مبادرة (قوص بلدنا): عندما يفعل الشباب كل شيء بإمكانيات ذاتية 100%

• لمطالعة الحلقات السابقة من كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة- أسوان).
• لقراءة الكتاب كاملًا في صيغة (PDF).

في العادة، أؤمن بأن “التخصص.. شرطًا أساسيًا للاستمرارية”، خصوصًا في مبادرات المجتمع المدني، وإلا سيبدد الكيان طاقته، و يصل إلى مرحلة (التوقف) خلال فترة وجيزة.

ظللت أتعامل مع هذا المبدأ، كحقيقة لا تقبل الاستثناء، حتى سمعت عن جمعية (قوص بلدنا). بأنشطتهم التي تتنوع بين الثقافي والاجتماعي والفني والخيري، إلخ. كلما جذبت خيط تفاصيلها أكثر، اتسعت مساحة الإعجاب، فتحطيم قاعدة (التخصص)، ليست وجه تفردهم الوحيد.

تاريخ الانطلاقة: يونيه 2010م.

تخيل أن تقضي النهار في حرم الجامعة، ثم تهبط إلى الشارع -عصرًا- بمكنسة وجاروف؟!

أطرح هذا السؤال كبداية، لنقدّر مقدار شجاعة التي تحلى بها أحمد على حجاج، محمد مراد، محمد سيد، محمود أحمد عاطف، أحمد عمر حمادة.

خمسة طلاب، بجامعة قنا، دشنوا حراكًا متعدد الأنشطة بمدينتهم، تحت لافتة؛ جمعية (قوص بلدنا)، غير أن الانطلاقة بدأت بهدف أحادي بسيط.

جلّ ما فكروا فيه –وقتها- المشاركة في نظافة الشارع، بالتنسيق مع المجلس المحلي. بهذه الخطوة، اختبروا بالطريقة الصعبة مدى الاختلاف بين النوايا الطيبة، والهبوط على أسفلت الواقع:

من ناحية، عمال النظافة اعتادوا انتهاج مبدأ “العمل على قدر فلوسهم”، (كانوا يتقاضون أجر يومي 9 جنيهات، وقتها)، فضايقهم وجود الشباب إلى جوارهم، مما يضطر جميع المحيطين –بطبيعة الحال- إلى الشغل بجدية إضافية.

أما مسئولي مجلس المدينة، فتأرجحوا بين توفير التسهيلات والأدوات تارة..  وحجبها تارة أخرى.

الشيء الوحيد الذي انتظموا فيه بضمير:

– محاولة استقطاب الطلبة للعمل تحت مظلة الحزب الوطني، تحديدًا مشروع (مصر أحلى بشبابها) لو يذكره أحدكم.

رفضت (قوص بلدنا) –منذ وقت مبكر- الانزواء تحت أي جناح سياسي، ديني، طائفي، عرقي، إلخ. كي يظلوا جزءًا من الناس فحسب، ليفاجئوا بأن الصدمة الثالثة. مصدرها “الناس” أنفسهم؛ فقبل أن يفرغ الفريق من العمل بعد، يفاجئهم أحد العابرين بطرح المزيد من القمامة، وإذا لفت أحد الشباب نظره –بتهذيب- إلى الصندوق المخصص، تأتي الإجابة البريئة:

-هذا عملكم أنتم. (ظنًا منه أن الطلبة ينتمون إلى عمال النظافة).

*******

يقول عضو الفريق المؤسس د. أحمد عمر:

-“انتبهنا إلى أن نظافة الطرقات، تحتاج عملًا موازيًا في نظافة العقول”.

أعقب نزولهم الشارع في يونيه، أول صالون ثقافي في أغسطس من نفس العام.

أمسية لطيفة، أقيمت بمقهى (مطاحن مصر العليا) التي تقع إلى جوار مقر الشركة على النيل، ثم جاءت النقلة التالية برعاية الحاصل على جائزة الموظف الأفضل في وزارته، على مستوى إقليم جنوب الصعيد:

– (أنور جمال)، مدير قصر ثقافة (قوص).

انتبه الرجل إلى النشاط الشباب اللافت، فرحب باحتضان أنشطتهم داخل القصر، وأحاطهم بدعم لامحدود على حد تعبيرهم، لدرجة أن:

– عندما تتأخر الفعاليات، ويرغب الأمن والإداريين بالانصراف، يبقى هو كي يؤمن لنا راحتنا في الوقت الذي نرغبه.

أغلب أصحاب المبادرات من أصدقائي، يتحدثون عن التجاهل الذي يلاقونه من الحكوميين، حتى يظهر نسخة (أنور جمال) خاصتهم، أمثال هذا الرجل موجودون في كل مكان، مرونتهم نابعة من وازع فردي، لذلك، إن رحلوا…

– … وجاء صف ثان لا يرحب بكم، ألا ترى أن ذلك سيهدد استمرار نشاط المبادرة هناك؟

– الاحتمال مطروح بقوة، خصوصًا مع شعورنا بعدم وجود نفس الترحيب مع كل الكوادر في القصر.

وجهت المزيد من علامات الاستفهام حول السبب، فوضّح د. عمر:

– الموظف عندما يعتاد على اللاعمل، يؤرقه تواجد أي حراك في محيطه، حيث يفترض أن الغرض من ذلك؛ إشعارهم بالتقصير.

سعت (قوص بلدنا) لاختلاق بديل، تمثل في الشاعر والمسرحي (مراد محمد حسن)، عضو مجلس إدارة (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ساعدت الخلفية الأدبية للرجل على تفهم مساعي الفريق، فعقد شراكة بين الجمعية وقوص بلدنا، صارت بموجبها مكتبة الطرف الأول تحت تصرف الثاني.

هكذا استمرت فعاليات الجمعية بالقصر حتى الآن، بالتوازي مع المكان الجديد، لتتوزع بينهما أنشطة الجمعية، كـ؛ نادي السينما الذي يعقد كل أربعاء، فضلًا عن الصالون الثقافي- كل خميس، وتعود انطلاقته إلى 7 أعوام مضت، منذ ميلاد الجمعية ذاته، بالإضافة إلى أنشطة أحدث، مثل جلسات (زاد)، التي تستهدف توفير حد أدني من الأمان المعرفي، بمناقشة الجديد والدسم من الكتب كل جمعة. إلى جوار مسرح ومعارض الفنون التشكيلية التي تقام بين الحين والآخر.

في تاريخ 7 سبتمبر 2014م، افتتح وزير الثقافة الأسبق (جابر عصفور)، ما تم تسميته: ورشة (العدالة الثقافية)، تضمنت رابع جلساتها حضور محمود عبد الحميد (جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية)، نبيل نجيب (الهيئة الإنجيلية)، نورا أمين (فرقة لاموزيكا المستقلة)، وليم سيدهم (جمعية النهضة الثقافية والعلمية– الجيزويت).

حضروا –جميعًا- من  زوايا مصر الأربع، لكن أطولهم مسافة في القدوم، الصحفي (الحسين محمد) الذي قطع 650 كيلومترًا من أقصى الجنوب.. ليحل ممثلًا عن جمعية (قوص بلدنا).

هذا الاعتراف الحكومي الضمني بالمبادرة، لم يأتِ بين يوم وليلة، بل سبقه مسافة أبعد وأصعب من الصدام مع بيروقراطية النظام ذاته.

على سبيل المثال، عندما أنشأت الجمعية برنامجًا للموهوبين الصغار، حمل اسم (بكرة)، شرعت في بناء قاعدة له، قوامها “التلاميذ”، في البدء دخلوا المدارس بشكل ودي، بناء على العلاقات المباشرة التي تغمر أي مجتمع منغلق كالصعيد، ثم أرادوا تعزيز وجودهم رسميًا، بالذهاب إلى وكيل وزارة التربية والتعليم بـ (قنا). فزع المسئول، قال أن هذا أمر لا يصح إلا بتأشيرة من الوزير نفسه، كيف يا أفندم، يفترض أن حضرتك وكيل الوزارة عن المحافظة ككل؟!

نهايته.

حتى الآن، يستمر برنامج (بكرة) تحت غطاء العلاقات الودية وحده!

نعم، من المريح أن تتأقلم مع مبدأ “الاعتماد على الذات”، فتسقط من حساباتك أي دعم حكومي، لكن.. هل يتركونك وشأنك؟

يحكي د. أحمد عمر حمادة، عن أحد أحرج فترات المبادرة:

– في مرحلة ما بعد الثورة، أبلغني قريب ذو صلة بالداخلية، أن الأمن عينه علينا. لم أفهم أي ضرر كنا نسببه بالضبط، خصوصًا أننا كنا واضحين منذ البداية، بأننا لا نحمل أي انتماء سياسي. حتى مدير قصر الثقافة، بلغه تحذيرات لها نفس المعنى، امتد بعضها إلى التلميح بأن؛ تعاونه معنا قد يضر مركزه الوظيفي.

في مصر –فقط- يعد العمل التطوعي جديرًا بعقاب أصحابه، مم يحتل المرتبة الأولي في قائمة العقبات، أو للدقة -من وجهة نظري- المرتبة الثانية، إذ أتفق مع الزميل (سامح فايز) في قوله: أن أكبر المخاطر التي يواجهها الشباب.. هم الشباب أنفسهم.

تتعدد الآفات التي يمكن أن تصيب الجبهة الداخلية لأي مبادرة، فاهتممت بسؤال د. أحمد عما واجهوه منها في قوص بلدنا. خصوصًا أن نفس عوامل سهولة عملك –كصعيدي- في مجتمع محلي تنتمي إليه، يجعلك تصطدم بالوجه الآخر للعيوب، ولو بعد حين.

علق د. عُمر على هذه النقطة:

-ليست السياسة فقط، ما حاولنا تجنبه، بل سعينا –أيضًا- لخلق فريق، لا يسأل أحدهم الآخر: “من أي قبيلة أنت؟”.

من أحرج فترات الجمعية أيضًا، تلك التي فرغت فيها من الكوادر؛ الشباب يسافرون للعمل أو للتجنيد، الآنسات يتزوجن، مما نتج عنه مرحلة انتقالية شديدة الصعوبة، قبل النجاح في رتق الفراغ مرة أخرى.في (قوص بلدنا).. يصل الأمر -حاليًا- إلى أن تجد شباب في الإعدادية والثانوية يديرون بعض الفعاليات.

لم ألبث أن انتبهت لنقطة، فسألت المنسق العام السابق:

– ألست عضوًا مؤسسًا؟ ماذا عنك الآن؟ كيف ومتى تركت المنصب بالضبط؟

– تنحيت كـ (مبارك).

هكذا أجاب مداعبًا، قبل أن يوضح:

–  أهم أسباب استمرار (قوص بلدنا) هي التقويم، فالتقويم، فالتقويم المستمر. تركت مكاني بعد انتهاء المدة، وتنحيت في سبيل إفساح المجال لانتخابات حرة، أفرزت كوادر أخرى لا تقل كفاءة، أقف بجوارهم حاليًا من خلال دور استشاري، لا تنفيذي.

يتشكل هيكل (قوص بلدنا) من (منسق عام)، يتغير  بانتخابات نصف سنوية، تتفرع الشجرة إلى عدة لجان، بعضها إداري، مثل (المالية)، (الإعلام)، (التدريب)، (الموارد البشرية). والآخر فني، مثل (الثقافية)، (العلمية)، (الميدانية).

بهذه الروح الداخلية المنظمة، انفتحت الجمعية لعقد شراكات خارجية مع الجميع، انطلاقًا من مبدأ التكامل لا التنافس، فنجحوا إلى جوار مؤسسة (دوم) وقصر ثقافة (قوص)، في إطلاق حفل لراوي السيرة الهلالية (سيد الضوي) رحمه الله، علاوة على عرض لفرقة (بني مزار)، وورشة أدبية للكاتبة الكبيرة (سحر الموجي).

*******

-“ظننا أن سنجد أرضًا خاوية، إلا من طاولة ومقعد في المنتصف، يجلس عليها عجوز بجلباب وعمامة، وفي الخلفية صوت إطلاق نار من بعيد. ففوجئــــــنا بصــورة مختلـفــــة تمامًا عما تصورنــــــــاه عـــــن “مبادرة مجتمعية” في الصعيد، في البدء، اتضح أن (محمد يوسف) الذي تواصل معنا، ليس مسنًا كما تخيلناه، بل صيدلي شاب، يعمل ضمن  فريق عمل متناغم، تعجينا أنه تضمن سيدات أيضًا، بخلاف الصورة الشائعة للصعيد، حتى الآن، تعتبر (قوص بلدنا) هي أحد أكثر الكيانات المنظمة التي تعاملنا معها”.

أحد مسئولي مؤسسة (دوم) بعد زيارته الأولى للمبادرة

ثمة بروتوكول آخر مع متحف (السيرة الهلالية) بـ (أبنود)، مكّن موهوبي الجمعية من عرض فنهم هناك.

كذا؛ (الجمعية العلمية لطلاب طب قنا)، وفرت الغطاء لحملات (قوص بلدنا) الصحية، وورشها لتعليم الإسعاف الأولى.

(بكر هشام)، معيد بكلية هندسة (أسوان)، دشن ورش تعليمية لصناعة “آليين”، صحيح أنها اقتصرت على رافعات بسيطة + تقنيات بدائية تعتمد على قانون (باسكال)، لكن عند التطلع للمسألة –ككل- بنظرة إلى الأعلى، يعد ما سبق إنجازًا كبيرًا: هناك ورش روبوتات في أقاصي الجنوب.

عندما غاب المهندس لظروف العمل والتجنيد، رتق الفراغ وجود الكيمائي (عبدالله عرابي)، عبر سلسلة جلسات لتبسيط العلوم.

اتسعت روافد تأهيل الكوادر، لينال بعض أفراد الجمعية تدريبًا من جهات محلية كـ (يلا نجاح) بقنا، علاوة على التشبيك مع مؤسسات دولية مثل (Care) و(Y-peer).

بينما ظل التمويل –حسب تأكيد المنسق العام الأسبق- ذاتيًا بالكامل، فالناشطين أغلبهم متطوعين لا يتقاضون أجرًَا، بل يتبرعون، أما بخصوص بند (توفير أماكن لإقامة الفعاليات)، فيحصلون عليها مجانًا من خلال عقد شراكات. في أحيان قليلة يوجد متبرعين خارجيين، تحديدًا في المشاريع الخيرية كمعرض ملابس، أو شنط رمضانية، إلخ. يوجز (عُمر):

– هذا كله يصب في مغزى تجربتنا: بوسعك أن تفعل لمجتمعك كل شيء، من اللا شيء.

بعد سبع سنوات من العمل المتواصل، لم يتم إشهار الجمعية –رسميًا- حتى الآن، وإن كانت هناك محاولات جادة منذ 2010م، تنوعت أسباب تعثرها، ما بين: مشكلة المقر/ عقبة الاستنفار الأمني عقب الثورة/ التبدل المستمر في الكوادر المتوفرين، نظرًا لظروف العمل والدراسة/ بل حتى حاجزهم النفسي من التحول -عقب الإشهار- إلى إحدى تلك الجمعيات الروتينية المترهلة التي نعرفها.

كل هذه العقبات ذابت -تدريجيًا- في السنوات الأخيرة، بفعل الخبرة والاستقرار اللذان اكتسبهما الكيان، فاقتربوا بالفعل من تلمس طريق الإجراءات. إلا أن أن الأمل بظهور قانون الجمعيات الأخير، والذي –على إثره- تم سحب عدد من تخصصات وزارة التضامن، لتوكل إلى جهاز ذي رئيس على درجة وزير، يقود ما يشبه مجلس الحرب، يتضمن ممثلين لـ (الداخلية، الخارجية، الدفاع، المخابرات، العدل).

هناك آلاف مؤلفة من الجمعيات الصغيرة في الحارات والنجوع، تقوم بتوزيع بطاطين في الشتاء، أو تباشر مستوصف خيري، أو غيرها من الأنشطة تسعى لرتق الفشل الحكومي، جميعهم –الآن- مهددين، –كأبسط مثال- صار نزولك لعمل استبيان في الشارع (الذي هو أساس أي عمل تنموي)، قد يجعلك معرضًا لغرامة لحبس سنة، بالإضافة إلى غرامة نصف مليون جنيه، وتتكرر نفس  العقوبة المغلظة في حالة أخطاء إدارية تافهة.

لا أرغب في الـإطالة أكثر، من النادر أن أقابل بنود قانون، مجرد ذكرها (مستفز) إلى هذا الحد، (وإن لم يكن نادرًا جدًا في السنتين الأخيرتين)، المهم، في سبيل حصار إزعاج نحو 50 أو 100 جمعية لحقوق الإنسان، تم خنق وتأميم المجتمع المدني القائم في مصر بأكملها، إلى أجل غير مسمى، بالإضافة تبخير أي أمل لمبادرات تفكر في الأشهار رسميًا، من نوعية (قوص بلدنا).

◄ صفحة (قوص بلدنا) على (فيسبوك).
(يوتيوب).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).