الأربعاء , نوفمبر 20 2019

لماذا الفانتازيا؟ محمد الدواخلي

كتب: محمد الدواخلي.

لأنني وجدت نفسي بها؛ لأنني استمتع بكتابتها. لأنها تفتح لخيالي آفاقًا رحبة تتلبسني فيها حالات وأحلام مستحيلة.

بطبيعة الحال أكتب في أكثر من مجال. وجربت عدة ألوان خاصة الخيال العلمي. الأغلبية الساحقة من مشاريع كتابتي كانت خيال علمي لكن الفانتازيا جذبتني ما إن وضعت قدمي على الشاطئ حتى وجت نفسي في أعالي بحارها.

هذا فيما يخص (لماذا الفانتازيا؟) بالنسبة إليّ شخصيًا.

أما ما يخص (لماذا الفانتازيا عمومًا)، فهذا الشق معقد قليلًا.

الأدب في نظري هو أداة تعبير. لغة تواصل تمتلك قدرا أكبر من التعقيد حتى أنها قادرة على نقل التجربة البشرية بصورة من صور المعايشة وليس مجرد نقل معاني وأفكار متفق عليها مسبقًا من المجتمع كما تفعل لغة الحوار العادية.

لذا فأيا كان لون الأدب واقعي أو فانتازيا أو خيال علمي فالمحك هنا هو محتوى التجربة وكفاءته على نقلها أو بالأصح محاكاتها داخل نفس القارئ.

بعض الألوان الأدبية تمتلك كفاءة أفضل من غيرها في تجارب معينة. فالخيال العلمي يناقش الخوف من/ الأمل في المستقبل بصورة أفضل حتما من الأدب الواقعي.

الديستوبيا تمتلك أدوات تشريح سياسية تتفوق حتما على الأدب التاريخي.

تشريح النفس البشرية من زاوية المخاوف أو الحب أو الآلام تتناولها بصورة أفضل آداب الرعب والرومانسية والواقعية بالترتيب.

مع الاعتراف بأن كل لون يتسع لكل قضية وتجربة والاختبار الحقيقي هو براعة الكاتب وقدراته وميوله. لكن نتحدث عن السهولة والأدوات المتوفرة في المادة الأدبية.

من الأيسر والأوقع مناقشة قضية الهوية والحفاظ على الوطنية في رواية جاسوسية، عن أن أحشرها حشرًا في عمل رعب.

الفانتازيا تتميز بمرونة وأفق حيث يشكلها الكاتب تبعًا لقضيته. نعم هذا أصعب حيث أنه لا يبني روايته فقط وإنما عالمها أيضا لكن الأمر يستحق.

في مجتمع محبط خانق غارق في اليأس تبدو الفانتازيا خيارًا أكثر منطقية لمواجهة مشاكل المجتمع، ومحاولة خلق حلول لها.

في مثل مجتمعنا من السهل استدراج الواقعية مثلا للغرق في سوداوية المجتمع وأزماته حتى تصبح الرواية أو القصة تسجيل وتثبيت للحال، وهو أمر مهم. لكنه عاجز عن تقديم الحلول أو بث روح الأمل أو المواجهة. وفي الغالب لو حاول الكاتب أن يسطر حلولًا سيفلت العمل منه، إما بصورة سطحية لحلول غير عملية أو يتحول لسرد علمي لإمكانيات في الأغلب غير متوفرة.

الفانتازيا هي القالب الأنسب لمواجهة المجتمع حين يكون مجتمعًا غارقًا في المشاكل مثل مصر، أو مجتمعا أمسكت الميكانيكية وآليات السيطرة حتى أبسط التصرفات البشرية كما نرى في المجتمع الأمريكي مثلا.

لذا التوجه للفانتازيا سواء لإطلاق صيحة أمل أو صرخة تحذير هو أمر منطقي. هي المادة التي تمتلك أدوات ثرية تتيح للكاتب إخراج تجربته الروحية وأفكاره المجتمعية بصورة واضحة ممتعة مفهومة للقارئ ومتسربة إلى لا وعيه.

طبعا هنا نقطة أخرى هي الأمان.

الفانتازيا (لا تؤاخذ بما تقوله) أنا تكلمت عن أمير جزيرة طائرة حضرة الضابط لم أذكر شيئا عن سجن طرة!

الفانتازيا تمنح تذكرة هروب من السجن أفضل من غيرها. لذا في أغلب الدول الشمولية نلاحظ إهمال وتضييق على الفانتازيا ككل واعتبارها (نشاطا ضارًا للمجتمع) فهي كائن هلامي قانونيًا، لا يمكن ترجمته قضائيا في صورة تهم بينما يسهل تفسيره سياسيًا في ألف صورة.

من الأسهل إدانة اللون الأدبي بأكمله هذا سيريحك من عبء الدخول في حوار سفسطائي مع كل كاتب على حدة.

لن تستطيع أو ترغب في التحكم أمنيًا في كاتب فانتازيا فلن يمنحك المباشرة التي تحتاجها في المديح ولن يريحك في اجتناب أفكار الإصلاح والمواجهة التي تتخلص من كتابها أولًا بأول.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).