كتاب كل جمعة: (رحلة ابن بطوطة)

♦ كتب: وسام الدين محمد عبده.

كتاب كل يوم جمعة (28) تراث الرحلات (1/4) كتاب (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)

أو (رحلة ابن بطوطة).

خصصت هذا الشهر بعرض تراث الرحالة المسلمين؛ وإذا كان حديث هذا الشهر هو الرحالة المسلمين فإنه من الواجب البدء بأميرهم (الشيخ الفقيه، السائح الثقة الصدوق، جوال الأرض، ومخترق الأقاليم بالطول والعرض، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي المعروف بابن بطوطة، المعروف في البلاد الشرقية بشمس الدين)، كما قدمه من دون كتابه.

و(ابن بطوطة) صاحب أشهر رحلة في التاريخ الإسلامي وربما في تاريخ كل البشر، وكتابه الذي نقدمه اليوم (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) هو الكتاب الذي حكى فيه تفاصيل رحلاته التي زار فيها معظم أرجاء العالم المعمور والمتحضر في زمانه؛ والكتاب نفسه لتأليفه قصة شيقة، إذ فقد (ابن بطوط) مذكراته أثناء ترحاله، فلما حط عصا الترحال في بلاط بني مرين في (فاس)، بهرت قصصه ومعارفه بالجغرافيا والشعوب وثقافاتها السلطان وحاشيته، فأمر السلطان بترتيب كاتب لابن بطوطة ليملي على هذا الكاتب رحلاته، فكان أن رُتِبَ له الفقيه (محمد بن جزي الكلبي)، الذي سجل ما أملى (ابن بطوطة) ولم يتدخل في ما املاه (ابن بطوطة) إلا بقدر استبدال بعض الألفاظ الصعبة وتقييد المشكل من الأعلام وشرح الأسماء الأعجمية، على النحو الذي ذكره (ابن جزي) في مقدمة الكتاب.

الكتاب يسرد مشاهدات (ابن بطوطة) في تلك البلاد التي زارها، كما ينقل بعض الأخبار عن تاريخ تلك البلاد وشعوبها وثقافتهم، ويحكي عن المشاهير الذين التقاهم في رحلته من الأمراء والعلماء وغيرهم، وتلك المشاهدات غنية بالتفاصيل الممتعة والمدهشة، حتى أنه يتناول في تلك التفاصيل بعض وصفات المطبخ في تلك البلدان التي زارها. الرحلات التي قام بها (ابن بطوطة) يمكن أن تقسم إلى ثلاث رحلات كبرى، على النحو الآتي.
الرحلة الأولى، وبدأها (ابن بطوطة) من مدينته (طنجة) في رجب من عام 725 من الهجرة الشريفة، وغرضه فيها أداء فريضة الحج، وكان يومئذ قد جاوز الثانية والعشرين من عمره؛ زار (ابن بطوطة) في هذه الرحلة (تونس) و(مصر) و(الشام) و(الحجاز) و(العراق) و(إيران) و(اليمن) وسواحل شرق (أفريقيا)، وقد استمرت هذه الرحلة ما بين سبع وثمان سنوات. وما استنتجه من مشاهدات هو اضطراب قلب العالم الإسلامي الذي كان يحكم القسم الأكبر منه الناصر بن قلاوون سلطان المماليك البحرية صاحب الحكم المضطرب؛ في مقابل حالة الاستقرار الاجتماعي والانتعاش الاقتصادي للشعوب الإسلامية ساكنة سواحل شرق أفريقيا.

الرحلة الثانية بدأت بسعي (ابن بطوطة) لمنصب عرض في بلاط السلطان الهندي (تغلق) فخرج من (مكة) التي كان يقيم فيها في هذا الوقت، متجهًا إلى بلاد (الأناضول) للحاق بالقوافل المتجهة إلى (الهند)، ولكنه يتجول بين (القرم) و(استراخان) و(بلاد البلغار) – وهي بلاد تقع على نهر (الفولجا) في (روسيا) اليوم، ولا علاقة لها بالبلد المعروف اليوم (بلغاريا) – قبل أن يرافق بعثة مرافقة لزوجة سلطان الأوزبك بنت امبراطور بيزنطة إلى مدينة (القسطنطينية)، ثم انضم إلى القوافل المتجه إلى وسط (آسيا) حيث زار المدن العظيمة في هذا الإقليم، (بخارى) و(سمرقند)، وعبر (أفغانستان) يصل إلى (الهند) حيث يعينه سلطان (دلهي) قاضيًا؛ ولكن السياسة عمل خطر، وسرعان ما يتورط (ابن بطوطة) في هذا العمل، ويجد نفسه مهددًا، مما يدفعه إلى قبول عرض من السلطان أن يصبح سفيره في بلاد (الصين)، ولعل (ابن بطوطة) قد مل من الاستقرار فقبل هذا العرض الذي يرضي طموحه بالسفر والسياحة؛ فانطلق في رحلته إلى (الصين) ولكن قبل أن يبلغ (الصين) كان قد زار جزر (المالديف) ومواطن مختلفة من أرخبيلات (أندونيسيا) و(ماليزيا) و(الفلبين).

في النهاية يقرر (ابن بطوطة) العودة إلى بلاده، فيمر من جديد في قلب العالم الإسلامي، ويسجل مشاهداته حول انتشار (الطاعون الأسود) في الشام، ويقوم بالحج مرة أخرى، قبل أن يتجه إلى (المغرب). هذه الرحلة هي الأطول بين رحلاته، إذ استمرت نحو خمسة عشرة سنة، وقد عاين فيها أماكن لم يحلم بزيارتها مثقف مسلم في ذلك الزمان، وشاهد الصحوة الحضارية في وسط آسيا بعد انحصار الإعصار المغولي الذي عصف بهذه البلاد، كما وثق انتشار الإسلام في أرخبيلات جنوب شرق آسيا واهتداء كثير من شعوب هذه المناطق إلى الإسلام رغبة وطوعًا، ويتحدث باندهاش عن عادات الناس في هذه البلاد، وبإعجاب عن حرفهم وصناعتهم وعمارتهم.

الرحلة الثالثة، بدأت من مدينته (طنجة) وهذه المرة كان داعيه إلى الرحلة الجهاد ضد القشتاليين الذين كانوا يستعدوا لغزو المسلمين، ولكن بمجرد وصوله إلى (الأندلس) كان (الطاعون الأسود) قد عصف بالقشتاليين وقتل ملكهم فذهب تهديدهم، فاغتنم (ابن بطوطة) الفرصة وراح يتجول بين مدن الأندلس، قبل أن يقفل راجعًا إلى المغرب، ويتجول بين مدنه التي ضربها (الطاعون الأسود) حتى أقفرت كبرى حواضرها (مراكش) من السكان، ومن (المغرب) ينطلق نحو الجنوب إلى (السودان الغربي) وهي بلاد (مالي) اليوم، حيث زار (تومبكتو) أعظم مدن هذه البلاد وأكثرها سكانًا، وفي النهاية يعود إلى بلاده. استغرقت هذه الرحلة نحو خمسة سنوات، وفي مشاهداته في هذه الرحلة ينقل لنا (ابن بطوطة) تصوره عن جغرافيا هذه البلاد وبيئتها، فتجده يصف نهرًا عظيمًا في (السودان الغربي) وينعته بالنيل، وهو في الأغلب نهر (النيجر)، ويصف حيوانات هذه البلاد التي كانت مجهولة عند المسلمين وعند الأوروبيين في نفس الوقت، كما أن وصفه لواحات الصحراء وحركة القوافل التجارية يظهر لنا مجتمعًا حيًا متفاعلًا على عكس ما يعتقد البعض.

ظل كتاب (تحفة النظار) حبيس خزان الكتب، حتى عثر على بعض نسخة الكاملة مستشرق فرنسي في مدينة (قسنطينة) الجزائرية في منتصف القرن التاسع عشر، ومن ثم قام بنشرها فتعرف العالم عليها، وقد عثر بعد ذلك على نسخ في أماكن أخرى من العالم الإسلامي ليطبع نص الكتاب أكثر من مرة، بعض هذه الطبعات مجرد صورة رديئة لواحدة من مخطوطات الكتاب، وبعضها الآخر محقق ومزود بالفهارس والتوضيحات، ولا أنصح بقراءة الكتاب من طبعة غير محققة تحقيقًا واف، وأفضل الطبعات المحققة في نظري تلك التي أصدرتها دار إحياء العلوم البيروتية وحققها الشيخ محمد العريان من علماء لبنان. وهناك طبعة رقمية مجانية صادرة عن هنداوي، وهي طبعة سيئة لم يتكلف الناشر تصحيحيها أو فهرستها او حتى إخراجها.

تقبلوا مودتي.

♦ رابط تحميل الكتاب.

عن لأبعد مدى