كتاب كل جمعة: (الرحلة المغربية)

• كتب: وسام الدين محمد عبده.

كتاب كل يوم جمعة (31) تراث الرحلات (4/4) كتاب (الرحلة المغربية) أو (رحلة العبدري)

                      

 

ويحل الأسبوع الأخير من الشهر الذي ارتحلنا فيه بصحبة الرحالة المسلمين في عصر الحضارة الإسلامية الذهبي، فصحبنا (ابن بطوطة) إلى الهند وشرق آسيا وغرب أفريقيا، وصحبنا (ابن جبير) في رحلة حجه عبر الشرق في زمن الحروب الصليبية، وصحبنا السفير (ابن فضلان) في مغامرته في القرم وروسيا؛ واليوم نختتم رحلتنا مع رحالة مغربي آخر هو (أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن علي بن أحمد ابن سعود العبدريّ)؛ ويعرف مؤرخو الأدب العربي المعاصرين (العبدري) كشاعر وقاض وفقيه، ولكننا لا نكاد نقف على تفاصيل حياته، فلا تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته معروف، لكن المؤكد أن أنه قد ولد في بلدة (حاحه) في المغرب الأقصى؛ المملكة المغربية اليوم؛ وهو ما نستدل عليه من لقبه، كما يدل لقب عائلته (العبدري) أنه ينحدر من بني عبد الدار أحد بطون قريش، ويعتقد بعض المؤرخين أن أسلافه قد أقاموا بمدينة (بلنسية) الأندلسية زمنًا فبل أن ينتقلوا إلى المغرب.

كما لم نقف على مشيخته، إلا إشارات متناثرة إلى أنه قد طلب العلم في مدينة مراكش، وكانت واحدة من حواضر العلم في المغرب في زمانه، وشغل منصب قاض، كما يظهر من خلال نصه عالم بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي والتاريخ، كما أورد مؤرخو الأدب العربي في المغرب مثل (البلوي) و(الكتاني) للعبدري اشعارًا مختلفة يتبين منها أنه كان شاعر مجيد.

بدأ (العبدري) رحلته من بلده (حاحه) في الخامس والعشرين من ذي القعدة، عام ثمانية وثمانين وست مئة، متخذًا مسارًا مر بمدن (تلمسان) و(مليانة) و(الجزائر) و(بجاية) و(قسنطينة) في بلاد المغرب الأوسط، وتجده يصف تدهور عمران بعض المدن الهامشية، ولعل هذا التدهور من أثار الدمار الذي لحق بتلك البلاد بفعل غزوة بني هلال الذين يصفهم بالعربان.

ومن (الجزائر) ينتقل إلى مدينة (تونس) والتي يتوقف فيها لفترة، ويبدو أن (تونس) قد سحرته فهو يكاد يتغزل في محاسنها، ويصف جامع الزيتونة وعلماءه ويمتدحهم، ومن (تونس) إلى (القيروان) فيقارن بين عمران الأولى وتدهور الثانية، ويذكر مسجدها وما فيه من كتب نادرة ويخص بالذكر مصحفًا غير منقوط أي أنه يعود إلى نحو القرن الأول الهجري، وأخيرًا ينتقل إلى (قابس) آخر المدن التونسية قبل إن ينتقل منها إلى مدن (ليبيا) فيصل (طرابلس) ومنها إلى (مصراتة) ثم (سرت) إلى أن يبلغ (برقة)؛ ومن (برقة) يدخل أرض (مصر)، فينزل في مدينة (الإسكندرية) فتراه يذكر سوء معاملة موظفي الجمارك للحجاج المغاربة، ثم يقف على ذكر أثار (الإسكندرية) وعمرانها، وينقل عن (ابن جبير) بعض مشاهداته وقصائده، ومن (الإسكندرية) ينتقل إلى (القاهرة) التي يحمل على أهلها بقسوة، أما أهم ما يلفت نظره في (القاهرة) هو انكباب أهلها على المنطق، ولعله يعني أهل العلم فيها، وكأن سائح تجده مشدوه بالأثار القديمة والنيل، وتجده يصف بلاد مصر بأنها (عمارة متصلة).

ومن (القاهرة) ينتقل عبر الطريق البري إلى الحج، فيسلك هذا الطريق إلى (السويس) ثم عبر (سيناء) إلى (آيلة)، قرية (أم الرشراش) المصرية التي استولى عليها الصهاينة ويسمونها اليوم (ايلات)، ثم يدخل بلاد (الحجاز) ويذكر مدنها التي نزل بها مثل (الوجه) و(حوراء) و(ينبع) و(الدهناء) إلى أن ينزل في (مكة)، فإذا به عند هذا الموضع من كتابه يتوقف ليتناول جغرافيا (مكة) وما تيسر له من تاريخها، ثم يقدم شرح فقهي لمناسك الحج؛ ومن (مكة) يرتحل إلى (المدينة) ومن جديد يفرد لجغرافية المدينة وتاريخها صفحات ماتعات؛ ثم يقفل إلى بلاده ولكن عبر (فلسطين)، فينزل (الخليل) و(القدس) ويزور المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة ثم يزور (عسقلان) و(غزة)، قبل أن يعود إلى مصر ومنها ينطلق إلى دياره.
كعادة الرحالة المغاربة، فإن الدافع وراء رحلة (العبدري)، كما يبين (العبدري) عن نفسه في مفتتح كتابه، كان القيام بفريضة الحج وجوار المسجد الحرام، إلا أن القارئ يلحظ خلال صفحات الكتاب، اهتمام (العبدري) بمقابلة العلماء في البلدان التي يزورها والأخذ عنهم ما استطاع، فتراه في (مصر) يلتقي بالعالم (ابن دقيق العيد) وفي (القدس) يلتقي بالعالم (ابن جماعة).

كان (العبدري ) قاس في نقده للبلاد التي مر بها، وهي قسوة يبررها بمشاهدات مختلفة، كما فعل مع في (تلمسان) الذي يحمل على حكامها عدم اهتمامهم بضيافة الحجيج وانصرافهم عنهم، وقد لا تجد مبرر له كما في اتهامه لأهل (القاهرة) بكل نقيصة؛ كما انه يستطرد في بعض المواطن فتجده يقف على إعراب جملة أو يتناول بعض أراء العلماء في مسألة ما، وربما نقل القصيدة الطولية التي تشغل بضع صفحات؛ ولكن حسه النقدي يتجاوز المشاهدات إلى مقارنة ما أورده الجغرافيين القدماء مع ما وقف عليه وعاينه، فتراه ينتقد الجغرافي الأندلسي (أبو عبيد البكري) لما أورده من معلومات جغرافية خاطئة في كتابه (المسالك والممالك) ويرجعه إلى عدم تحري (البكري) الدقة وعدم معاينته لما يصف، ولو أنصف لأخذ في حسبانه أربعة قرون بين زمانه وزمان البكري تتغير فيهم أحوال الناس والبلدان.

قام احد المستشرقين الفرنسيين بكتابة بحث مطول عن الرحلة المغربية في مجلة استشراقية، فلفت نظر علماء العربية وأدباءها إلى هذا الكتاب، فعمد إليها بعض فضلاء المغرب فحققها ونشرها ومنهم (أحمد بن جدو) والدكتور (محمد الفاسي)، وقد شابت هذه الطبعات تصحيفات وتحريفات كثيرة، أما أفضل تحقيق لها فهي تلك الطبعة التي حققها الدكتور (على إبراهيم الكردي) وصدرت عن دار سعد الدين في دمشق، وهي طبعة مطولة وبهوامشها شروح للألفاظ والأعلام وإحالات لما يرمي إليه (العبدري)؛ أما الطبعة التي في الرابط فهي طبعة جيدة أخرى من تحقيق الأكاديمي الجزائري الدكتور (سعد بو فلاقة)، وهي من الطبعات الجيدة.

تقبلوا مودتي.

♦ رابط تحميل الكتاب.

عن لأبعد مدى