(راشمون) جـ 1: قصة يابانية من أدب الجريمة

• تأليف: ريونوسوكي أكوتاجاوا.

• ترجمة: محمد عبد العزيز الخولي.

• تحولت إلى فيلم ياباني أيقوني من إخراج (أكيرا كوروساوا)، إنتاج عام 1950م.

• شهادة قاطع الخشب أمام ضابط الشرطة:

– نعم يا سيدي، كنت أنا من عثرت علي الجثة  ذهبت هذا الصباح كما اعتدت لقطع حصتي اليومية من أشجار الأرز، عندما عثرت علي الجثة في أجمة من الأشجار داخل حفرة عند الجبال.  ماذا كان مكانها بالضبط؟ تبعد حوالي 150 مترًا عن طريق ياماشينا.  مجرد مجموعة صغيرة من أشجار الخيزران والأرز خارج الطريق.

رقدت الجثة على ظهرها وقد ارتدي صاحبها رداء كيمونو من الحرير الأزرق، وقبعة مهترئة من طراز كيوتو، كانت ضربة سيف واحدة قد اخترقت الصدر، وقد اصطبغت عيدان الخيزران المتناثرة من حوله بدمائه.

لا، لم يكن دمه طازجًا، وإنما كان قد جف منذ زمن علي ما أعتقد  رأيت ذبابة ضخمة واقفة علي الجثة، ويبدو أنها لم تنتبه لخطواتي.

تسألني عما إذا كنت قد رأيت سيفًا أو أي شيء غريب بالمكان؟ لا، لم أرَ أي شيء يا سيدي  كل ما رأيته كان حبلًا عند قدم شجرة الأرز القريبة.  و حسنًا، بالإضافة للحبل، كان هناك مشطًا  هذا هو كل شيء.

واضح أنه قد خاض معركة مع قاتله قبل موته، لأن الحشائش وأعواد الخيزران كانت مسحوقة ومتناثرة في كل مكان من حوله.

–  هل كان هناك حصان بالقرب من المكان؟

–  لا يا سيدي، فمن الصعب علي رجل أن يدخل لذلك المكان الضيق من الأصل، فما بالك بحصان.

*******

• شهادة راهب بوذي متجول أمام ضابط الشرطة:

– الوقت؟ طبعًا،  كان حوالي ظهر البارحة يا سيدي  انطلق الرجل منكود الحظ علي الطريق الواقع بين سيكياما وياماشينا. كان يسير متجهًا إلى سيكياما  وقد رافقته امرأة علي ظهر جواد، والتي علمت فيما بعد أنها زوجته  غطي وشاح وجهها، فكان كل ما رأيته منها لون ملابسها، التي تكونت من بذلة بلون الليلاك، وقد اعتلت جواد وافر الصحة ذا شعر غزير.

طول السيدة؟ مممم، حوالي أربعة أقدام وخمسة إينشات. فلأنني راهب بوذي، لم أعر انتباهًا كبيرًا لتفاصيل جسدها.

حسنًا، كان لدي الرجل سيفًا وقوسًا وسهامًا. أتذكر أنه كان يحمل في جعبته عشرين سهمًا غريبي الشكل.

لم أتوقع علي الإطلاق أن يلاقي مثل هذا المصير، لقد كان الأسلاف محقين حينما قالوا أن حياة المرء سريعة الزوال كندي الصباح، أو كلمعة من البرق  كلماتي لا تكاد تصف مبلغ حزني عليه.

*********

• شهادة رجل شرطة أمام ضابط الشرطة:

– الرجل الذي ألقيت القبض عليه؟ كان مشبوهًا يدعي تاجومارو  كان قد سقط عن جواده عندما قمت بالقبض عليه، وقد أخذ يتألم علي جسر بـ أواتاجوشي.

الوقت؟ في بداية الليلة الماضية. وللعلم، حاولت القبض عليه خلال اليوم السابق، لكنه تمكن لسوء الحظ من الهروب. كان يرتدي وقتها كيمونو أزرق من الحرير، ويتقلد سيفًا تقليديًا ضخمًا. وكما تري، كان معه قوسًا وبعض السهام في مكان ما.  تقول إن القوس والسهام يماثلون أولئك الذين يملكهم القتيل؟ إذن فلابد أن تاجامارو هو القاتل!

كان القوس ملفوفًا بشرائح جلدية، وقد وضع السبعة عشر سهمًا داخل نطاقًا أسود لامع، وقد انتهي كل سهم منها بريش صقر، كان هذا هو كل ما بحوزته في اعتقادي.

نعم يا سيدي،  كان الحصان – كما وصفته حضرتك- حصانًا قويًا وافر الصحة وله شعر غزير.

بعد الكوبري الحجري بقليل وجدت الحصان وهو يرعي في العشب الموجود علي جانب الطريق، وقد تدلي شعره الغزير علي ظهره  طبعًا هناك احتمالية لكون الحصان هو من قذفه عن ظهره.

من بين كل قطاع الطرق في كيوتو، كان تاجاومارو هذا هو أسوأهم علي الإطلاق، فقد لا تكاد تجد امرأة بالبلدة لم يقم ذلك الشقي بقتل أحد أفراد أسرتها  بالخريف الماضي. عادت زوجة للجبل من معبد بيندورا توريب،  على الأرجح بعد قيامها بزيارة للمعبد، وقتلت مع فتاة أخرى!

حامت الشكوك حول كونه الفاعل.  لو كان هذا المجرم هو من قتل الرجل، فلا يمكننا أن نضمن ماذا فعل مع زوجته، فربما من الأفضل لو تقوم حضرتك بتفقد تلك النقطة كذلك.

********

• شهادة امرأة عجوز أمام ضابط الشرطة:

– نعم يا سيدي، هذه جثة الرجل الذي تزوج ابنتي. لم يأتِ من كيوتو. إنه فارس ساموراي من بلدة كوكوفو في مقاطعة واكاسا  يدعي كانازاوا، وليس تاكيهيكو، عمره ستة وعشرون عامًا  كان ذا أخلاق وديعة ومتواضع، لهذا لا أظنه فعل ما يستوجب غضب آخرين.

ابنتي؟ اسمها ماساجو، وعمرها تسعة عشر  هي فتاة خفيفة الروح تحب المرح، لكنني متأكدة أنها لم تكن علي علاقة بأي رجل باستثناء زوجها.  هي ذات وجه صغير بيضاوي، ولديها شامة عند ركن عينها اليسرى.

غادر تاكيهيكو البارحة متجهًا نحو واساكا مع ابنتي.

أي حظ سيئ هذا الذي قاد الأمور لمثل تلك النهاية المؤسفة؟ ماذا حدث لابنتي؟ لقد تقبلت أن زوجها قد فُقد، لكن مصير ابنتي يقلقني للغاية!

بحق السماء لا تتركوا حجرًا فوق حجر حتى تعثروا عليها.  أكره قاطع الطريق المدعو تاجامارو هذا، أو أيًا كان اسمه. ألم يكفه قتل زوج ابنتي حتى يقم بـ  (غرقت كلماتها الأخيرة وسط بحيرة من الدموع).

********

• اعتراف تاجامارو:

– أنا قتلته، لكنني لم أمس المرأة!

أين ذهبت؟ لا أعرف  انتظر لحظة  لا تعذيب ستقومون به سيجعلني أعترف بما لا أعرفه.

ولكن بما أن الأمور تطورت لمثل هذا الطريق، فلن أخفِ أي شيء عنكم  البارحة بعد الظهر بقليل قابلت الزوجين، ولحظتها اندفعت دفقة من الريح لترفع وشاحها المتدلي، فلمحت وجهها لثواني، قبل أن يسقط عليه الوشاح من جديد ليغطيه عن ناظري. ربما كان هذا هو السبب، أنها بدت لي أجمل امرأة قد وقع عليها بصري!

في تلك اللحظة قررت أنها يجب أن تصبح لي، حتى لو اضطررت لقتل رجلها!

لماذا؟ بالنسبة لي ليس القتل مسألة عويصة كما قد يتبادر لذهنكم عندما نأسر امرأة، يجب أن يتم قتل رجلها في كل الأحوال.

ما أستخدمه للقتل؟ السيف الذي أبقيه بجانبي.

هل أنا الوحيد الذي يقتل الناس؟

أنت، صحيح أنك لا تستخدم سيفك، لكنك تقتل الناس بقوتك وأموالك.  أحيانًا تقتلهم متذرعًا بالعمل من أجل مصلحتهم.  صحيح أنهم لا ينزفون، ويكونون في أفضل صحة، لكنك قتلتهم علي أية حال.

من الصعب التحديد أينا مذنب أكثر، أنت أم أنا (ابتسامة سخرية) لكن سيكون من الجيد لو تمكنت من أسر المرأة دون قتل زوجها.  لهذا قررت أخذها معي، وأبذل ما بوسعي لكي لا أقتله، لكن سأقوم بها بكل تأكيد في طريق ياماشينا،  فحاولت استدراج الزوجين نحو الجبال.

كان الموضوع سهلًا. صرت رفيقهما في السفر، أخبرتهم بوجود أكمة قديمة تقع في الجبل هناك، وأنني قد قمت بالتنقيب فيها ووجدت العديد من المرايا والسيوف، وأخبرتهم أنني قمت بدفن الأشياء في أيكة الأشجار الموجودة خلف الجبل، وأنني أرغب في بيعها بسعر رخيص لمن سيهتم بالحصول عليها.

ثم  ألا تظن أن الطمع خصلة شنيعة؟ كان الزوج قد بدأ يتحرك من مكانه بالفعل من تأثير كلماتي قبل أن يستوعب ما حدث.  وخلال أقل من نصف ساعة كانا يقودا جواديهما تجاه الجبل معي.

عندما وصل أمام الأيكة أخبرتهما أن الكنوز مدفونة داخلها، وطلبت منهما المجيء والمشاهدة بنفسيهما. لم يكن لدي الرجل أي اعتراض، كان الطمع يعميه، بينما قالت المرأة أنها ستنتظر علي ظهر الجواد. كان من الطبيعي أن تقول هذا لدي رؤيتها الأكمة الضخمة.

لأكن صادقًا، فقد تطورت الأمور كما تمنيت بالحرف، لهذا ذهبت معه نحو الغابة، تاركين إياها بمفردها خلفنا.

لمسافة خمسون ياردة من الغابة، لم يكن هناك إلا البامبو، وعندما انتهت تلك الأخيرة انتصبت مجموعة من أشجار الأرز  كانت بقعة مناسبة لما انتويته.  شققت طريقي عبر الغابة، وأنا أتلو عليه كذبة معقولة عن الكنز المدفون تحت شجر الأرز هذا.

عندما أخبرته بهذا الجزء، شق طريقه نحو أشجار الأرز الأسطوانية الظاهرة من الغابة.  بعد وهلة، خفت كثافة شجر الأرز فلم يعد باقيًا إلا بضع شجيرات هزيلة في صف واحد،  بمجرد وصولنا هناك أمسكت به من الخلف!

لأنه فارس جيد التدريب، كان خصمًا قويًا، لكن لأن عنصر المفاجأة وقف في صفي، فقد تغلبت عليه  سرعان ما قمت بشد وثاقه في جذور شجرة أرز.

من أين أتيت بالحبل؟ لحسن الحظ أنني لص، ولهذا اعتدت حمل حبلًا معي، فربما أحتاجه لتسلق جدارًا ما في أي لحظة. وطبعًا كان من السهل منعه من الاستنجاد بأحد عن طريق تكميم فمه ببعض أوراق البامبو المتساقطة.

عندما ألقيت جسده، ذهبت لامرأته وطلبت منها أن تأتي وتراه، فقد سقط متعبًا فجأة لا داعي للقول إن تلك الخطة هي الأخرى قد نجحت.

خلعت المرأة قبعتها وأتت لأعماق الغابة، حيث قدتها من يدها  في اللحظة التي رأت فيها منظر زوجها، أخرجت سيفًا صغيرًا.

لم أر امرأة بمثل ذلك المزاج الناري!

• يتبع في الجزء الثاني والأخير.

عن لأبعد مدى