الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

حوار لأبعد مدى مع مؤلف (الغول الأحمر الأخير) جـ 1

مؤلف ملحمة (الغول الأحمر الأخير)، ناشط سابق بجماعة (التكية) الأدبية. صاحب مكتبة (الوفاء) بطنطا الجديدة، أحد أعضاء مجلس إدارة مبادرة (فانتازيون) التي تحولت حاليًا إلى دار نشر.. ترجم -بالاشتراك مع شقيقته منى الدواخلي- أول ترجمة للنص الأصلي الكامل لرواية (دراكيولا).

نظرًا لأننا بصدد شخصية بهذه الدسامة، فكان لنا معها حوارًا مطولًا سنضطر إلى تقسيمه إلى جزئين: سيتطرق النصف الثاني إلى بدايته الأدبية، وأهم المحطات الأخرى في مشواره.

بينما سنخصص هذا الجزء للحديث عن روايته (الغول الأحمر الأخير).

• مراحل كتابة (الغول الأحمر الأخير)؟

وضع التصور العام. وبالذات للنهاية.

بين عشرات الروايات التي بدأت في خطها، فالحفنة التي أكملتها كنت أعرف كيف انتهت.

بعضها على الأقل، ثلاثة منها قمت بتغيير النهاية بها بين تغيير بسيط إلى شامل، لكن ما لم أعرف من البداية كيف سينتهي العمل -حتى لو قصة قصيرة- غالبا لا يكتمل.

من ناحية أخرى فتكون فكرة الرواية ولحظة اشتعال اللهيب من لحظة أو فكرة أو مشهد متصور.

الغول الأحمر بدأ اختمارها في ذهني من ثلاثة مشاهد:

– مشهد ادعاء عبد الشهيد للقب الغول الأحمر وصدمته مما أحدثه اللقب الكاذب من توتر.

– مشهد محاكمة تيمور العلاف بسبب زواجه من الأميرة زهيرة، وكيف قال في النهاية أنه يحفظ حق النسب للملك الجائر.

– مشهد حصار ساوة وهروب الأميرة سارة بعدما أنجدها أهل ساوة التزامًا بكلمة تيمور.

التصور كان روايتين مختلفتين أصلًا، هذا مشهد ربما يتبعه تسلسل أحداث وهذان مشهدان ربما يربطهما أحداث أخرى لكن عندما اختمرت الفكرة في ذهني كانت تشعبت واندمجت مع أفكار متناثرة أخرى لتشكل هذه الرواية.

المخطط الأول كان يضم خطًا رئيسيًا ثالثًا هو مغامرة ما ورائية للراوي والسياح التائهون ينتهي بظهور شبح القائد الأسود لهم، حيث يتضح أنه هو الراوي. قمت بإلغاء هذا الخط بعد الكتابة.

غير ذلك توجد تغييرات محددة في بعض الأحداث بين النقل من الورق إلى ملف وورد. غيرت النهاية قليلًا حذفت بعض الأحداث البسيطة وأضفت أخرى ليست بالتغييرات الجذرية.

•  أي شخصيات الرواية قد تشعر بأنها تمثلك أكثر من غيرها؟

منذ فترة بعيدة، منذ أعدت قراءة رواية غير منشورة لي تسبق الغول أدركت أن كل الشخصيات تمثلني. الشخصيات جميعها تتماس مع ما أكون وما أريد أن أكون وما أكره إن أكون وما أخشى أن أكون، إلخ.

ومن وقتها أصبح هذا مفهومي الخاص لذاتية المؤلف.

• هل توجد خيوط داخل (الغول الأحمر)، ربما تكون قد استوحيتها من مواقف شخصية، أو حدث تاريخي معين؟

الحدث التاريخي الأساسي كان سقوط بغداد. هذا حدث وما تبعه من انهيار للدولة هزني جدًا.

أيضًا الصومال وصعود حركة المحاكم الشرعية ثم ضربها لإسقاطها من قوى خارجية هي نفسها حاولت إحيائها لإبقاء شيء من النظام في الصومال.

تأثرت تاريخيًا -كذلك- بالزلزال الذي أحدثه وصول شخص واحد هو عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، وإحياءه لفكرة ميراث الأمويين هناك، ومواجهته للسمؤيل الذي تحالف مع الإفرنج ضده، وكذلك تحرك عبد العزيز آل سعود بـ٤٠ مقاتل أخذ بهم مدينة الرياض، ليعيد إحياء الدولة السعودية بعد دمارها مرتين، ودخوله في صراع مع الشريف حسين المدعوم بريطانيًا.

محمد علي باشا الذي قفز ببراعة فوق ثورة شعبية ليواجه مأزق خطير بتحدي محمد بك الألفي وجيشه الضخم المدعوم من بريطانيا، ولولا صمود أهالي دمنهور -بدون مساعدة من أمراء ولا جنود- لتغير تاريخ مصر كلية.

• عنصر اللغة في رواية (الغول الأحمر الأخير):

المشكلة أن مستوى اللغة في “من حكايات الغول الأحمر الأخير” ليس قويًا أصلًا.

لغتي بحمد الله جيدة، لكنها ليست ممتازة، وليست كما اطمح.

القراءة من سن مبكر، وحفظ القرآن ثم دراسة القراءات العشر كذلك، قراءة بعض الكتب التاريخية منها تاريخ الجبرتي المكتوب في عصر مقارب للموصوف في الرواية: كل هذه العوامل ساعدتني.

في الرواية هنا تقنية أدبية قديمة وهي (الإيحاء بالقدم). استخدام بعض تراكيب لغوية وألفاظ قديمة لأساعد القارئ على تخيل أن النص قديم بلغة قديمة، لكنه عمليًا مكتوب بعربية حديثة أقرب للغة الصحافة. ربما المقارنة مع أعمال تصل باللغة لدرجة الإهمال مع وجود وهم القدم، هو ما يجعل البعض يتصورها ذات لغة قوية.

• عن القصص الجانبية داخل الرواية الطويلة، على طريقة (كليلة ودمنة) أو (ألف ليلة وليلة)، والذي يرى البعض أنه قد عفا عليه الزمن:

لا يوجد شيء اسمه تقنية عفا عنها الزمن. الرواية استخدمت فيها البناء الشجري ذو القصة الإطارية الذي استخدمه العرب لجمع قصص السير العربية عمومًا. وألف ليلة وليلة كأشهر مثال. هذا كان هدفي منذ بداية الكتابة.. أن أحاكي هذا الأسلوب السحري الذي ينتقل بالقارئ عبر الزمن ببساطة وسلاسة لا تحققها الأساليب الأحدث الأكثر سرعة.

كنت أرى هذا أسلوبًا مهملًا يستحق أن يتم إحياؤه في بعض الروايات بين الحين والآخر، واعتبار القدم في حد ذاته عيبًا لا أراه نقدًا منطقيًا.

بالنسبة لمبارزة الحكايات والغول أغاغول، فأنا في مثل هذا النقد احتكم دوما للقارئ. كلا الحالين كان لي غرضي الأدبي وتخطيط معين لكن في النهاية ما يصل للقارئ هو ما وصل للقارئ وليس ما فكر به الكاتب. غرضي وتبريري ليس له فائدة فقط العمل الفاشل هو ما يحتاج إلى كتالوج لقراءته.

• لم يتم صدور (الغول الأحمر الأخير) من خلال اجزاء، بل في كتاب واحد رغم حجمه بالغ الضخامة؟ لماذا؟ وما المتاعب التي واجهتها لحين اقتناع أحد الناشرين بالمشروع؟

الرواية نشرت مسلسلة أولا على عدة منتديات. حين جمعتها قدمتها لأكثر من دار نشر حتى نشرت أخيرًا عن دار اكتب بطريق مناصفة التكلفة.

بالفعل طلب مني الناشر تقسيمها لجزئين وهو ما كان صعبًا لغياب نقطة تقسيم مناسبة في منتصف العمل.

اقترحت عليه نشرها بقطع أكبر B5 كما عرفت اسمه فيما بعد، فرد أن هذا القطع لا يستخدم للروايات نهائيًا، بل خاص بالكتب العلمية، فضربت له المثل برواية شفرة دافنشي، التي طبعت بنفس القطع وهو ما أقنعه.

تسبب هذا في مشكلة مع المطبعة حيث تصور عامل القص ان الورق زائد وقام بالقص على المقاس المعتاد A5، فدمر نسخ الكتاب وشوه الغلاف وحضرت أول حفل توقيع للكتاب بدون وجود نسخ.

• خلت رواية (الغول الأحمر الأخير) من عناصر مثل (جان مثلًا، سحر، مخلوقات خرافية، إلخ)، فهل من الدقيق أن تصنفها كـ (فانتازيا)؟

الرواية تنتمي إلى الفانتازيا التاريخية والتي تعني بتاريخ لم يحدث. ليس تاريخًا بديلًا وإنما تاريخ وهمي بالكامل سواء حقبة غير حقيقية لبلد حقيقي، أو العكس.. وضع بلد غير حقيقي وسط أحداث أو جغرافيا حقيقية.

والعمل لا يخلو عبر جزء من القصص المتفرعة من جانب خيالي أسطوري قوي.

• عن ظاهرة: استلهام معظم أعمالنا الفانتازية من قوالب وثيمات غربية (إما الإنمي، أو تفاصيل تولكين عن الجان والأقزام، أو الميثولوجيا الإغريقية، أو..، أو..)؟ بأضعاف ما يستلهم المؤلفون العرب من ثقافتنا الفانتازية المحلية؟

التأثر والتبادل بين الشعوب في الأساطير والحكايات أقدم مما يمكن تصوره.

جزء هائل من الأساطير العربية مستمد من أساطير إغريقية ورومانية وفارسية وسومرية، الخ.

في العصر الإسلامي حدث تزاوج آخر هائل مع الأساطير الهندية، وأفكار متبادلة أيضًا، فنجد أسطورتي الغول والعفريت -وكلاهما عربي خالص- يتغلغلان في أغلب دول العالم.

أسطورة كالتنين لا يمكن أن تعرف أصلها، مع انتشارها الهائل وربما كانت نتاج تعثر الإنسان القديم بأحافير الديناصورات.

المبدأ في حد ذاته لا غضاضة فيه. ولا ننسى أن جزء من الهوية المصرية (إذا تحدثنا عن الأدب المصري) هو التأثير الإغريقي لعصري البطالمة والرومان، لكن أن يغيب بالكلية التأثير المحلي على ثراءه هذه هي المشكلة.

لدينا ارث هائل من الحضارات والتراث الشعبي للمصريين القدماء والسومريين والكوشيين والأساطير الأمازيغية، إلى جانب تراث عربي ثري ونترك كل هذا لكتابة ألف قصة متشابهة متاثرة بأساطير نوردية فهذا وضع مختل.

….. (يتبع)

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).