الإثنين , أغسطس 19 2019

المتنبي بين التاريخ والفانتازيا في رواية (عبقري آخر)- أحمد خالد توفيق

واحدة من الروايات المميزة ضمن سلسلة فانتازيا التي أصدرها الراحل أحمد خالد توفيق، إنها العدد 54 ومحور الرواية هو سيرة شاعر العرب الأكبر أبي الطيب المتنبي.

وقد سبق أن قدّم شخصية عربية قبل ذلك وهي شخصية عالم اللغة المعروف سيبويه في رواية (شيء من حتى) العدد 44، رغم أنه قدّم قبل ذلك الروائي الروسي دستويفسكي في رواية (عبقري) – العدد 30- لكنه ركّز على شخصيات رواياته أكثر من سيرة دستويفسكي نفسه ومثله شكسبير- العدد 10.

وقد سبق استعرضنا تصنيف روايات السلسلة في مقال سابق بعنوان (فانتازيا…التاريخ بوجه آخر!)

• عبقري آخر ورثاء ماحق!

عنوان الرواية يشير أن هناك عبقري سابق ما دام هذا عبقري آخر!

ما يتبادر للذهن أن السبب أنه سمّى روايته عن دستويفسكي – العدد 30- (عبقري)، فالمتنبي هنا هو الآخر؛ لكن الجواب في متن الرواية حيث جاء على لسان عبير:

“هذا هو المتنبي العبقري.. لقد قابلت عباقرة كثيرين في فانتازيا وها هو ذا عبقري آخر..”
(عبقري آخر، ص:24).

تتكون الرواية من 10 فصول في 105 صفحة من القطع الصغير – شأن كل سلاسل روايات مصرية للجيب-

في فصلها الأول يرتب المؤلف موقفًا من واقع عبير مع زوجها شريف يرد فيه بيت المتنبي الشهير:

مَا كلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ
تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ

فيكون هذا سبب ولوجها لعالم المتنبي في فانتازيا، لتبدأ نافورة المعلومات بالانصباب عنه كأن يقول المرشد:

“بالنسبة للمتنبي أنت تتكلمين عن 326 قصيدة من عيون الشعر العربي” (عبقري آخر، ص:16).

ليضع المؤلف في فصل الرواية الثاني (عبير) في بلاط سيف الدولة في موقف خصام المتنبي مع اللغوي ابن خالويه ورميه من قبل هذا الأخير بمفتاح كان في كمه، تلك الحادثة التي كانت بوادر الشقاق بينه وبين سيف الدولة – ممدوحه الشهير- الذي لم ينتصر له، وحواره مع عبير عن عزمه الرحيل من عند سيف الدولة وأن الوشايات هي السبب في ذلك.

يضع المؤلف في الفصل الثالث حوارًا مفترضًا بين عبير والمتنبي سأسرد منه شيئًا للتعليق عليه؛

عادت لتسأله:

هل الوشاية هي السبب الوحيد؟

ابتسم في خبث، وتحسس لحيته الناعمة، وقال:

ربما كذلك ما قلته عن (خولة) أخت (سيف الدولة) في قصيدة لي أرثيها فيها، لقد وصفت مبسمها واعتبر هو هذه إهانة لا تليق.

قالت:

بيني وبينك، معه حق، هذه قلة أدب لا شك فيها.

فيما بعد قال الخوارزمي عالم الجبر العظيم: لو عزاني أحد في امرأة لي ببيت شعر كهذا لألحقته بها!!”

(عبقري آخر، ص:31)

بل راح المؤلف يؤكد أن سبب رحيل المتنبي عن سيف الدولة هو هذا البيت الشعري، فيقول عن وشاته:

وهم لا يكفون عن الهمس في أذن سيف الدولة: شاعرك هذا مغرور.. شاعرك هذا وقح.. شاعرك هذا معدوم الموهبة.

ثم….

شاعرك أهان أختك وهي ميتة.

كانت هذه هي نقطة افتراق الطرق.”

(عبقري آخر، ص:57).

• قليل من التاريخ:

الحقيقة بمراجعتي لسيرة المتنبي الموجودة في أكثر من كتاب لشرّاحه الكثر، ومن ذلك كتاب (الصبح المنبي عن حيثية المتنبي) لمؤلفه: يوسف البديعي الدمشقي (المتوفى:1073هـ) وجدت أن الراحل أحمد خالد توفيق وقع في عدة أخطاء في هذا المقطع، وهي:

– الوشايات هي السبب في رحيل المتنبي عن سيف الدولة… صحيح، أما أمر رثاء خولة هي السبب فمستحيل؛ لأن المتنبي رحل عن سيف الدولة عام 345هـ، وموت خولة – وبالتالي قصيدة رثائها – لم يحدث إلا في عام 352هـ، أي بعد فراره من مصر وعودته للكوفة!

– البيت الشعري المقصود في قصيدة الرثاء – والذي استفز نقّاد المتنبي -هو:

يَعلَمْنَ حينَ تُحَيّا حُسنَ مَبسِمِها
وَلَيسَ يَعلَمُ إلاّ الله بالشَّنَبِ

– أما قول المؤلف: “فيما بعد قال الخوارزمي عالم الجبر العظيم: لو عزاني…إلخ” فليس الخوارزمي عالم الجبر العظيم واسمه محمد بن موسى الخوارزمي (160 -232هـ) لأنه مات قبل ميلاد المتنبي نفسه بأكثر من 70 عاما؛ فالمتنبي ولد عام 303هـ وقتل عام 354هـ!

وإنما صاحب المقولة خوارزمي آخر؛ هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي (323- 383هـ) من أئمة الكتاب، وأحد الشعراء العلماء. كان ثقة في اللغة ومعرفة الأنساب. وهو صاحب (الرسائل) المعروفة برسائل الخوارزمي. وله (ديوان شعر).

ربما يقول قائل: هذه فانتازيا؛ حيث القواعد فيها لا قواعد والحدود لا حدود!

أقول: هذا صحيح، لكن الراحل أحمد خالد توفيق عندما يتجاوز التاريخ أو يقلب مساره يشير لذلك؛ في روايته قلعة السفاحين – العدد 22- يجعل فرقة الحشاشين تقوم بقتل الشاعر عمر الخيام – وهذا لم يحدث أصلًا، لذا يشير في الهامش قائلا: “نحن في (فانتازيا) ولسنا في كتاب تاريخ…لكن الدقة تقضي بأن نذكر للقارئ أن (الخيام) لم يُقتل لكنه مات ميتة طبيعية عام 517هـ (1123م) عن 84 عامًا” (قلعة السفاحين، ص:85).

في نهاية ذلك الفصل يورد المؤلف:

“قال المتنبي في يأس عالمًا أن الوقت فات لتقريب الفجوة بينه وبين سيده -يعني سيف الدولة-:

بيني وبينك ألفُ واشٍ ينعبُ
فعلام أسهبُ في الغناء وأطنبُ؟
صوتي يضيعُ ولا تحسُ برجعه
ولقد عهدتك حين أنشد تطربُ!

ثم قال في قصيدة رقيقة فعلاً:

أنتَ الحبيب ولكني أعوذُ به
من أن أكونَ حبيباً غير محبوبِ

لقد انتهت مرحلة مهمة من حياة المتنبي، وهي علاقته بسيف الدولة” (عبقري آخر، ص:33-34).

هنا أيضا نسب المؤلف أبياتًا في غير موضعها؛ فالبيتان الأوليان: بيني وبينك ألفُ واشٍ ينعبُ…إلخ، هما للشاعر المعاصر د. غازي القصيبي!

لكني أعذر المؤلف في إيرادهما لأن القصيدة بعنوان (رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة)، رغم أن هناك كتابات ترى أن القصيبي يقصد الملك فهد!

أما البيت الأخير: أنتَ الحبيب ولكني أعوذُ به…إلخ، فهو لابن نباتة المصري (686- 768هـ)، أما بيت المتنبي

هو:

أنتَ الحبيب ولكني أعوذُ به
من أن أكونَ محباً غير محبوبِ

وكأن ابن نباتة مسخ بيت المتنبي بتغيير (محبًا) إلى (حبيبًا)، لكن ما أورده المؤلف هو نسخة ابن نباتة!

وعلى العموم هذا البيت لم يقله المتنبي عن سيف الدولة، بل قاله أمام كافور في قصيدة عام 346هـ!

• المتنبي في مصر:

يعرض المؤلف مرحلة مكث المتنبي في مصر مادحًا كافور في ثلاثة فصول منذ الفصل الرابع حتى فراره منه في الفصل السابع، لكن المؤلف يلخبط في مواعيد القصائد التي أنشدها المتنبي في مدح كافور، فيقول:

“هكذا ظل متجهم الوجه يصغي للمتنبي وهو يمدحه:

وَأخْلاقُ كافُورٍ إذا شِئْتُ مَدْحَهُ
وَإنْ لم أشأْ تُملي عَليّ وَأكْتُبُ
إذا تَرَكَ الإنْسَانُ أهْلاً وَرَاءَهُ
وَيَمّمَ كافُوراً فَمَا يَتَغَرّبُ

في اليوم الثاني أنشده المتنبي قصيدة أخرى تقول:

كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا
وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا

وبعد أيام ألف قصيدة جديدة تقول:

وَلمّا صَارَ وُدّ النّاسِ خِبّاً
جَزَيْتُ على ابْتِسامٍ بابْتِسَامِ
وَصِرْتُ أشُكُّ فيمَنْ أصْطَفيهِ
لعِلْمي أنّهُ بَعْضُ الأنَامِ” (عبقري آخر، ص:43-45).

الواقع أن الأبيات (كفى بك داء) هي أول ما أنشده المتنبي لكافور سنة 346هـ وليس قصيدة أخرى، في حين الأبيات (وأخلاق كافور) قالها عام 347هـ، أما الأبيات (وَلمّا صَارَ وُدّ النّاسِ خِبّاً) هي من قصيدة الحمى – التي سيفصل لها المؤلف الفصل السادس- فلم يقلها المتنبي (بعد أيام) بل سنة 348هـ؛ أي بعد سنتين من وصوله مصر، وليس كما قال المؤلف “عام كامل مر في مصر”!

وذكر أمام كافور أبياتًا قديمة ليس محلها مصر بل الشام، لكن سنتغاضى عن ذلك. (عبقري آخر، ص:60).

في قصيدة الحمى يورد المؤلف أن الحمى التي أصيب بها المتنبي هي الحمى المالطية (البروسلا) أو الملاريا ويفصّل في أعراضها مستنتجًا ذلك من أبيات المتنبي في إبداع لا يُستغرب من المؤلف حامل دكتوراه في أمراض المناطق الحارة.

يقول:

“إن وصف المتنبي للمرض دقيق جدًا، وحتى اليوم يرى أكثر الأطباء أنه يصف (البرداء) أو (الملاريا) وهي داء متوطن في مصر وقتها، بينما يرى آخرون أنه يصف الحمى المالطية (البروسلا).. حمى ليلية مزمنة مع ألم في العظام” (عبقري آخر، ص:63).

• قبل الختام:

تستمر وتيرة الرواية وتعليقات المؤلف على حياة المتنبي، بل واعتصارها من البداية برفقة د. طه حسين من خلال كتابه (مع المتنبي)؛ مثل قوله:

“ما ينبغي أن نحبّ الشّعراء ونبغضهم لأنّهم مدحونا أو هجونا … وإنّما ينبغي أن نعرف الشّعراء أوْ ننكرهم لآنهم مدحوا فأحسنوا المدح، وهجوا فأجادوا الهجاء”.

فيعرض المؤلف لهروب المتنبي من مصر وهجائه المقذع لكافور، وافتخاره بنفسه حتى وصوله للكوفة في عهد القرامطة، وذهابه بغداد حتى ذهابه لفارس ومدح عضد الدولة، ثم خروجه من شيراز عائدًا لبغداد، يقول المؤلف عن خروجه:

“وعلى باب المدينة قال واحدًا من أروع أبياته الشعرية وأقواها:
رَماني الدّهرُ بالأرزاءِ حتى
فُؤادي في غِشاءٍ مِنْ نِبالِ
فَصِرْتُ إذا أصابَتْني سِهامٌ
تكَسّرَتِ النّصالُ على النّصالِ”

(عبقري آخر، ص:90).

الواقع أن هذ الأبيات قديمة قالها المتنبي ضمن قصيدته في رثاء أم سيف الدولة سنة 337هـ، في حين خروجه من شيراز كان في أوائل شعبان سنة 354هـ!

في الفصلين الأخيرين يفصّل المؤلف لقصة القصيدة التي أدت لاغتياله وتفاصيل اغتياله بشكل درامي جميل، ليختم به الرواية، موردًا رؤية طه حسين “أن المتنبي جاء العالم في فترة مليئة بالاضطرابات والتناقضات، لذا كان الشخص الوحيد الذي يمكن أن يتكيف مع هذا العالم هو شخص مليء بصراعات داخلية مماثلة” (عبقري آخر، ص:104).

*****

• المراجع:

– أحمد خالد توفيق، عبقري آخر، سلسلة فانتازيا، العدد 54، القاهرة: المطبعة العربية الحديثة د.ت.

– أحمد خالد توفيق، قلعة الحشاشين، سلسلة فانتازيا، العدد 22، القاهرة: المطبعة العربية الحديثة د.ت.

– خير الدين الزركلي، الأعلام، ط15، بيروت: دار العلم للملايين، 2002م.

– ديوان المتنبي، تحقيق: بدر الدين الحاضري، ط2، بيروت: دار الشرق العربي، 2008م.

– يوسف البديعي الدمشقي (المتوفى:1073هـ)، الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، ط3، القاهرة: دار المعارف، د.ت.

– أبو منصور الثعالبي (المتوفى:429هـ)، أبو الطيب المتنبي وما له وما عليه، تحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: مكتبة الحسين التجارية، د.ت.

– دواوين الشعر العربي على مر العصور، برنامج المكتبة الشاملة، الإصدار الثالث.

عن عبدالحفيظ العمري

مهندس ومترجم وكاتب علمي يمني، صدرت له عدة كتب في مجال (تبسيط العلوم).