فيلم (Green Book): سيمفونية في الأداء عزف موسيقاها السيناريو!

لا يسعني بعد مشاهدة فيلم “Green Book” سوى أن أعود بمقعدي للوراء، وأصفق بكفي حتى يلتهبا!

الفيلم يعد رائعة من روائع السينما الأمريكية والتي تقص مشكلة العنصرية في أمريكا في الستينات.

لن أخوض في القصة التي بتنا نعرفها جميعا، ولكن ما سأكتبه سيكون انطباع شخصي عن بعض الأشياء التي جعلت هذا الفيلم من أروع ما يكون. ذلك سيستلزم ذكر بعض المشاهد بالتفصيل.

شخصية “توني ليب” والتي يقوم بها “فيجو مورتنسن” تم رسم أبعادها بحرفية شديدة عبر أربعة مشاهد في بداية الفيلم. المشهد الأول هو سرقته لقبعة واحد من كبار الايطاليين ذوي السطوة الذين يرتادون الملهى الليلي حيث يعمل، وهو يعلم كم هي عزيزة عليه لأنها هدية من والدته، ليعيدها إليه لاحقًا ليصبح الرجل مدينًا له بمعروف.

المشهد الثاني هو مشهد قيامه بطرد بضعة سكارى من النادي الليلي بعد قيامه بضربهم. المشهد الثالث، عند عودته إلى المنزل فجرًا، صف سيارته بجانب صنبور الحريق، ثم قام بوضع صفيحة القمامة فوق الصنبور ليخفيه فلا يحصل على مخالفة.

المشهد الرابع هو القاؤه بالكوبين بعد أن شرب منهما عاملو السباكة السود.

ماذا يريد المخرج من هذه المشاهد؟

“توني ليب” هو شخصية عنصرية، كارهة للسود أو على الأقل يشمئز منهم، ولكنه في ذات الوقت واسع الحيلة، براجماتي تمامًا، مما يفسر قبوله للوظيفة بعد ذلك.

هو لا يحب السود، ولكنه في حاجة إلى النقود، لذا سيقبل بالوظيفة ويحتفظ بأراءه الشخصية لنفسه.

أضف إلى ذلك أن الرجل يأكل كما لو كانت كل وجبة هي وجبته الأخيرة!

شخصية “دونالد شيرلي” والتي يقوم بها “ماهرشالا علي” على العكس، تم سبر أغوارها عبر الرحلة التي يقومان بها. المشهد الأول يظهر العنصرية المضادة التي يعاني منها السود الناجحين عبر مشهد المقابلة بينه وبين “توني”.

الرجل متعجرف في تهذيب، يعتز بكرامته اعتزازا شديدًا، وهو “Sophisticated” إلى درجة تثير الغيظ. مشهد بعد مشهد، تبدأ ملامح الشخصية الحقيقية وأسباب تصرفه بهذه الطريقة تتضح مثل البصلة التي يتم إزالة طبقاتها ورقة بعد أخرى.

قمة الإبداع كانت في الشغف والثورة اللتان يعزف بهما “شيرلي” بعد كل موقف عنصري يتعرض له، ليعطيك الانطباع أن ابداعه ما هو الا وليد للمعاناة.

الكوميديا المتولدة من تصادم شخصيتين على طرفي النقيض كانت رائعة. أما “توني ليب” فحدث ولا حرج! الرجل يتفوه بأتفه الكلام عندما تتوقع منه أن ينطق بكلمات في غاية الحكمة، بينما يتحفك بأروع الاقتباسات في وقت لا يسمح سوى بالحديث الهزلي.

مشهد مرور “شيرلي” على الحقول التي يعمل بها السود ونظرتهم المتحفزة له، لسان حالهم يقول “ما الذي يفعله هذا الأسود في سيارة مثل هذه؟ مرتديًا تلك الملابس الأنيقة؟ هل يتعالى علينا؟” مشهد في غاية الابداع، وكأنهم “السود” قدر لهم أن يكونوا دائمًا في القاع.

المشهد يذكرني برائعة “تارانتينو” “Django Unchained”، والتي أوضح فيها الفارق بين عبيد الحقل وعبيد المنازل، وكيف أن عبيد المنازل كانوا ينظرون ويتعاملون بتعالي مع عبيد الحقول، بينما عبيد الحقول يشعرون بحقد لا مثيل له على البطل الأسمر لأنه يعتلي صهوة الحصان مثل الأسياد!

أداء “ماهرشالا علي” كان رائعًا بالفعل، ولكن لو أنصفوا لحصل “مورتنسن” على الأوسكار! أما السيناريو فقد استحق الجائزة بلا منازع.

عنوان الفيلم هو اسم الكتاب الذي يستعين به المسافرون السود ليوضح لهم أسماء وعناوين الفنادق الموجودة على الطرق السريعة والتي تسمح باستضافة السود! فكرة قميئة وعنوان تم اختياره بعناية ليشير الى مدى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت له أمريكا في تلك الحقبة، بينما من عدة أعوام تربع أول رئيس أمريكي أسود على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. الفرق بين اليوم والبارحة مثير للاعجاب بالفعل!

ملحوظة: عائلة “شيرلي” نفت تماما الواقعة التي تم ابرازها في السيناريو عن شذوذه والتي لم يكن لها لزوم على الاطلاق، ولكنه العفن المعتاد والذي يزج به في كل الأعمال.

تقييم الفيلم على موقع IMDB هو (8.3).

عمر فتحي دسوقي

عن عمر فتحي

طبيب وروائي مصري، من أعماله: انتقام ميت، دعوة للموت، أنفاس الشيطان.