من رواية الخيال العلمي (قربان): ليلى

تعتقد (ليلى) أنها ستكره يوم الخميس ما حيت، لأنه سيظل يذكرها بدورها في الطهي للمحطة، هو ليس طهيًا بالمعنى المفهوم، يكذبون على أنفسهم ويسمونه كذلك –فقط- كي يشعروا بأنهم لا زالوا يعيشون حياة الأرض.

وضعت الوعاء على الموقد الحراري، ثم أعطته ظهرها كي تعد مزيجها الخاص؛ كوكتيل من حبوب ومعجونات الأطعمة المخصصة لرحلات الفضاء.

وعندما انتهت تمامًا أرادت إضفاء بعض المتعة لوقتها، فأخرجت كاميرتها الصغيرة، وضبطها على برنامج المخرج الوثائقي الرقمي، وأخيرًا أفلتتها كي تحلق الهواء، وتلتقط كادراتها آليًا.

ضبطت ليلى حجابها، ثم منحت الكاميرا ابتسامة واسعة، قبل أن تبدأ:

– نعتمد مهنتنا على الترحال المستمر، من شرق الأرض إلى غربها، لذلك؛ -ومن المحبط جدًا قولها- نحن مسجونون هنا، والأسوأ أن كل ذلك جاء نتيجة خطأ فادح، مجرد خطأ.

أتذكر أول مرة هبطنا هنا، ولذنا –مباشرة- بالنجوم وراء النافذة كي تحدد موقعنا، المفاجأة أن مواضعها كانت غريبة كليًا عما هو مألوف، كما امتلأت السماء بعشرات الكتل الحجرية السيارة.

طاردنا احتمال منطقي وحيد، فشلنا في التهرب منه طويلًا؛ ألا وهو أننا لسنا على الأرض أصلًا، بل فوق جرم فضائي خالي من الحياة.

قاطعا ظهور الآلي مازن عبر فتحة الباب، وأخبرها أن المجموعة تتعجلها، فاتجهت (ليلى) نحوه، وعانقته من الخلف بمرح، لتوجهه جسده نحو الكاميرا:

– وقتها، ظهر لنا مازن كما فعل الآن، برفقة زميليه (جي 2) و(جي 3).. وحتى هؤلاء –آسفة يا مازن- لم يمكننا اعتبارهم ضمن مظاهر الحياة كما ترون، المهم.. أننا –بواسطتهم- عرفنا موقعنا بالضبط.

إننا على الكويكب (فيستا).. واحد من نصف مليون كتلة حجرية تسبح بين مداري المريخ والمشترى، تقف محطتنا تقف فوق تربته القاسية المكونة من الحديد والنيكل الـ..

صحح مازن بنفس نبرته المعدنية المحايدة:

– بل من الكالسيوم والألمونيوم، باطن الكوكب هو ما يتركب من الحديد والنيكل.

– اخرج فورًا يا مازن، أنا المخطئة بالسماح لك بالظهور في يومياتي الوثقائية.

أعطاها الآلي ظهره، وغادر مصحوبًا بوقع خطاه شديد الانتظام.

– ماذا كنت أقول؟

للأسف نسيت، حسنًا سأختار البدء من جديد، أنا (ليلى).

فتاة حلمت طويلًا بأن تكون نجمة تليفزيون واقع.

كثيرًا ما قالوا لي أنني أملك الطلة المناسبة، بالإضافة إلى طبقة صوت.. احم.. مميزة كما ترون.. وفي الحقيقة.. كلما نظرت إلى المرآة أدرك أنهم -إلى حد كبير- لا يجاملونني.

عائقي المستفز الدائم؛ أنني بطلة بلا قصة، منذ وعيت على الدنيا، وأنا آكل وأشرب وأنام، و.. لا شيء أكثر من ذلك! حياة روتينية دون أي دراما تُذكر!

أحيانًا يحكي لي أحد المقربين عن حب ضائع، أو مُصاب أليم، وللحق، أفشل -دائمًا- في التعاطف معه.

– ما الأكثر إيلامًا من الأحداث السيئة؟

-ألا يحدث شيء على الإطلاق.

أتصدقون؟ بلغ بي الفراغ أن فكرت –ذات مرة- في.. الانتحار.. أو حتى القتل!

من قرأ رواية (الغريب) للفيلسوف القديم لألبير كامو؟

أنا فعلت منذ سنوات، واستنكرت لأول وهلة قيام البطل بقتل عربي لا لشيء إلا لأن الجو حار، ومليء بالذباب، وكل شيء حوله يضاعف من السأم.

بعد قليل من التدبر.. وجدته تصرفًا منطقيًا، ولو أن هناك شيء وحيد غير مبرر فهو استنكاري في بادئ الأمر، فأنا –بالذات- من القلائل الذين يتحتم عليهم أن يتفهموا ما اعتمل البطل.

استعذت –سريعًا-  من الشيطان الرجيم، وقررت التطوع في الشركة، قيل لي أن هناك زجاجيون يتتبعون الألم، فوجدت المهنة أسلم نتائجًا من الاستسلام للهواجس، مهنة وكأنها هُندست –خصيصًا- من أجلي، ثم لم ألبث أن اكتشفت كم أنا واهمة!

كل يوم نستيقظ.. نقفز في حاويات مائية.. نرتدي الزجاجي الخاص بنا، مضطرين إلى تحمل منظرنا الغريب كبشري محتجز داخل جسد كائن شفاف.. ثم نقضي بقية اليوم في تتبع مسارات تحت أرضية..

لعلكم –الآن- تخمنوا كم أضمرت من سعادة خفية عندما وصلنا إلى هنا!

احتجنا وقتًا حتى أمكننا الاتصال بالشركة في الأرض، فأخبروننا أن الخطأ غير مفهوم لهم أيضًا، وطلبوا مهلة كي يتدارسوا المشكلة، استغرقوا ثلاثة أيام حتى عاد يعود وجه العضو المنتدب ليملأ الشاشة، ويخبرنا أن القدر اختارنا.

نعم، بالضبط، هذه هي العبارة التي انتقاها لبدء حديثه، ثم أوضح أن بأعلى الجبل توجد دوامة حفرتها كائنات تخاطرية، أعجز عن اختيار العبارات المناسبة.

لكن هذه الكائنات تتغذى على الوجع، وتصنع موجة نشاط عقلي سلبية ستتمدد إلى عالمنا، وهي موجة مؤذية لدرجة أنها استطاعت جذب بعض الزجاجيون، وأحضرتهم إلى هنا بالبشر الذين كانوا يمتطونهم.

عن نفسي، فرحت بأن هناك قصة أخيرًا، خصوصًا عندما حاولت تخيل مدى قوة الخصم، هؤلاء قوم نجحوا في لفت نظر كيانات حساسة للألم كالزجاجيين، وتسببوا في اقتلاعهم عن مسارهم من على بعد 300 مليون كيلو متر، ومستمر في جذب غيرهم إلى الآن.

بعد قليل، خاب ظني كما هي العادة، فقد قيل لنا أن التلفريك هو الأكثر تحصينًا في المجموعة الشمسية، أي أننا بمأمن تام من التخاطريين ودواماتهم.

المطلوب: أن نستعمل الزجاجيين كوقود للمحطة، يمكن ذلك عن طريق اصطناع نشاط نفسي سلبي، هذا النشاط سيجذبهم من الأرض، ويجعلهم يحتشدون فوق سقف المحطة.. ومن ثم يرفعونها –كالتلفريك- مسافة السبع درجات، حتى قمة الجبل.

في الختام.. يتم تثبيت المحطة المشحونة بالألم.. فتعادل موجة التخاطريين.. ثم.. سلام عليكم.. نعود إلى الأرض..

باختصار؛ لا دور ذي بال لنا، مجرد موظفين يعلموا على تكثيف جذب الزجاجيين، حيث أن كل درجة من السبعة نصعدها؛ تحتاج إلى أضعاف مضاعفة منهم.

بدأت أتأكد من أن “اللاقصة” جزء من جيناتي، يجب الاستسلام لها.

مرت أسابيع ونحن في ملل تام، وكل مهمتنا أن نفسح الطريق للبطل الحقيقي، الزجاجيين.

عن لأبعد مدى