الخميس , ديسمبر 12 2019

كواليس نص: رواية (بيانكا)- «محمد عبد العزيز»

أماكن تدخلها فتشعر أنك مررت بها من قبل!
أماكن تشعرك أنها تخفى الكثير من القصص فى أركانها؟
وهناك أماكن تدعوك للكتابة عنها! كأنها بطريقة خفية تتحسس طريقها بداخل روحك حتى تسيطر عليك تمامًا، فلا تجد نفسك تفكر فى شيء، قدر تفكيرك فى كتابة
قصة تدور أحداثها بهذا المكان.
حدث الموضوع معى بطريقة المصادفة.. كنت متجها للقاء صديق بعد يوم عمل طويل.. عادتى كانت أن أنتظر الصديق أمام الكافيه، ثم ندخل سويًا، لكننى يومها كنت متعبًا للغاية، لدرجة أننى لم أكن مستعدا للوقوف منتظرًا بالخارج، خصوصًا وأننى عندما اتصلت بصديقى، أخبرنى أنه على وشك الوصول، وبما أننى مصرى صميم، فقد وصلتنى الرسالة فورًا: «لن يصل قبل ساعة، هذا اذا ماكان قد تحرك من الأصل».
المهم أننى دخلت الكافيه واخترت أول منضدة خالية مرت بى، وجلست.. ولم يخيب صديقى ظنى وتأخر كثيرًا بالفعل.. تأخر لدرجة أننى أخرجت كتابًا كان معى وقتها (لا يحضرني اسمه الآن للأسف)، وقررت اضاعة بعض الدقائق فيه، بما أننى كنت وعدت نفسى أننى سأنهى الكتاب خلال شهر، لكن أحشى أننى لم أتمكن من تنفيذ الوعد، لهذا شعرت أنها ستكون فرصة جيدة لالنتهاء من بعض صفحات الكتاب.. لكننى، ليكتمل النحس، مللت بعد بعض الوقت من القراءة، هكذا انتهى الأمر بالكتاب مغلقا وموضوعا أمامى على المنضدة، بينما أتأمل ساعة الهاتف المحمول الخاص بى، بما أننى لا أطيق ارتداء الساعات، لأجد أننى لم يمر على وجودى بالمكان أكثر من ثلث الساعة، أى أننى بالمقاييس المصرية قد وصلت للتو!

لم يحن الوقت المناسب للغضب بعد.. جربت تأمل التلفاز أمال فى تضييع بضع دقائق أخرى، لكنه كان يعرض فيديو كليب سخيف، فلم أنتبه لفترة طويلة، هكذا انتهى بى الأمر وأنا أمرر الوقت بتأمل بقية رواد الكافيه.. كانت
هناك فتاة تتشاجر على التليفون، سيدة تشرب شيشة، فتى وفتاة يعيشان بعض اللحظات الرومانسية.

هنا بدأت بذرة الموضوع فى عقلى!
ماذا سيحدث لو خلطنا كل تلك الشخصيات سويا فى رواية، وماذا لو تقاطعت قصصهم سويا؟

كان طراز الكافيه حديثًا، فلم يجذب انتباهى بقدر ما جذبت الشخصيات.. قررت كتابة ملحوظة بالموضوع لكى أتذكرها فيما بعد، فكتبت عن”رواية تدور فى كافيه.. يكون المكان هو البطل.. لا الأشخاص”..هنا كان صديقى قد وصل، فنحيت الورقة جانبًا.. قبل أن يبدأ فى السخرية مما أكتبه.. كانت هذه هى بذرة الموضوع الأولى التى نبتت بعقلى.. لكن بما أننى كسول للغاية، كتبت بعدها ببضعة أشهر بعض الفصول التمهيدية من الرواية، ثم عجزت عن التفكير فى تكملة مناسبة، أو تخيل للاتجاه الذى ستذهب فيه دفة الأحداث، هكذا اتخذ الملف مكانه بجدارة فى ركن “المشاريع المؤجلة”..

سبب آخر: أعترف أنني شعرت بالهلع من أن أكتب رواية طويلة، بينما كانت كل تجاربى حتى هذا الوقت قصص قصيرة فقط، لم يبدُ أننى سأفتح ذلك الملف فى هذا القرن.. لكن تدخل القدر عندما هاتفنى صديق عزيز هو (أكرم إمام)، الذى يهوى الكتابة وقام بنشر عدة أعمال تنوعت بين الروايات والمجموعات القصصية، وكان قد قام بتوقيع عقد نشر روايته القادمة مع دار نشر (مقام)، ولأنه كان يعرف كونى مهووس بالكتابة، ونظرًا لأن دار النشر
طلبت منه أن يخبرهم لو كان هناك من ضمن معارفه من يمكن أن يكون مهتما بالنشر كذلك، على أن يكون العمل رواية!
بنظرة واحدة ضمن الأفكار والمشاريع غير المكتملة لدى، لم يكن هناك إلا (بيانكا). صحيح أنها لم تكن بهذا الاسم فى البداية، ولا تدور
أحداثها بمصر من الأصل، لكن بعد أن تغلبت على الذعر المبدئي الذى انتابنى من أن أقوم بكتابة رواية ضخمة بمفردى، قررت خوض التحدى، فما هو أسوأ شئ يمكن أن يحدث؟
المكان الذى أثر على تخيلى لمكان الأحداث بالرواية هو كافيه بجاردن سيتى ويدعى (صوفى).. بسبب طراز المكان والأثاث القديم.. والصور القديمة المعلقة على الجدران.. هنا بدأت الرواية تكنسي لحم ودم، فأنا أعشق الأماكن القديمة الطراز.. هكذا لم يمر وقت طويل.. حتى تمثل كافيه (بيانكا) الموجود بالقرب من الأوبرا..

بدأت تخيل الجدران الخشبية المكسوة ورق حائط مغطى بالظهور على طراز الخمسينات.. تمثلت الجدران أمامى وهى معلق عليها اعلانات وبوسترات أفلام قديمة.. تخيلت الجرامافون القديم وهو يدور طيلة الأحداث صادحًا بأغاني المغنية الفرنسية (اديث بياف)، وبحلول هذا الوقت كنت قد بدأت بالفعل فى تخيل اتجاه الأحداث، بدأت أتخيل سارة الفتاة الوحيدة التى تتجه للكافيه فى انتظار خطيبها الذى لن يأتى، ونادين التى ذهبت هناك للانتحار، ونادية التى تفاجأ بزوجها مع عشيقته، وغيرهم كثير.. تدريجيا بدأت أتخيل الشخصيات وهى تتحدث سويا وتتفاعل وتركت كل شخصية تحكى فصلًا، حتي تتجمع خيوط القصة تدريجيًا للقراء.. سوداوية بعض الشخصيات سيطرت علىّ لأننى أجبرت نفسى على تخيل الموضوع من زاوية كل شخصية حتى تكون التصرفات واتجاه الأحداث منطقيًا، وبما أن الكثير من الشخصيات كانت فى خضم صراعات نفسية شديدة، فقد انتقلت كئابتهم تلك لى كأنما سحر..
كنت مرعوبا طبعا أن تكون الرواية مملة أو أن يكون كثرة عدد الشخصيات سببًا فى تعقيد الأحداث، ونفور القراء منها، لكن واضح أننى
كنت متشاءمًا أكثر من اللازم.. وقد جاء الغلاف العبقرى -الذى قام الفنان (أحمد فرج) بتصميمه- ببعث الرواية للحياة..
المنتج النهائى كان مقعنًا إلى مُرضي، لدرجة أن الكثيرين أرسلوا لى متخيلين أن الكافيه حقيقي، فيطلبون منى العنوان لأنهم يريدون الذهاب هناك..

عن لأبعد مدى

3 تعليقات

  1. I visited several sites but the audio feature for audio songs present at this site is actually fabulous.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.