الثلاثاء , يوليو 16 2019

فيلم تدور أحداثه بالكامل داخل تابوت مغلق

• لمطالعة الحلقات السابقة من كتيب (أفلام غرفة).

• لتحميل الكتاب كاملًا في صيغة PDF.

الدرس المستفاد:

– إذا اتصل بك مدير شئون العاملين الأمريكي، وأخبرك مقدمًا بأن (هذه المكالمة مسجلة، فهل تأذن بذلك)، إياك أن تقول (نعم). أغلق الهاتف في وجهه.

*********

ليس من الغريب أن نرى (تابوتًا) بشكل عابر خلال مشهد جنازة في فيلم، المدهش.. أن يغدو التابوت هو الوتد الذي يتمحور حوله سيناريو من البداية إلى النهاية.

فعلها المخرج العبقري (ألفريد هيتشكوك) في فيلم (حبل) عام 1948م، الذي استوحاه قصة حقيقية لشابان قتلا صديقهما. وإمعانًا في ثبات الأعصاب، استقبلا في شقتهما حفلًا مرحًا دعيا إليه الأصدقاء والمعارف (بينهم والد القتيل)، نفس مساء ارتكاب الجريمة. اعتمد الفيلم على مفارقة إخفاء القاتلين للجثة في صندوق، استخدماه كطاولة رئيسية في الحفل. أي ظل أمام أعين الجميع طوال الوقت.

في عام 2010م، ظهر فيلم (مدفون) الذي رفع سقف الصعوبة:

– استخدم (تابوتًا)، دارت داخله جميع الأحداث.

تم الاعتماد فيه –بالتبادل- على لونين في (الأصفر الناتج عن شعلة القداحة + الأزرق الذي تتوهج به شاشة المحمول). وانعكاس كل منهما على ملامح البطل.

لا أتصور كيف خطرت هذه الفكرة للسيناريست (كريس سبارلينج)، بل وكيف أقتنع  المخرج (رودريجو كورتيس) بإمكانية تنفيذها.

لو كان تصوير فيلم داخل مصعد أو غرفة يعد تحديًا صعبًا، فما بالنا لو صارت المساحة أضيق بكثير!

مع العلم، أن جميع أفلام الغرفة لا تكون مخلصة للغرفة تمامًا.

لابد من مشهد خارجي هنا أو فلاشباك هناك، لكن كلا، نحــن جميـع كادرات فيلم (مدفون) لم تخــرج عن التابوت تقريبًا.

تكلفت الميزانية ما يقرب من مليوني مليون دولًار، ليحقق أرباحًا تقدر بعشر أضعاف هذا الرقم.

إننا نتحدث عن فيلم آخر من أفلام النجاة الفردية، التي يلقى العبء فيها على كاهل ممثل واحد، عليه استعمال كل ذرة في موهبته. أول مرة أرى فيلمًا سينمائيًا يبدأ بظلام تام لمدة دقيقة، لأسمع البطل وهو يبدأ التمثيل من خلال (صوت تنفسه) فقط.

كان (بول) –الشخصية الرئيسية في (مدفون)- أقل حظًا من (أرون) بطل فيلم (127 ساعة)، من ناحية أن الأخير كان يستطيع التنفس بسهولة، وتقليب وجهه في السماء كما يرغب.

مبدئيًا، ظننت أن الفيلم هوليوديًا بمجرد رؤيتي للأمريكي (رايان رينولد) كبطل للفيلم، غير أنني عرفت بأن الإنتاج والإخراج (أسبانيان)، تم تصويره في (برشلونة)، حتى الرجل الذي قام بالأداء الصوتي لشخصية الخاطف العربي، كان ممثلًا يدعى (خوسيه جارسيا بيريز). تفاجئت من هذه المعلومة، إذ نجح الرجل في إخفاء أي أثر للكنته الأسبانية، لدرجة أنني ظننت صناع العمل قد استعانوا بممثل من أصول عربية بالفعل.

**********

قافلة من الشاحنات غير العسكرية، فوجئت بهجوم من العراقيين، استيقظ بعدها (بول) –أحد السائقين المدنيين- ليجد نفسه حبيس تابوت، ليس لديه سوى (قداحة، هاتف، قنينة خمر، محفظة فارغة، نص الرسالة التي سيرغمونه على قولها أمام الكاميرا).

ارتكز أغلب الفيلم على سلسلة من الاتصالات الهاتفية،

قام بها (بول) مع (شركته، المباحث الفيدرالية، وزارة الخارجية، إلخ)، محاولًا التعلق بأي قشة. حتى المكالمات الشخصية التي حاول فيها مخاطبة زوجته، لم يجد ردًا سوى (المجيب الآلي).

على الناحية الأخرى، استقبل اتصالًا من خاطفه، أخبره بإنجليزية متكسرة عن مطالبه:

– خمسة ملايين دولار، الليلة، التاسعة مساءً، أو تبقى مدفونًا كالكلب.

كان من الطبيعي أن يجيب (بول) بيأس:

– لو أن عائلتي تمتلك هذا المبلغ، لما جئت إلى هنا.

لا أريد أن يفهم من كلامي أن السيناريو معتمد بالكامل على المكالمات الهاتفية على غرار (Phone booth) و(Locke)، وإلا لكان مكانه في قسم (أفلام الحوار). العمل غني -كذلك- بالمنعطفات الأخرى التي تخص تفاعل البطل مع وسط الصندوق حوله:

(تفكيره في الانتحار بالمدية، تعامله مع مشكلة الرمال التي تسرب للتابوت، محاولته لقطع إصبعه كاستجابة لطلب الخاطف، إلخ).

أي متفرج، سيتوحد مع البطل في أزمته، أو ربما يسأل:

– لو كنت مكانه، هل كنت سأصمد أمام كل هذه الانكسارات المتلاحقة؟ أم أفضل الانتحار باكرًا؟

من ناحيتي شخصيًا، أتوقع أنني كنت سأصمد نصف المدة، بالتحديد حتى لحظة دخول الثعبان عبر أحد شقوق التابوت، لم يكن ليخطر ببالي أي حلول للتخلص منه  بطريقة مثل التي فعلها (بول).

عجزت عن منع نفسي من طرح سؤال آخر:

– ماذا لو وقع رجل بدين في نفس المأزق؟

أعتقد أن قصة الفيلم كان ستنتهي من قبل أن تبدأ، لأن البطل سيعجز عن ثني نفسه داخل الصندوق الضيق كما فعل (بول)، لالتقاط الهاتف والقداحة و.. و.. بما أن (مدفون) يعد عملًا متقنًا وإنسانيًا جدًا، بشكل يدفع المتفرج إلى تخيل نفسه في موضع البطل،  أعتقد أن هذه النقطة ستدفع الكثير منهم سيشكل إلى إتباع حمية من الغد.

– كيف كانت الكاميرا تتحرك في هذه المساحة الضيقة؟

أظن أن (المخرج) لجأ لنفس التكنيك الذي فعله (صلاح أبو سيف) قبلها بنصف قرن، عندما قام بتصوير (بين السما والأرض)، من خلال بناء (مصعد) داخل الاستوديو، جوانبه الأربعة قابلة للانتزاع والتركيب.

تأكدت من ذلك عندما ابتعدت الكاميرا، لنرى (بول) يصغر حجمه تدريجيًا، محاط بالظلام من كل الاتجاهات.

كأنه جنين داخل رحم!

مثل هذا الكادر لا يمكن التقاطه  إلا إذا كان الممثل يقبع داخل صندوق قابل لنزع جوانبه.

ملحوظة:

ابتعدت الكاميرا لتوسيع الكادر جدًا مرتين، استخدمهما المخرج –بذكاء- عن تضاؤل البطل أمام اليأس الذي غمره.

المرة الأولى:

بعد إغلاق البطل للخط مع الخاطف، ومعرفة المبلغ المطلوب الفدية (ابتعدت الكاميرا أفقيًا [dolly out]).

ثانيًا: بعد المكالمة مع مدير شئون العاملين بالشركة (ارتفعت فوق البطل رأسيًا [Crane up]).

– لا ، لا لست جنديًا. أنا سائق شاحنة، مجرد متعاقد.
– متعاقد؟
– نعم ، فقط سائق شاحنة هذا كل شيء.
– أنت أمريكي؟
– نعم.
– إذن أنت جندي.

ظننت أن الفيلم –كعادة ممثلي التيار اليميني في هوليود- سيقوم بشيطنة العراقيين، لكنني فوجئت به يقدم وجهة نظر بالغة الموضوعية والتجرد (لدرجة أحسدهم عليها في الحقيقة) على لسان قائد فرقة تحرير الرهائن (دان برانر)، أثناء أحد مكالماته مع لـ (بول):

– إنهم مجرد أشخاص، لا يختلفون عني وعنك.
– لست إرهابيًا.
– ولا هم كذلك.
– وما أدراك؟
– إذا كنت متشردًا، أو تتضور جوعًا، في الواقع.. أتراجع عن ذلك.. أقصد إذا كانت عائلتك مشردة، وتتضور جوعًا، فماذا ستفعل من أجلهم؟
– لن أقتل أحدهم.
– كيف تكون متأكدًا من ذلك؟

على الجانب الآخر، يمارس السيناريست نقدًا ذاتيًا لأوليات الجهات الحكومية. عندما حذروا (بول) من التواصل مع الإعلام:

– من المهم أن نبقى الوضع محتويًا قدر الإمكان.

استفز ردهم (بول) بشدة، ليعلق:

– الوضع بالفعل داخل تابوت، أظنه محتوى بشكل جيد.

رغم المساحة المحدودة جدًا لمسرح الأحداث، استطاع الفيلم خلق لحظات بالغة الإنسانية، عندما تذكر البطل في منتصف الفيلم أن يهاتف والدته المصابة بالألزهايمر، ثم تسجيله لوصيته قبيل نهاية الأحداث، مشهد الدقاحة وشعلتها تزوى شيئًا فشيئًا، كإشارة لانطفاء قدرته على المقاومة، صوت زوجته المتلهف عندما أجابت على الهاتف أخيرًا، استفساره من الضابط (دان برانر) عن:

– كم عدد المختطفين الآخرين منذ بدأتم عملكم؟ كم أنقذتم؟ اخبرني اسمًا على الأقل.
– (مارك وايت).
-من كان؟
-طبيب من (نيوهامشر)، 26 عامًا، يدرس الطب، أتى هنا لمساعدة الأطباء المحليين.

كتب (بول) الاسم على باطن جدار التابوت، أراد أن يضع نصب عينيه نموذجًا للنجاة. لم يعرف أن (دان) كان يكذب، تذكروا اسم (مارك وايت) جيدًا، فستسمعونه مرة أخرى في واحدة من أشد المشاهد ألمًا داخل الفيلم.

ظننت أن خاتمة العمل لن تحتوى على مفاجآت، بل سنعرف من قبلها بمدة إذا كانت قوات الإنقاذ ستأتي أم لا، اتضح أنني كنت مخطئًا. لقد نجح السيناريو في منح المتفرج مفاجئة قاسية جدًا، قبل ثواني قليلة من نزول التترات.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)