(3) كينج وباركر: أدب الرعب.. متى وكيف؟

كتب: أحمد مسعد.

اعطني بعض الجبن لو تكرمت.. نعم من تلك الطرية هناك.. نعم شكرًا.. ماذا.. أهذا أنتم.. ما الذي أتي بكم اليوم.. وما هو تاريخ اليوم؟

ماذا؟ تخبرني بأن اليوم موعد كتابتي للمقال.. يا لي من أحمق.. كيف نسيت شيئًا كهذا؟!

حسنًا أستطيع تدارك ذلك الأمر.. امهلوني بعض الوقت فقط.. حتى أذكر عم تكلمت في المرة السابقة.. صحيح.. تكلمت عن رواد أدب الرعب القوطي وجميع رموز الرعب الذين غادرونا في القرون الماضية.. هذا يعني إن الوقت قد حان لنتكلم عن بعض الأحياء.. الذين أثّروا في أدب الرعب بشكلٍ كبير.

أتذكرون آلة الزمن؟

إذاً فلندعها تدور.. تدور..

(لم نبتعد كثيرًا.. فقط إلى أربعينيات القرن الماضي)

في مدينة (Maine) في الأول من شهر سبتمبر العام 1974م..  أنجب كلًا من (دونالد) و(نيللي كينج) طفلهما الأول.. ستيفن.

وفي يوم من الأيام خرج الأب لشراء السجائر.. ولم يعد بعدها أبدًا.. ليفقد ستيفن إحساسه بالعائلة مبكرًا جدًا.. ويبدأ في التنقل هو ووالدته عبر الولايات المتحدة.. ليعودا إلى (مين) في النهاية.. تعثر الأم على عمل كطاهية في إحدى مؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة.. ويتفرغ ستيفن للدراسة وهوايته المفضلة.. (القراءة)..

كان ستيفن كينج طالبًا نشيطًا إبان فترة الجامعة.. انضم إلى اتحاد طلاب جامعة مين.. وحتى تخرجه في عام 1970م، راح يكتب سلسلة مقالات تحت عنوان (بوصلة مين).. ناقش فيها العديد من المشاكل السياسية كالحرب ضد فتنام..

تخرج كينـج شابًا مصـابًا بارتفـاع ضغـط الـدم.. بالإضافة إلى ضعف النظر وثقب في طبلة أُذنه..
بعد التخرج تزوج ستيفن من الفتاة التي أحبها في الجامعة وراح يبيع القصص القصيرة لأجل الزواج منها..

كانت أول قصة باعها ستيفن كينج لإحدى المجلات.. هي (الأرض الزجاجية) في العام 1967م.. وفي وقت فراغه استرسل ستيفن في كتابة روايته الأولى.. والتي تعتبر من أشهر الروايات التي كتبها.. (كاري).. والتي تتحدث عن فتاة تتمتع بقدرات خارقة كالتحريك عن بُعد.. وفي عام 1973م عرض ستيفن روايته على دار نشـر (Doubleday).. ونُشـرت على الفور في نفس العام لتحقق نجـاحًا رائعًا.. وانبهر بها العديـد من النقـاد.. لذلك عرض مدير تحرير الدار على ستيفن التفرغ للكتابة.. وترك عمله كمدرس في الجامعة..وهذا ما حدث..

بعد ذلك تعاني والدته من السـرطان ويعتني بها ستيفن ليكتب حينها روايته الثانية (حشد سالم).. والتي تحكي عن تيمة مصاصي الدماء.. وبانتهاءه من كتابتها، ينتهي عمر والدته.. وتغادره ليصبح يتيم الأب والأم..

يعود ستيفن لتفرغه التام للكتابة.. وينتهي في أوائل عام 1975م من كتابة روايتيّ (منطقة الموت  Dead Zone) و(الصمود The Stand).. لتتلاحق إصدارات ستيفن كينج بعدها بشكل غزير.. إصدارات يصل الواحد منها إلى السبعمائة صفحة..

رواية البريق  The Shining والتي تحولت فيما بعد إلى فيلم ناجح جدًا.. ثم رواية كريستين  Christine.. والتي تم تحويلها هي الأخرى إلى فيلم.. وحصل على جائزة أوسكار كأفضل مؤثرات بصرية..

بعد ذلك نشر مجموعة قصصية تحت عنوان (وردية الليل Night Shift).. وتأتي بعدها مجموعة (أربع دقائق بعد منتصف الليل Four Past Midnight)..

ومع النجاح المتواصل تتحول رواية (كاري) إلى فيلم سينمائي من بطولة (سيسـي سباسيك).. وتُرشح لجائزة أوسكار عن دورها في هذا الفيلم.. وكما ذكرت قبلًا تحولت بعد ذلك رواية (البريـق)

إلى فيلم من بطولة (جاك نيكلسون) عام 1980م.. وتوالت بعد ذلك الأفلام والمسلسلات على ستيفن كينج.. وأصبح علامة في السينما ولقبه النقاد بملك الرعب.. وتنهال عليه الدولارات والملايين.. ويبني ستيفن كينج قصرًا في مدينته الحبيبة (مين).. وراح يكتب بلا توقف.. وبدأ تعلم الإخراج.. ليقوم بإخراج رواياته الخاصة..

لكن في العام 1994م انتقل ستيفن كينج إلى موقعٍ أفضل.. هذا عندما قرر المخرج “فرانك دارابونت” تحويل إحدى قصص مجموعته القصصية (الفصول المختلفة) إلى أحد أشهر الأفلام في تاريخ السينما وأعلاها تقييمًا تحت اسم (وداعًا شاوشانك)..

لم يكن الفيلم يمت للرعب بصلة.. لكنه كان يعكس موهبة ستيفن كينج كأديب.. لينل تقدير جميع النقاد والناس.. حتى من كان يتهمه قبلًا بتقديم التفاهات..

هكذا يزداد ستيفن كينج شهره.. ويزداد رصيده من كل شيء.. ليذكر ذات مرة إن رصيده يزداد أسبوعيًا بمقدار عشرة ملايين دولار.. مع مبيعات تصل إلى 300 مليون نسخة وترجمة أعماله إلى أكثر من 35 لغة.. ليتحول إلى علامة في تاريخ الأدب على مر العصور..

تعبر رواياته حاجز الخمسين بكثير.. بالإضافة إلى قصصه غير المعدودة.. وسيناريوهاته التلفزيونية.. وفي وسـط كل ذلك يتـعـرض ستيـفـن كينـج إلى حادثٍ مؤسفٍ.. صدمته شاحنة في العام 1999م ليخرج من ذلك الحادث بضعف شديد في العصب البصـري يهدده بالعمى في كل لحظة.. ومع بقاءه لفترة طويلة بالمستشفي يكتب ستيفن كينج رواية قصيرة تحت مُسمي(The Plant).. ويقوم بنشـرها بشكل إلكتروني كى تكون قابلة للتحميل مقابل دولار واحد..

حقق من وراءها أرباحًا تجعله قادر على شراء الشاحنة التي صدمته.. وإقامة حفل مهيب لحرق الشاحنة أمام أعين الحاضرين..

وكلما خاف ستيفن كينج من العمي زاد حماسة للكتابة.. فكتب بعدها سباعية تحت عنوان برج الظلام Dark Tower..

ورغم حصول ستيفن كينج على عشـرات الجوائز إلا أنه لم يقترب يومًا من الحصول على جائزة نوبل.. لكنه حصل على جائزة أخرى مهمة وهي ميدالية الاستحقاق التي قدمتها له جمعية الكتاب الوطنية.. لإسهامه الذي لن ينـسى في الأدب، وكان ذلك عام 2003 م..  وحتى يومنا هذا.. لا يزال ستيفن كينج يحصد الجوائز.. وينشر الروايات والسيناريوهات..

للأسف نصيبنا نحن العرب من كتابات ستيفن كينج المترجمة لا يتجاوز العشرين كتابًا..  وما أذكره منهم الآن:  بؤس، فصول مختلفة، الهارب، كريستين، كاري، الهاتف الجوال، الذي يمشـي خلف الصفوف، دورة المذؤوب..

يقول ستيفن كينج في كتابه On Writing عن فن الكتابة:

“القراءة مهمة جدًا لأي كاتب، إن من لا يوجد لديه وقت ليقرأ، لا يملك الأدوات اللازمة ليكتب”.

(هيا أيتها الآلة النخرة اعملي)

(دعينا نعود إلى الخلف نفس الزمان لكن أقرب قليلًا).

عام 1952م ولد في ليفربول شخصًا عادي جدًا.. وقرر والداه تسميته باسم كليف..

يكبر كليف ليلتحق بجامعة ليفربول.. ليدرس هناك الفلسفة واللغة الإنجليزية.. تظهر موهبته في الكتابة. فيبدأ بكتابة العديد من القصص.. وتكون انطلاقته مع مجموعة قصصية تحمل كل ما كتب من قصص تحت عنوان (كتاب الدم).. والتي ترجمها فيما بعد دكتور أحمد خالد توفيق.. ضمن سلسلة روايات عالمية للجيب.. ثم تبعها برواية The Damnation Game التي تتعامل مع أسطورة فاوست الشهيرة من خلال وجهة نظر حديثة..

لم تكن حياة كليف باركر حافلة بالكثير حتي نتحدث عنها.. لذا دعني أُكمل لك..

اتجاه كليف باركر بخطي ثابتة نحو كتابة الفانتازيا الحديثة فكتب العديد من الروايـات في ذلك المجال.. منها Weaveworld وThe Great and Secret Show و Imajica. ثم قـرر التعـامل مـع العمـق النفـسي والتحليـل الفلسفي في روايته (Sacrament)..

ولم يكتفي كليف باركر بالكتابة فقط.. بل توجه إلى الإخراج أيضًا.. ففي عام 1987م.. كان كيل كليف باركر قد طفح بسبب المعالجات السينمائية لروايته (The Hellbound Heart).. فقرر كتابة سيناريو الفيلم بنفسه.. بل وإخراجه أيضًا .. ليظهر الفيلم في عام 1988م تحت عنوان Hellraiser..

ورغم كون الفيلم لا يتمتع بالقوة السينمائية المطلوبة.. إلا إن قصته وطريقة إخراجه.. حوله إلى أحد أهم أفلام الرعب في تاريخ السينما.. بل وأكثرها تأثيرًا في أفلام الرعب التي جاءت بعده..

لكن كليف باركر لم يكتفي بالكتابة للبالغين فقط.. بل كتب رواية تعتبر من أفضل ما كتب تحت عنوان سارق الأبد The Thief of Always.. ووجهها إلى الفئة العمرية الأقل..  اعتبرها الكثيرين من أفضل ما قُدّم في مجال الرعب للأطفال.. وقد تُرجمت تلك الرواية إلى العربية في عام 2006م عن دار (ليلي)..

ربما ما ميز أدب كليف باركر.. قدرته على تصوير العقل البشـري والتعامل مع عالم الأحلام  والذكريات في كتاباته.. كما يهدف إلى التحدث عن عـوالم فانتـازيا قريبـة من عالمنـا.. ليعطي المسـاحة لعقولنا في للتفكير فيها بشكل واقعي..

وصف كليف باركر نوعيه ما يكتبه بـ”الفانتازيا السوداء”، وإن أحبننا أن نذكر أحد مراكز القوة في أدب كليف باركر.. فهي قدرته على التعامل مع عوالم الشـر والعذاب وعوالم الخير والنقاء، بنفس القوة وفي نفس الوقت. وقد عجز الكثيرون قبله عن فعل ذلك..

لم يتوقف طموح كليف باركر عند حدًا يومًا.. فبعد ما حققه من نجاح في مجال الرعب وتمكنه من وضع بصمته الأثيرة في تاريخ ذلك النوع من الأدب.. قام بتصميم العديد من الألعاب بمساعدة العديد من المنفذين بالعديد مـن الشـركات الكبري.. وتحمل كل تلك الألعاب اسمه، منها:

Clive Barker’s Undying

Clive Barker’s Jericho

عندما صدرت سلسلة (كتاب الدم) لكليف والتي وصلت لست مجموعات قصصية، قرأها ستيفن كينج، وجعلته روعتها وأصالة الرعب فيها إلى القول:

– لقد رأيت اليوم مستقبل أدب الرعب.. اسم المستقبل هو كليف باركر..

هذا يكفي لليوم.. فلتعودي بي أيتها الآلة من حيث جئت..

 (إلى وقت قراءتك لسطوري)

ها نحن ذا قد عدنا إلى الحاضر مجددًا..

حاضرًا لا يزال ستيفن كينج وكليف باركر يعيشان فيه حياةً رغدة، لكن ماذا بعد ذلك؟

هل انتهى الأمر عند ذلك الحد؟ ماذا عنا نحن – أعني العرب- ما صلتنا بالرعب؟ كيف وصل إلى ثقافتنا؟ كيف عاد إلى الساحة العربية وبقوة؟ رغم كوننا تنكرنا منه.. على الرغم من كونه جزء من حكاياتنا وتراثنا!

أعتقد أن على العودة إلى القرن الماضي من جديد.. حتي أُثرثر عن بعض الأشخاص الذين كانوا سببًا في عودة الرعب إلى تراثنا..

في المرة المقبلة.. قد نقابل العديد من الشخصيات المهمة.. الميت منهـا والحي.. بالإضافـة إلى عجـوز أصلـع يدخن كقاطرة، يقص الحكايات على مدار 21 عام..

لكن هذه رحلةً أُخرى..

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.