(لينا كيلاني)، تكتب: الخيال العلمي.. خيال أم علم؟

جنس أدبــــــي جديــــد نسبيًا أخـــذ يزدهر في الآونــــة الأخيرة هو: (أدب الخيال العلمـــي) (Science Fiction)، والناشئة أكثـــر من ســــواهم مَنْ يقبلون على قراءته، ولو أن هذا الجنس الأدبـــي أخذ يلاقي رواجًا لدى الناس عمومًا، ليقبلوا عليه بينما يشكل لهم سلمًا يرتقون به الى آفــــــاق أوسع من الخيال والعلم، وما يمكن أن يخبئه المستقبل من كشوفات، واختراعات.

وإذا ما وقعت عين المرء على هذا العنوان البراق (الخيال العلمي) تشكل لديه الدافع لأن يتناول الكتاب ليطلع على ما فيه، وفي ذهنه بعض المعطيات العلمية التي يراها كإنجازات على أرض الواقع، وهي جزء من حياته المعاصرة. إذن فحياتنا المعاصرة بما أصبح فيها من تطور علمي نشهده يومًا بعد آخر شكلت حافزًا لأي منا لأن يقبل ببساطة على تلك الكتب التي تكشف جانب العلم مضافًا إليه الخيال، ومحمولًا على أجنحة أحلام الإنسان التي لا تنتهي.

وفي الآونة الأخيــــرة بدأنا نلحظ نوعًا من التسابق يبرز بين الكتّاب في هذا الاتجاه وكأنه نوع من التجديد، أو التحديث.

ونقف هنا لنتساءل: هل إنجازات العلم الهائلة، والمذهلة والتي تسجل قفزات كبيرة باتت تفرض مثل هذا التوجه في الأدب؟ أم أن هناك هدفًا عند الكتّاب لكي يأخذوا منجزات العلم، وقد كانت أحلامًا، وخيالات وإذا بها على أرض الواقع ليقفزوا منها الى مسافات أبعد؟ ونتساءل أيضًا: هل يمكن أن نستغني بأدب الخيال العلمي عن الأدب الخيالي والأسطوري، وأدب الحكايات الشعبية، والخرافات، والموروثات الخ؟

قبـــل كل شيء يجب أن نحدد هدف الكاتب، وقبل أن نحدد شروط هذا الجنس الأدبي فما هو الهدف يا ترى؟

لو حللنا كلمتي (خيال ـ علمي) فسنسأل: هل الهدف هو (الخيال) وبما يخلقه من سحابات ملونة، وما يطلقه في ذهن القارئ من مساحات تحلق به الى عالم سحري؟ إذا كان الأمر كذلك فلاشك أن هذا التراث الضخم من آداب الشعوب في الأساطير، والحكايات، والخرافات، وغيرها يحقق ما نهدف إليه بطريقة أو بأخرى، سواء تناولناه كما هو من مصادره أو أدخلنا عليه إسقاطات، وتغييرات تتناسب مع العصر. وإذا كان الهدف هو (العلم) فالأمر يتعلق بالعلماء إذن، أو بالمطلعين على أسرار العلم، والذين يريدون أن يطلقوا قذائفهم الصغيرة في عقول الناس لتأخذ مســـارها نحو الصعود، والإنجـــاز أكثر فأكثر. وهذا ما يقوم به كثير من العلماء والمشتغلون بالعلــــــم من خلال ملايين الملايين من صفحــــات الكتب، والنشــرات، والموسوعات، ووسائل الإعلام، وشبكة المعلومات أيضًا، وهي أكثر ثقة، ومحاكاة للحقيقة العلمية، وهم يراعون فيها في الوقت ذاته أسلوبًا مبسطًا شيقًا يصلون من خلاله الى أفكار الناس.

إذن فالمقصود بـ (الخيال العلمي) شيء مختلف عن هذا و ذاك، ولو أنه مزيج من الطرفين ـ أعني الخيال من جهة، والحقائق العلمية من جهة اخرى.

أما عن (الخيال) فهذا أساسي هنا، لأنه المفتاح السحري لما يمكن أن نسميه (أدب الخيال العلمي)، وتأتي الحقيقة العلمية التي ربما تكون طيفًا لم يتضح بعد، أو بذرة صغيرة لم تشق طريقها نحو النور، أو هي مولود يمكن أن تنتج عن عدة حقائق علميــــة، إلا أنه لا يمكـــــن الاستغناء عن هذه الأرضية العلمية بشكل، أو بآخر.. فلولا محاولات الطيران الفاشلة، أو الناجحة لما تنبأ (جول فيرن) بالطائرة، وبالصاروخ، ولولا اهتمام كتّاب، وفنانين عِظام بلب المنطلقات العلمية، وجوهرها لما تحقق الخيال الذي نَشدوه من خلال أعمالهم.

وها نحن أمام جنس جديد نسبيًا من الأدب يلاقي اهتمامًا من الكتّاب، وإقبالًا من الجمهور هو (أدب الخيـــــال العلمي) بعد أن كان نادرًا، وقليلًا، إذ على مدى عشـــرات السنين لم يفرز هذا النوع أكثر من (جـــول فيرن)، و(هربرت جورج ويلز) H.G.Wells))، وألدوس هكسلي، وآخرين قلة غيرهم حتى في عالمنا العربي، أما الآن فقد كثر من يتناولون هذا الأدب سواء في الغرب، أو في بلادنا، ولو أنهم لدينا بنسبة أقل بكثير مما هي عليه في الغرب.

فما هي الأدوات الفنية التي يمكن أن تستخدم في هذا النوع من الأدب؟ هذا سؤال يمكن أن نوجهه للذين يمارسون أدب الخيال العلمي، فنقول لهم: ما هي أدواتكم؟ وما هو مفهوم أدب الخيــــال العلمي عندكم؟ ما هي المقادير التي تمزجــــــون بها بيــــــن العــــلــــــم وبين الخيــــــال؟ وأيهما أرجح؟ مــــــن أين تأتــــــــون بمصطلحاتكم العلمية لكل فرع من فروع العلــــــم؟ هل تبتكرونها، أم أنكم تأخذونها من المعــــــــاجم؟ وهل العالَــــــم الخيــــــالي الذي تخلقونه مبني كليًا على الحقيقة العلمية؟ أم أنكم تكتفون باصطياد بديهة علمية، أو حقيقة شائعة، ومعروفة ثم يكون العمل الأدبي؟ فارتيـــــاد الفضاء مثلًا، أو الهبوط على سطح القمر أصبح معروفًا جدًا، ولكن هل تُراعى الشروط المناسبة لهذه المعلومة، أو الحقيقة العلمية بحيث يغدو العمل الأدبي غير متناقض مع نفسه؟ صحيح أن هذا مشوق، ولكن ما أكثر التناقضــــــات التي قد يحملها هذا العالَـــــم المتخيل، أو المبتكر قياسًا الى الحقائق.. ولو عرضنا هذا العمل الأدبي على عالِمٍ اختصاصي لقال: إن هذا غير ممكــــــن.. أو هو مستحيل.. لأن هذه البديهية، أو المعلومة مرتبطة بسلسلة من الحقائق تزداد عمقًا كلما أوغلنا فيها. إلا أن كتب الخيال العلمي في مطلع القرن الماضي، والتي جاءت على ضوء الكشوفات العلمية، كان خيال الأديب فيها  يفوق خيال العالِم بحيث تصور الذي ينسجه بمصداقية علمية، وفنية فجاء عالَمًا كاملًا متكاملًا، فالحلـــــــم والخيال هما أساس العلم، والاحتفاظ بالحلم إنما هو في صالح تطور البشرية.

ولو أردنا المقارنة بين ما توفر لدينا من أدب الخيال العلمي العالمي وما فيه من تماسك من حيث المعلوماتية، لنقــــــارن بينه وبين هذه الطريق التي انفتحت أمامنا عريضة واسعة، والأقلام قبل الأقدام تسعى في التنافس عليها لاضطررنا الى الوقوف عند بعض المحطات في محاولة لسبر ما يقدم في الوطن العربي على أنه خيال علمي، ولنحدد قواعد، وأسسًا ثابتة لهذا الجنس الأدبي لا ينبغي أن يخرج الكاتب عنها بحال من الأحوال.

صحيح أن العلم هو أيضًا خيال ولولا هذا الخيال لما وضع العلم فرضياته التي وصلت بنا الى ما وصلنا إليـــــــــه لكن المنهج العلمـــي ضروري فيما لو استخدمنا المنجزات العلمية الحديثة كمادة للأدب، فلا يجوز هنا للكاتب أن يفترض أسبابًا، أو يخلق أحداثًا، أو يتوصل الى نتائج لا يقرها المنهج العلمي لئلا نضلل القارئ، أو نناقض ما هو قائم علميًا، أو ما يلقن في المدارس، ومن جهة أخرى فان علينا أن نغذي هذا الاتجاه وهو الربط بين العلم والإبداع بحيث يكون الخيال في هذا الاتجاه خيالًا علميًا فعلًا، وليس أشكالًا من التخيل والعوالم الوهمية. ولعل أبرز شروط الخيال العلمي هو أن يتوافق مع النظريات العلمية الصحيحة والدقيقة أيضًا خاصة وأن أبواب الخيال العلمي لا تقف عند عتبات الفضاء فقط بل تتعداها الى مناطق أخرى يكون فيها الإنسان، والنبات، والحشرات، والغابات، والبحار، والجبال، وغيرها الكثير موضوعًا لهذه الأعمال الأدبية.

ولو أردنا أن نحدد منطلقات واضحة لأدب الخيال العلمي لقلنا إن على الكاتب أن يواكب التقدم الحضاري في محاولة لاستدعاء رؤى مستقبلية تكون أكثر جرأة مما هو قائم، ولقلنا أيضًا إن هذا الاستدعاء لروح قرن جديد نخطوا به لا ينجح دون ثقافة علمية أصيلة تجنح بالكاتب الى رؤى حقيقية أبعد ما تكون عن القص الخيالي الذي لن يكون واقعــــًا في حال من الأحوال، ولو انحرف الكاتب في هذا الاتجاه بعيدًا عن مصداقية العلم نتيجة ضعف الثقافة العلمية لكانت الإشارة واجبة هنا الى ما قد ينجم عن مثل هذه الأعمــــال من تضليل للمتلقي أيا كان، لأن دور الأدب على تنوع أجناسه هو فاعل، ومؤثر في المجتمعات الإنسانية.

ولو تعرضنا الى أسماء أدبيـــــــة بعينها حققت مصداقية كبيرة في مجال أدب الخيال العلمي لذكرنا في هذا السياق الكاتب الروسي (إسحاق عظيموف) الذي كان عالِم طبيعة قبل أن يكون كاتبًا، ولاعتبرنا الفرنسي (جول فيرن) مؤسسًا، أو أبًا للخيال العلمي عندما جاءت رواياته الشهيرة بتنبؤات علمية أصبحت حقيقة بعد قرن كامل من الزمن. ولا ننسى أيضًا (هكسلي)، و(ويلز)، وغيرهما ممن تخيلوا ما يقع الآن تحت السمع، والبصر.

لقد وضـــــع هؤلاء جميعـــــًا تصورًا لمستقبل حيـــــــــاة الإنســـــان على ضوء العلم وكشوفاته، ونتيجة التقدم التكنولوجي فإذا بأدب الخيال العلمي يترافق بمسميات عدة كأدب التنبؤ بالمستقبل، وأدب الأفكار، أو أدب التغيير. هذا الأدب الذي لا يقوم إلا على أساس الفرضيات العلمية قابلة التحقيق، ولو كان هذا نظريًا فإذا به يجنح بها الى ابتكارات، واكتشافات، واختراعات علمية جديدة. وما يؤكد هذا هو كتب الخيال العلمي التي تحدثت عن غزو الفضاء ومركباته، والغوص الى أعماق البحار والمحيطات، والوصول الى علم الاستنساخ، والجينات، وخلق سلالات جديدة من الحيوان والنبات، وتطور علم الذرة، وعلم الزراعة، وغيرها حتى كادت تتلاشى الحدود الفاصلة بين الخيال والعلم على ضوء ما هو قائــــم الآن من تطور علمي، وتكنولوجي هائلين يكاد كل منهما يكون أقرب الى الخيال منه الى الحقيقة. هذا وقــــد أسس بعض العلمـــــاء نظرياتهم على تلك التنبؤات فكانت أساسًا لإنجازات معاصرة كان الخيال العلمي فيها حافزًا لهؤلاء العلماء.

فهل نستطيع القول بعد كل هذا إن أدب الخيال العلمي أصبح ضرورة مستقبلية تُعد الإنسان لتقبل التطور القائم، وما سيأتي به المستقبل؟ أو أنـــه ضرورة من حيث تنمية الخيال البشري كمدخل للإبداع؟ أظن أن هذا سؤال مشروع طالما أن هنـــــــاك دولًا متقدمــــــة تدرج أدب الخيــــال العلمي في مناهجها الدراسية، وتجعله تخصصًا علميًا أكاديميًا في جامعاتها، وتدخله في دراسات المستقبل الاستراتيجية. سؤال مشروع ومبرر إذا كنا لا نريد صدمة المستقبل لأجيالنا.

عن لأبعد مدى