بفضل أب: تحول الابن الكذوب إلى روائي وقاص

طفل كذوب، فشلت كل الطرق في دفعه للتوقف عن تلك العادة.

لم تلبث حياة ذلك الولد أن تغيرت 180 درجة، بسبب بصيرة أبيه الذي نجح في رؤية جانب مضيء في تلك الصفة المذمومة؛ نصح ابنه بتوظيف تلك الادعاءات الخيالية في:

– الكتابة.

نترك الميكرفون إلى الكاتب (محمد فاروق الشاذلي)، ليحكي عن تلك الذكريات قائلًا:

مجموعة قصصية، خمس روايات منشورة، روايتين تحت الطبع، أربع شهادات تقدير، فوزين في مسابقات أدبية، ثلاث مشاركات في كتب مجمعة.

ما الذي وصل بي إلى هذه النقطة؟

الإجابة ببساطة: أبي.

رزقني الله بأب إكتشف مبكرًا أني أمتلك خيال واسع، أستطيع خلق الحكايات وأصنع الشخوص والأحداث بعقل طفولي لا يحده الواقع، سرعان ما إلتقط طرف الخيط وبدأ ينهال على عقلي بالقصص المكتوبة أو المحكية ليروي خيالي حتى ينمو نموًا صحيحًا، طلب مني كتابة خيالاتي على الورق، راجعها وصححها وناقشني فيها، دعمني وشجعني بكل قوة.

حين أتذكر ما فعله بي، أجد ثلاث محطات رئيسية كانت السبب المباشر فيما وصلت إليه:

المحطة الأولى: حين طلب مني وأنا في سن السادسة أو السابعة أن أبدأ الكتابة، وبدأ هو التوجيه والإرشاد اللازمين لتقويم محاولاتي الطفولية الأولى، ليعالجني من إدمان الكذب ويحول دفة خيالي إلى المنطقة الآمنة، منطقة الإبداع السليم.

نجحت المحاولة الأولى وبدأت المحاولات الأولى، بسيطة، عفوية، طفولية، مليئة بالنواقص والفوضى، وكان هو يمسك الدفة للتوجيه إلى المسارات الصحيحة.

المحطة الثانية: مكتبة أبي التي سمح لي بالاطلاع على أي كتاب تطاله يدي.

كانت مكتبة أبي متنوعة، تحتوي على كتب أدبية لنجيب محفوظ ويوسف السباعي والحكيم وشيكسبير وفولتير وغيرهم، شرقًا وغربًا، حتىى أني قرأت هاملت مبسطة في عمر الثانية عشر.

احتوت أيضًا على كتب فكرية لهيكل وأحمد بهاء الدين وجمال حمدان ومصطفى محمود، كما احتلت الكتب الدينية مكانة مميزة، وهكذا وجدت تحت يدي كنزا من المعرفة، ثم شجعني على شراء ما يتناسب وذائقتي الخاصة، وهكذا تعرفت على جمال عنايت ونبيل فاروق وأحمد خالد توفيق ومحمود سالم، ثم سعى معي للاشتراك في المكتبات العامة كالمكتبة المتنقلة ومكتبة مبارك العامة ومكتبة سوزان مبارك بالجيزة وبالطبع استعرت من مكتبات المدارس كم لا بأس به من المطبوعات، وهكذا تكونت لدي مبكرا حصيلة هائلة من الأفكار في مختلف المجالات.

المحطة الثالثة: معرض الكتاب.

كان أبي حريصًا أن يجعل من زيارة معرض الكتاب كل عام حدثًا جللًا في منزلنا، نتهيأ له قبل موعده بكثير، نكرر زيارة المعرض الواحد أكثر من مرة على مدار أسبوعي إنعقاده، كان نزهة محببة، نعود محملين برصيد ضخم من العناوين كذخيرة لباقي العام.

أذكر أني في أحد الأعوام اشتريت ثلاثون كتاب دفعة واحدة من المعرض، وكنت كلما أنهيت قرأة كتاب منهم ناقشني فيه وإذا وجدني قد فهمت ما قرأت يمنحني مكافآة مالية معقولة رغم كونه موظفا بسيطا ودخله محدود، لكنه أدرك مبكرًا جدوى ما يصنع معي.

لولا أبي ما كنت سأخط حرفا على ورقة، ما كنت سأحافظ على خيالي خصبا وكانت يد الحياة خنقته مبكرًا، إن تأثير أبي على موهبتي يشبه تأثير الفراشة في الرواية الشهيرة، التي أنتجت سلسلة من الأحداث غيرت وجه العالم.

عن لأبعد مدى