الإثنين , سبتمبر 16 2019

فيلم (Solace): قاتل.. متسلسل.. مستبصر.. رحيم..

شاهدت منذ فترة طويلة فيلم بعنوان (عزاء) أو Solace. والمقصود من الكلمة هو معنى “يجد العزاء في…”.

الفيلم إنتاج 2015 وهو لا يمت بصلة لفيلم يحمل نفس الاسم ولكنه انتاج 2018.

على الرغم من انقضاء فترة طويلة على مشاهدتي للفيلم، الا أنه ترك بصمة في ذاكرتي لا تنمحي.

هذه المراجعة ستحتوي على حرق للأحداث، فإذا كنت تنوي مشاهدة الفيلم ولا ترغب في معرفة النهاية، عندما أمرك بالتوقف عن القراءة، توقف فورا لأن بعدها سيبدأ حرق الأحداث.

بادئ ذي بدء، عثرت على الفيلم بالصدفة البحتة وأنا أتوقع مقع لملفات “تورنت” لتحميل الأفلام.

عادة اختياري للأفلام يتوقف على واحد من ثلاثة أشياء:

أولًا: طاقم العمل، لو كان مميزًا أو محبوبًا بالنسبة لي أقوم بتحميل الفيلم.

ثانيًا: لو كان الموضوع مثيرًا للاهتمام.

ثالثًا وأخيرًا: لو كان تقييم العمل على موقع IMDB مرتفعًا.

اعتمدت في اختياري للفيلم على السببين الأول والثاني، وسنعرف لماذا.

ما أثار دهشتي فعلًا، أنني لم أسمع اسم الفيلم من قبل على الاطلاق، على الرغم من متابعتي للأفلام الجديدة سواء عن طريق الانترنت، أو برنامج بوكس أوفيس، ولكن لم يتم ذكره أمامي ولم أراه يعرض في أي سينما خلال أي وقت!

لذا، كان فضولي قاتلًا لمشاهدته، ولم يخيب ظني.

نصل الآن للفيلم، طاقم العمل يتكون من العملاق أنثوني هوبكنز في دور الطبيب جون كلانسي، المميز كولين فاريل في دور القاتل تشارلز أمبروز.

الواقع أن عثوري على أي فيلم من بطولة هوبكنز يحتم رؤيته، وبالمثل فاريل، فما بالك بفيلم يشترك فيه النجمين؟

يشاركهما البطولة جيفري دين مورجان في دور الشرطي جو ميري ويذر والجميلة أبي كورنيش في دور خبيرة علم النفس الاجرامي كاثرين كولز.

الإخراج أفونسو بويارت وهو مجهول بالنسبة لي، والسيناريو شون بايلي وتد جريفين، وقد كتبا من قبل Ocean’s 11.

كما ترون، لا شيء مشجع غير اجتماع هوبكنز مع فاريل.

نأتي لقصة الفيلم. تدور الأحداث حول الطبيب المعتزل كلانسي، والذي اعتزل العمل والناس وانفصل عن زوجته، والسبب هو وفاة ابنته الوحيدة في ريعان شبابها بعد اصابتها باللوكيميا. ولكن كلانسي اعتزل شيئا أخر مهمًا نكتشفه بعد ظهوره في الدقائق الأولى، وهو موهبته الفريدة، إذ أنه مستبصر، يستطيع رؤية أحداث حدثت في الماضي، أو أحداث ستحدث في المستقبل.

من نافلة القول إنه لا يستطيع التحكم في تلك الرؤى، فهي تأتي وتذهب على هواها.

كلانسي تربطه صداقة قديمة بعميل المباحث الفيدرالية جو ميري ويذر، فقد تعاون كلانسي معه من قبل في فك غموض عدة جرائم.

لذا، فقد جاءه ويذر بعد اكتشافهم لعدة ضحايا لقاتل يقتل بطريقة غريبة وضحاياه لا توجد بينهم صلة يمكن منها استنتاج الضحية القادمة، ناهيك عن كونه يسبقهم دائمًا بخطوة.

خلال الثلث الأول من الفيلم نكتشف أن القاتل هو الأخر مستبصر على نفس مستوى كلانسي لذلك هو دائمًا يسبق المباحث الفيدرالية، فهو يرى ما سيحدث قبل حدوثه، فكيف يمكنك أن تقبض على مجرم بتلك الموهبة؟

النقطة الثانية التي يتم اكتشافها مبكرًا هي أن كل ضحايا القاتل يعانون من مرض قاتل، سرطان أو ورم، أو إصابة بالإيدز.

كل الضحايا كانوا سيموتون في مرحلة ما لو لم يقتلهم هذا السفاح، فلم قتلهم إذن؟

يمكنك أن تتوقف هنا لو كنت لا ترغب في حرق الأحداث. احفظ المنشور، وعد مرة أخرى لقراءته بعد مشاهدة الفيلم.

طبعاً، ستكون قد استنتجت أن أمبروز يقتل هؤلاء الضحايا لمعرفته بسبب موهبته الفذة مدى معاناتهم عند اكتشافهم للمرض المصابين به، فكان قتله هو نوعًا من الرحمة لهم.

وهنا تبرز المعضلة أو السؤال الأخلاقي في الفيلم، إلى أي مدى يمكن أن تذهب في حالة مثل هذه؟

هل من حق الانسان أو حتى الطبيب اتخاذ مثل هذا الخيار؟

ماذا لو كان المريض شخص تهتم به، ورأيته يتألم وأنت على يقين أنه سيتألم حتى الموت؟

هذه هي معضلة الفيلم.

نصل الأن للنقطة التالية، أمبروز يريد من كلانسي أن يقتله لأنه سئم من معاناته هو شخصياً لما أسماه (لعنته)، وهي معرفة ألام كل هؤلاء الضحايا واضطراره لوضع حد لها.

لماذا اختار “كلانسي”؟

لأنه يمتلك نفس الموهبة بالطبع، فهم يريد منه أن يكمل ما بدأه هو! ولكن، هناك سبب أخر نكتشفه في نهاية الفيلم، وبعد مقتل أمبروز على يد كلانسي وبعد أن وضعه في اختيار صعب، كان عليه أن يختار فيه بين موت أمبروز أو موت المحققة كاثرين كولز بعد مواجهة مثيرة.

السر هو أن أمبروز كان يعلم عن طريق موهبته أن كلانسي ارتكب نفس الجريمة مع ابنته المريضة ليضع حدًا لمعاناتها مع المرض الميؤوس من شفاؤه.

طبعًا، لن أتحدث عن هوبكنز والأداء الرائع، الرجل يتقمص أدواره بنفس البساطة التي يتنفس بها، أما فاريل فقد أبدع في دور القاتل المضطرب نفسيًا ولكنه في نفس الوقت يرى نفسه صاحب رسالة.

على الرغم من أن الفيلم لا يطرح أسئلة كثيرة، إلا أنني أكاد أجزم أنه لا يوجد مشاهد يمكن أن يوقن من إجابة السؤال المحوري للفيلم.

فيلم شيق جداً تقييمه على موقع IMDB هو 6.2 الا أنني أرى من وجهة نظري الخاصة أنه يستحق على الأقل 8.0.

عمر فتحي دسوقي

عن عمر فتحي

طبيب وروائي مصري، من أعماله: انتقام ميت، دعوة للموت، أنفاس الشيطان.