الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

عن رعب التلميح في رواية (كريستين)

قرأت مقالًا للكاتب (أحمد عبد المجيد) يتحدث عن أبرز المصادر التي تأثر بها د.(أحمد خالد توفيق)، أرجعهم إلى كاتبين: (محمد عفيفي) و(ستيفن كينج).

حسنٌ، أعرف ملامح تأثر د. (أحمد) بـ (عفيفي) من ناحية أسلوب السخرية.

لكن.. ما الذي اكتسبه كاتبنا المصري من (كينج)؟

ثم.. السؤال الأهم: ما الذي يجعل من الثاني كاتبًا عالميًا بهذه الشعبية؟

بدا السؤال مشروعًا ومنطقيًا، بحكم أنني لم أكن قد قرأت -حينها- سوى ملخصات التي قدمها د. (أحمد خالد) في أعداد سلسلة (روايات عالمية).

لن أقول أنني عجزت عن إكمالها، بالعكس.. أعجبني منها بشكل خاص (الرجل الراكض)، أما البقية مثل (الشيطانة) و(دورة المذءوب) و(شرطي المكتبة)، فللأسف رأيت أفكارها باهتة بعض الشيء.

ثم عرفت –لاحقًا- أنها سمة عامة في أعمال (كينج).

ما المرعب في قارئة مهووسة بكاتب؟ أو مهرج سيرك؟ أو سيارة؟ أو فرضية كاريكاتورية أنك إذا تأخرت في رد كتاب استعرته، سيطاردك ما يسمى (شرطي المكتبة)؟

ترتكز مدرسة (ستيفن) على انتزاع أشياء عادية من تفاصيل حياتنا اليومية، وجعلها مصدرًا للرعب.

لا يروقني هذا الاتجاه عمومًا، فتقديم معالجة غير مألوفة لفكرة، لا تعنى بالضرورة أنها ستكون ممتعة.

فالمؤلف حينها يرقص على شعرة، قد يختل توازنه في أي لحظة، لتتلوث مشاهده بطابع كاريكاتوري.

هذا هو رأيي من حيث المبدأ.

غير أن هذه النقطة لا تنطبق على (كينج)، لأنه لا يأخد بيد القارئ، ليدخله في مواجهات مباشرة مع موضوع الرعب، بل يجعله في الخلفية، بينما يلف ويدور بالكاميرا على مسافة الهدف.

أيهما أكثر إخافة؟ أن ترى شبح مباشرة أمامك؟ أم تعيش حياتك اليومية، لتلمحه بطرف عينيك بين الحين والآخر، فتستدير لتجده قد اختفى؟

الطريقة الثانية قد تكون أكثر فاعلية من الناحية النفسية، حتى لو كان ذاك الشبح هو (مارد وشوشني) المضحكين، إذ أنك لن تحصل على فرصة لتبينهم من الأساس.

أين تتسلط عين سطور (كينج)، أثناء الوقت الذي تتواري فيها مصادر رعبه  في زاوية الصورة؟

إجابة هذا السؤال تحمل معها –في الوقت نفسه- تفسيرًا علامة الاستفهام الأولى حول:

– لماذا يملك (ستيفن كينج) كل هذه الشعبية؟

ج: رغم أنني أصاب بالإرهاق جدًا جراء قراءة أعمال تزيد على 600 صفحة، إلا أنني استمتعت بأسلوب السرد لأقصى الحدود، وأزعم أنني لم أرد للحالة -التي وضعتني فيها سطوره- أن تنتهي.

أما الشخصيات، فأخذت حقها وزيادة من تفاصيل ووصف لسماتهم الشخصية، وخلفية كافية عن ماضيهم، إلخ.

الأجمل.. أنهم جميعًا منطقيين جدًا في دوافعهم وتصرفاتهم، حتى غير الأسوياء نفسيًا منهم.

(أعتقد أنها سمة عامة في الأدب الأمريكي والأوربي حاليًا، وإلا من أين يأتون بهذا الزيادة السرطانية الضخمة لأحجام رواياتهم).

أما في رواية (كريستين) تحديدًا، نسيت –طوال نصف الرواية- أنني أقرأ لمؤلف مصنف كـ (كاتب رعب)، إذ تتراجع إلى خلفية الأحداث، تلك التلميحات عن وجود وجه مخيف للسيارة (كريستين)، بينما يتصدر الصورة تلك التفاصيل الحية النابضة عن حياة المراهقين في الولايات المتحدة، كما أحببت أجزاء الرواية التي صحبتنا إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل منزلي البطلين، صحيح أن الشخصيات مغلفة بطابع الحياة الأمريكي كأزياء ومأكل ومشرب إلخ، لكن طباع أفراد العائلة وتفاعلهم مع بعضهم البعض، جاء صادقًا ومتشبعًا بلغة (عالمية) تعبر عن  الأسر في كل زمان ومكان.

أكرر: لفرط استمتاعي بهذا الجانب، تمنيت لو لم ينتهي الاستغراق فيه أبدًا.

خطف قلبي شخصية الأب الطيب المهاود (مايكل)، لأنني أعرف أن تجنبه للصراع، لا يعني (الضعف)، كما تعاطفت مع لحظات انكسار والدة اعتادت على التصلب وإدارة الحياة كما تريد كـ (ريجينيا).

أحببت ابتسامات (دينيس) وأبيه –رغمًا عنهم- من محاولات الأم المفاجئة  لتعلم الكتابة الروائية، ومع ذلك، يحبونها ويحترونها، مما يضطرهم إلى بذل قصاري الجهد لكتم أي ضحكات عند فتح هذا الموضوع.

أما المواقف بين (دينيس) بشقيقته الصغرى (إيلين) تحديدًا، فهيأ لي أنها تلخص العلاقة بين أي ذكر وأخته الأنثى الأصغر سنًا، في كل مكان في العالم.

هناك نقطتان تتوقع أن تقع فيهم رواية مثل (كريستين):

– الرواية التي تزيد عن 600 صفحة، غالبًا تكون أولى صفحاتها مملة جدًا، وتحتاج إلى فصلين أو ثلاث حتى تبدأ الأمور في الاتضاح.

– كان بوسعه دس عشرات المشاهد +18، كانت هذه لتصبح عوامل جذب تجارية، خصوصًا أن موضوع الرواية يسمح بذلك، بحكم أنها تدور بين مراهقين في الثانوية العامة.

لحسن الحظ، الحظ أن (كينج) تجاوز كلا الأمرين، بعيدًا عن أي مشاهد حسية +18 (اكتفي بإشارات فقط، أجرؤ على الاعتراف أن دمها كان خفيفًا على قلبي)، إذ حاز أسلوب السرد على عناصر جذب أخرى بعيدة عن هذه الأمور، بشكل يأخد بتلابيبك منذ الصفحة الأولى.

أسلوب مليء بالاستدراكات، والجمل الاعتراضية، بالإضافة إلى السخرية المستترة الساحرة، علاوة على ذكر الكثير من أسماء ماركات وأماكن، تجعلك منغمسًا حتى أذنيك في تذوق ما تقرأه بالصوت والصورة.

على الجانب الآخر، تتلخص الشائبتان الطفيفتان التي تخللتا الرواية، في:

1- كان عامل قوة أفكار (كينج)، مستمدًا في التلميح، وبقاء مصدر الخطر متواريًا في زاوية مجال الرؤية، أما عندما خرجت السيارة (كريسين) للنور، لتتحرك وتقتل وتصلح ذاتها في مشاهد علنية صريحة أمام الكاميرا، صار الموضوع كاريكاتوريًا بعض الشيء، واحتجت إلى وقت، حتى أتأقلم مع هذا التغير الباغت في قواعد اللعبة، وربما نجحت غالبًا، لكن بقى شيء في داخلي عاجزًا عن التأقلم مع ذلك.

2- آآآه لو كانت روايات (كينج) أقل حجمًا، ومع ذلك، الغريب أنك لو سألتني:

– أي جزء تظنه زائدًا في (كريستين)، وتمنيت حذفه؟

سأجيب بفزع:

-لا شيء بالطبع، ربما يخبرني عقلي أن التفاصيل الاجتماعية نالت اسهابًا وكأنها موضوع الرواية الأصلي، غير أن قلبي لا يطاوعني بالإدعاء أن أحب فكرة حذف صفحة واحدة منها.

لكن.. المشكلة الحقيقة إن معظم الروايات الأمريكية الجميلة تضعني بين خيارين أحلاهما مر:

إما أن أحظى بقراءة روايات منوعة كثيرة في العام، إما أن أقرأ 15 عمل ضخم فحسب بأقلام مثل (كينج) خلال نفس المدة.

لا أعرف لماذا؟!

منذ مدة قريبة، رأيت صورة نشرها (نادر أسامة) ابتهاجًا بانتهائه من ترجمة رواية (الشيء) لـ (كينج)، تستعرض شكل الرواية على أرفف المكتبات، مع أنني احتجت وقتًا حتى أميز أن هذا الكعب العريض إنما هو لرواية، وليس قالب طوب.

مع أن يفترض أن طابع الحياة الأمريكية يتسم بالسرعة وحب الإيجاز، فلماذا لم تمتد هذه الصفة إلى أدبهم وسينماهم.

متوسط صفحات الروايات -حدث ولا حرج- يزيد عن 500 أو 600 صفحة، كما أن متوسط زمن الأفلام الهوليودية التي عكفت لأيام على تحميلها ومشاهدتها.. (ساعتين)، وكأن ساعة واحدة لا تكفي، وستجعلهم يعدونه حينذاك فيلمًا قصيرًا، و.. لحظة، يبدو أن عدوى الإسهاب أصابتني، فكدت أخرج من الموضوع.

في النهاية، أقول أن ندرة من المؤلفين يقدمون أدبًا بارعًا واستثنائييًا، إلا أن منهم يذيبون الحاجز بين الكاتب والقارئ، لأشعر بعد الوصول للصفحة الأخيرة للعمل، أنني لدي صلة بيني وبين صانع هذا العالم.

(بول سوسمان) مثلًا، خرجت من رواياته الشيقة الخلابة.. لأعلن أنني –بعد تنحية كل متعتها وتشويقها جانبًا- أحببته كـ “إنسان”.

(أحمد خالد توفيق)، على نفس المنوال، يتعامل مع جيلنا كـ (أب روحي).

أما بخصوص (كينج)، بعد هذه الرواية الطويلة/ العفوية، أخالني اكتسبت (صديقًا).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).