كل حوادث القتل من البداية فهذا ما يتسق مع (عدم عدوانية الروبونبات كما انه يتسق مع أن المحطة محمية تمامًا من وجود دخيل، ويتسق مع أنه ليس من مصلحة الروبونبات أن تتم حوادث قتل ترفع من طاقة الألم فتعادل موجتهم وبالتالي ينهزموا في المعركة الذهني).

وبذلك تكون الشركة قد نجحت في إقناع أفراد الخلية بأن الروبونبات قاتل وضع لهم سباق موت سيفوز به واحد فقط على غرار فيلم (العاب الجوع).

بينما ف الحقيقة الروبونبات هو المحفز فقط وهم القتلة.

أيضا تسبب مشهدان في إرباكي:

مشهد متيم وطفله في أول الرواية، ومشهد الحديث بين ناديا وليلى عن آثار الكدمات على عنق ناديا..

لم أفهم متى حدث المشهدين!

أعجبت جدًا بمشاهد الهلاوس واللعب بالأعصاب والحالة النفسية لكل فرد في الفريق، مثال:

– مشهد ظهور ناكومورا وشذى لمتيم وإشارة لرحلتهم في بحر الشيطان.

– مشهد ظهور هانز لليلى على أنه هو القاتل ومن يطالب بالجذور.

كل تلك الهلاوس خدمت النص كثيرًا وزادته ثراء.

أيضًا أعجبني كثيرًا الاقتباسات في بداية كل جزء. كانت موفقة تمامًا.

وأعجبنى تقسيم الأجزاء إلى (أوراق، ساق، جذور) بما يتناسب مع طبيعة النبات، والاتجاه بأحداث الرواية من سطح الأوراق حتى الجذور، وحل اللغز.
كان هناك أيضا تشبيهات جمالية وجمل شديدة الذكاء مثال جملة أوليفييه (انحصرت حياتي بين شجرتين) وصهيب حين قال وخيط الدماء يسيل من رأسه (لقد صرت اسما على مسمى).

لقد كانت متعة خالصة تلك الرحلة التي خضتها في تفكيك خيوط الرواية واستيعابها، كل جملة كانت ذات فائدة وعند نهاية الرواية تندفع محمومًا عائدا نحو البداية حتى تستعيد كل جملة فاتك التركيز فيها. وهنا يكمن جمال الرواية.

فما هى الإضافة إذا لم ينجح هذا النوع الأدبي في جعلك تتفاجأ، تندهش، وتفكر حد الغليان.

لقد نجحت (قربان) في ذلك كله.

عن لأبعد مدى