الإثنين , أغسطس 19 2019

لماذا لم يتبق آثار لأماكن كثيرة عاش فيها الفراعنة (قصور- بيوت- إلخ)، وإنما الأغلبية (مقابر، معابد، ..)

لا أدري كيف لم يخطر ببالي هذا السؤال قبلًا، مع أن الملحوظة واضحة بالفعل، حاولت عصر ذاكرتي لأسترجاع أشهر الآثار الموجودة حولي (خصوصًا أنني عملت لفترة في الأقصر، كما أنني أعيش في محافظة أسوان)، عجزت عن تذكر أي منشآت سوى (مخازن غلال)، لكن لا قصور ملكية مثلًا، لا بيوت، لم يتبق آثار لأماكن عاش فيها الفراعنة، بقدر الأماكن التي كانوا يتعبدوا وماتوا فيها (معابد، مقابر، أهرامات، إلخ).
توجهت بالسؤال إلى عدد من الأصدقاء المهتمين بالآثار.
♦ أجابت المتخصصة (مادونا مجدي):
– الأحجار تحتل مساحة أكبر، كما أن جلبها ونحتها يكلف أكثر من المواد الطينية، لا ننسى كذلك قدرة الطين على التكيف مع البيئة سواء حر أو شتاء، خصوصًا أننا بصدد بشر يعيشون في حقبة زمنية لا يتوفر فيها مروحة أو تكييف أو مدفأة، فيضطروا إلى الاعتماد على المواد الأكثر تأقلمًا مع الظروف المناخية المحيطة،
على جانب آخر، تعامل الفراعنة مع المعابد والعمائر الجنائزية الملكية باعتبارها توازي -بلغة عصرنا- مشاريع قومية، يكرسوا لها كل الإمكانيات، ويوظفوا في سبيلها أعداد ضخمة من العمال، تصرف لهم مرتبات، ويعيشون في مدن ملحقة بتلك المشاريع. لا زالت بقايا بعض تلك المدن موجودة إلى اليوم، مثل مدن العمال الكائنة في الجيزة (إلى جوار الأهرامات)، بالإضافة إلى أخرى في الأقصر.
♦ يضيف الزميل (محمد عبد العليم):
– توجد -بالطبع- عمائر مصرية بخلاف المقابر والأهرامات والمعابد، أقله مثلما أشرت إلى مثال: شون الغلال، على غرار شونة الزبيب في أم الجعاب.
أو الحصون الحربية مثل حصن (بوهن) في النوبة.
قصور مثل قصر (أمنحوتب الثالث) بالأقصر، وقصر (مرنبتاح) في منف.
ورش فنية مثل ورشة الفنان (تحتمس) في تل العمارنة.
بالطبع هناك آثار عمرانية كهذه، ولكنها ذات نسبة ضئيلة جدا مقارنة بالعمائر الدينية والجنزية وحتى في خامة البناء، فالعمائر الدينية تعتمد على الأحجار المقاومة للزمن، في حين أن البيوت والقصور والشون وغيرها من الطوب اللبن.
هذه المفارقة راجعة بطبيعة الحال الى العقيدة الدينية المصرية التي تعتقد في أن حياة الإنسان الحقيقية ليست هنا بل في مرحلة لاحقة بعد الموت.
وكان معتقدهم أن (البا) التي هي الروح تظل حائرة لا تهتدي لصاحبها حتى تعثر على تمثال له أو نقش يحمل اسمه أو مومياء أو غير ذلك من الوسائل لهداية الباب واستدلالها على صاحبها.
ففي العالم الأبدي وبعد آلاف آلاف السنين يظل الانسان بحاجة لهذه الوسيلة لبعثته الى الحياة وكذا هو بحاجة لتعاويذ ونصائح تقوده وتساعده في العالم الاخر، فلو نقش اسمه او مقبرته بالطوب اللبن لتفتت في زمن قليل، وهذا يعني ضياع روحه إلى الأبد فبحث المصري عن أصلب الخامات في بيئته وجعلها لحياته الآخرة الدائمة الباقية اما تلك الحياة الدنيا فيمكن أن يقضيها في بيوت اللبن فلا بأس.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)