مجلات الورق الخشن: حقبة مهمة في سلم تطور الخيال العلمي

مجلات الورق الخشن  أو مجلات اللب Pulp Magazine: دوريات شعبية ازدهرت من أواخر القرن التاسع عشر إلى العقود الأولى من القرن العشرين.

حازت هذا الاسم نسبة إلى لب الخشب الخشن الذي يصنع منه ورقها (بينما المجلات عالية الجودة كانت تسمي”Glossies”  أو”Slicks”)، مما جعلها تصل إلى القارئ بسعر رخيص.

على الجانب الآخر، تنوعت موضوعاتها بشكل يرضى مختلف الذائقات، ما بين (جاسوسية، مغامرات يافعين، فانتازيا، رومانسي، رعب، قصص الغرب الأمريكي، بوليسي،..)، فكان طبيعيًا أن تنال شعبية كاسحة، بينما ظل المثقفون ينظرون إليها باعتبارها بالغة الفقر أدبيًا، وربما ينطبق هذا الوصف على نسبة من المحتوى بالفعل.

إلا أن تلك الدوريات الرخيصة شهدت أعمالًا بتوقيع من أصبحوا –فيما بعد- أيقونات أدبية بارزة، مثل:

روبرت بلوخ، جاك لندن، سكوت فيتزجيرالد، أجاثا كريستي، جوزيف كونراد، إلخ. (لنلاحظ أن نشر الرواية دفعة واحدة لم يكن الصيغة الوحيدة للنشر حينذاك، بل شاع صدور الأعمال الأدبية في شكل حلقات مسلسلة داخل المجلات). بل أن  أول كاتب أمريكي يحصل على جائزة نوبل (سنكلير لويس)، عمل خلال أحد فترات حياته كمحرر لأحد (مجلات اللب).

أما أول من فكر في تخصيص دورية –بالكامل- في أدب (الخيال العلمي) هو (هوجو جرنسباك) عام 1926م، أطلق عليها اسم مجلة (قصص مدهشة).

ليبدأ –منذ ذلك الحين- انفجارًا من  الإصدارات المتخصصة المشابهة.

لو أردنا تقييم تلك التجارب الرائدة، فربما معظم محتواهم –بالفعل- يعد خفيفًا وبدائيًا بالقياس إلى مستوى الخيال العلمي والفانتازيا اللاحقين، لكن العدل يحتم عدم تقييم حقبة ما بمعزل عما سبقها وما تلاها. حينئذ، سندرك أن تلك المجلات ذات فضل واضح في بدء التكريس للخيال العلمي كفرع أدبي مستقل.

يكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن أول من أطلق لفظة (خيال علمي) هو (هوجو جرنسباك) ذاته. بعد أن كان الجميع حائرون في الاستقرار على اسم. يسمونه (رومانسية علمية) تارة أو (قصص علمية تقرأ في جلسة واحدة) تارة أخرى.

على صعيد آخر، نجحت تلك المجلات الخفيفة في خلب عقول النشء، فإذا فتشنا في تصريحات أدباء الأزمنة التالية، بالذات ما بين1938 م إلى 1946م (يطلق عليها «العصر الذهبي للخيال العلمي»)، سنجدهم يعترفون بفضل تلك الدوريات، حيث أدمنها معظمهم في الصغر، فغرست داخلهم عشق تلك الأفرع الأدبية تحديدًا.

لتقريب الصورة أكثر، يشبه الأمر توجيه نفس السؤال إلى المؤلفين العرب المعاصرين، سيخبرك معظمهم بأنهم اتجهوا إلى الخيال العلمي تأثرًا بسلاسل (ملف المستقبل) و(كوكتيل 2000). يمكن القول أن روايات مصرية للجيب (خلال الفترة من الثمانينيات إلى أوائل الألفية الثالثة) تسببت عربيًا في تأثير مشابه لما قامت به (مجلات اللب) في الغرب (خلال الفترة من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين).

هل لاحظتم مقدار الفجوة الزمنية؟

إنه يجسد –بالتقريب- مسافة التأخر التي تفصلنا عن الخواجات في هذا الصدد.

• نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).